الرئيسية » مقالات » فلنرفع علم صلاح الدين

فلنرفع علم صلاح الدين

من جديد أصبح العلم العراقي المنتظر الذي تعثر اقراره رغم ما تضمنه الدستور بوجوب تجديده الى جانب النشيد الوطني وخلافهما من كل ما يرمز الى النظام الدكتاتوري المخلوع موضع تجاذب بين القوى السياسية وقد طال أمد معالجته حيث المصلحة الوطنية العليا تقضي الانتهاء منه بأسرع ما يمكن أقله حتى لايشكل عائقا أمام انعقاد مؤتمر البرلمانيين العرب المزمع عقده في أربيل عاصمة اقليم كردستان في فبراير شباط القادم وهو موضع ترحيب ليس من الحكومة العراقية مجتمعة فحسب التي ترى فيه خطوة نحو الانفتاح على المحيط العربي بل من جانب القيادة السياسية الكردية ورئاسة الاقليم وحكومته رغبة منها في تعميق الحوار مع الأصدقاء العرب على الصعيدين الرسمي والشعبي وافساح المجال لاطلاع مندوبي البرلمانات العربية على حقائق الوضع في اقليم كردستان العراق الفدرالي وما تحقق فيه من انجازات اقتصادية واجتماعية في ظل الاستقرار وتقدم في مجال حقوق الانسان والحريات العامة والتعايش بين القوميات والأديان والمذاهب وبالتالي التعرف على المجلس الوطني الكردستاني – البرلمان – من تكوينه التعددي وتجربته الى دوره في المجتمع .
ليس سرا أن أسباب عدم تنفيذ بنود الدستور المتعلقة منها خصوصا بالمسائل الخلافية أو التي ترتبط بصلب قضايا كردستان مثل المادة – 140 – من الدستور حول تطبيع الأوضاع في كركوك والمناطق المعربة الأخرى والمواد المتعلقة بقانون النفط والعلم الجديد والطبعة المرتقبة من نموذج جواز السفر المفترض أن يكون باللغتين العربية والكردية الى جانب الانكليزية وكذلك العملة الوطنية وغيرها تعود الى تباطؤ الحكومة المركزية وترددها في تنفيذ واجباتها الدستورية والقانونية ليس لموانع فنية أو مالية أو أمنية كما هو شائع بالرغم من تعقيدات الوضع العراقي المعروفة بل لأسباب سياسية ومنها :
أولا – تمسك قوى عديدة بميراث الدكتاتورية المخلوعة وتعبيراتها ورموزها وعدم قبولها العراق الجديد الديموقراطي التعددي الفدرالي الذي يقوم على توافق مكوناته الوطنية بمافيه الدستور الجديد وبنوده وحيثياته القاضية باعادة النظر بكل ما يرمز الى الاستبداد وفي كل ما أقترفته الدكتاتورية من ظلم وانتهاكات بحق فئات من الشعب العراقي وازالة آثار المشاريع والمخططات ذات الطابع القومي العنصري والمذهبي التي استهدفت الأغلبية الساحقة من النسيج الوطني في شمال البلاد وجنوبها على وجه الخصوص .
ثانيا – اصرار القوى والفئات الشوفينية المستفيدة من اجراءات النظام المقبور ذات الطابع العنصري على الوقوف حجر عثرة أمام أي تبديل لما هو سلبي واستفزازي لغالبية العراقيين أو عودة الحقوق الى أصحابها الكرد والتركمان والكلدان والآشوريين وفئات عربية بما في ذلك تجسيد هوياتهم في العلم العراقي المنشود واستمرارها في اثارة النعرات والشكوك تجاه النيات الكردية لدى طرح أي مطلب شرعي محق ..
ثالثا – انحياز مجموعات الطائفية السياسية الشيعية الى صف الشوفينيين من بقايا النظام المقبور حيال القضايا المثارة واستمرارها في وضع العصي بدولاب المسيرة الدستورية القانونية والعملية السياسية برمتها وليس بخاف على أحد أن تجليات ممانعة القوى المذكورة تظهر في تعبئة النفوس والاصطفاف المذهبي – العنصري والتركيز الارهابي على مناطق معينة لجلب الانتباه والايحاء الى خطورة المس بالواقع الراهن لمختلف القضايا التي تنتظر الحلول عبر تطبيق بنود الدستور ومن بينها مسألة العلم .
رابعا – تصرفات غير مسؤولة من جانب جهات معينة في القوى المتعددة الجنسيات وخاصة منها ذات الطابع العسكري – الأمني التي تفتقر الى الحد الأدنى من فهم البعد السياسي الكافي في المعادلة العراقية من تعدد قومياته ومكوناته الأثنية الدينية والمذهبية وخفايا الميراث الشوفيني الذي خلفه النظام السابق وما رافقها من كوارث ومآسي بحق جهات عراقية معينة وجهلها الحد الأدنى من متطلبات الحلول لقضايا القوميات وفي المقدمة القضية الكردية التي يختلف مسارها ومضامينها وخصوصياتها عن تجارب الغرب الرأسمالي في حل المسألة القومية ونظرة فاحصة الى مذكرات الحاكم المدني الأمريكي للعراق لسنوات مابعد الاطاحة بنظام صدام السيد – بريمر – تؤكد ذلك التعامل – الاستشراقي – السطحي مع القضية العراقية بكل تفاصيلها .
خامسا – هناك أوساط ثقافية عليمة وواسعة في كردستان تضع جزء من اللوم على الجانب الكردي أيضا بشكل عام ومن يمثله في الحكومة والبرلمان في بغداد على وجه الخصوص ووسائل الاعلام الرسمية الحزبية والحكومية في الاقليم في مجال التقصير بمتابعة الأمور الجوهرية وضعف الأداء والعجز عن الدفاع عن قضايا الشعب المشروعة حسب آلية منهجية علمية دقيقة معززة بالوثائق والأدلة والابتعاد عن نهج التحاور بشفافية ان كان حول القضايا المختلف عليها أو بشأن التواصل السياسي والثقافي الكردي – العربي وهذه مآخذ تستحق الوقوف عندها وتأملها من جانب القيادة السياسية الكردستانية .
لقد أثار الجدل الدائر الآن حول شكل وألوان وايحاءات العلم العراقي ذاكرتي للعودة عقود ثلاث الى الوراء واستحضار مشهد ذي معنى عميق أعلن فيه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في احدى خطبه في مناسبة فلسطينية – كردية مشتركة في بداية ثمانينات القرن المنصرم باحدى مواقع جبال الشوف اللبنانية وفي معرض الحديث عن العلاقات العربية الكردية وسبل حل القضية الكردية بحضور ممثلين عن الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل المقاومة الفلسطينية ومندوبي السلك الدبلوماسي من الدول الاشتراكية – سابقا – في بيروت فقد طالب بحل ديموقراطي عادل لقضية الكرد اللذين يشكلون المكون الأصيل لبلدان المنطقة وأن الخروج من الأزمة يكمن في ” قيامنا جميعا برفع علم صلاح الدين ” وهو تعبير رمزي يفسر عمق الروابط بين الشعبين وأن راية الأيوبيين ذات اللون الأصفر وشعارهم المتجسد في صورة النسر المأخوذ عنها اليوم في معظم البلدان العربية التي كانت تحت لواء الأيوبيين قبل أكثر من ثمانية قرون لم تكن تتعصب لقومية معينة بل كانت تمثل الشراكة والتضامن بين شعوب المنطقة والتوحد في وجه العدوان الخارجي وهو اضافة الى ذلك اعتراف بجميل قدماء الكرد ووفاء للتاريخ المشترك بين الشعبين الصديقين ودعوة العرب لرؤية وفهم حقائق التاريخ وأحقية مطالب الكرد في تقرير مصيرهم كسكان المنطقة الأصليين والذين لعب أجدادهم الدور الريادي التوحيدي في العصور الماضية .
الحالة العراقية الراهنة وما يرتبط منها بمسألة العلاقات المصيرية العربية الكردية أحوج ماتكون الى العلم الذي دعا اليه أبو عمار من نوع علم صلاح الدين يوحد بين الشعبين وكل المكونات الأخرى ويعزز اللحمة بين القوميات ويجسد التسامح بين الأديان ويجسر الهوة بين المذاهب علم يرسخ والى الأبد مفهوم حقيقة زوال الدكتاتورية وما يرمز اليها من آثار ومسميات وثقافات واستحالة العودة الى الوراء ويحسم واقع قيام العراق الجديد التعددي الفدرالي الذي يسير حسب ارادة بنيه بالتضامن والتكافل والتوافق والشراكة في السلطة والثروة ومن هنا يمكن القول أن موضوعة العلم العراقي المنشود بدستوريته ومشروعيته وأولويته تشغل أحدى التحديات الرئيسية أمام شعب العراق ذات الصلة الوثيقة بحاضره ومستقبل أجياله وبمصير جمهوريته العصرية المنبثقة عن عملية التغيير الديموقراطي الناجز النموذجي في الشرق الأوسط .