الرئيسية » مقالات » نقد رفاقي ضروري… نقد لأطروحات تجمع اليسار الماركسي في سوريا

نقد رفاقي ضروري… نقد لأطروحات تجمع اليسار الماركسي في سوريا

كان من الطبيعي أن يستقبل الكثير من اليساريين السوريين إعلان تجمع اليسار الماركسي في سوريا بأمل , فقد تاهت دروبهم بين التنظيمات الرسمية و بين واقع عام يتدهور و بين من تلبرل و ارتاح..كانت الحاجة هائلة لحالة حوارية جدية عن توصيف الواقع و تحديد الاتجاه..يضم التجمع قوى ذات تاريخ مختلف و مواقف متنوعة إلى حد ما و لو أنه خلاف في إطار نسبي من التشابه..يجب الاعتراف أن التجمع , عدا عن جهد نظري هام , غارق إلى أذنيه في حالة اليسار السوري السابقة على وجوده , النقطة الأهم في هذه الحالة هي تفاصيل العلاقة مع النظام و الإسلاميين و الموقف من الديمقراطية التي يبدو أن هناك ما يشبه إجماع غير معلن منها بين قيادات اليسار السوري التاريخية بغض النظر عن موقعها التنظيمي أو المدرسة اللينينية أو الماركسية التي تنتسب إليها , لسبب ما فإن كل الطرق أو الدروب اليسارية اليوم تقود إلى ذات النتيجة تقريبا , إلى روما النظام و المسألة الوطنية..ما يزال الحديث يتركز أولا عن القضية الوطنية بالصيغة التقليدية ( بيان اجتماع القيادة المركزية بتاريخ 15 – 10 – 2007 ) , بالدعوة لأوسع “وحدة وطنية” و مرة أخرى في وصف القيادة المركزية للتجمع سياسة رفع الدعم الحكومية بأنها “توجه غير وطني”..هذا في إطار الحديث عن المركزي و الثانوي , الكلي و الجزئي , القضية الوطنية بصيغتها المذكورة هي في المركز طبعا و هي تفرد مكانا “مركزيا” للنظام في مواجهة الإمبريالية , هكذا يكسب النظام..هذا يأتي مع انكشاف كل الحقيقة عن النظام , ليس فقط كحالة سياسية و اقتصادية و اجتماعية مافيوية ذات سياسات تدميرية على حياة الجماهير بل في تهافت قوته و انكشاف عجزه البنيوي ليس عن القيام بأية ممانعة ذات معنى بل في التصدي لغارة واحدة , لا يمكن اليوم إنكار حقيقة بسيطة جدا هو أن النظام سينهار و سيسقط في أية مواجهة حقيقية ضد قوى المشروع الأمريكي الإسرائيلي و أنه لذلك يضطر إلى اللجوء إلى سياسة انتهازية يحاول من خلالها إثبات جدواه و حسن نيته لتلك القوى الأشرس في تاريخ العالم و المنطقة في نفس الوقت الذي يحاول فيه شراء الوقت بإلهاء هذه القوى في محاولة لتجنب المواجهة المباشرة..على خلاف النظامين الكوري الشمالي و الإيراني لم ينشغل النظام عن تكالبه على خيرات البلد وخيرات لبنان في وقت سابق بمحاولة اكتساب أية قوى مؤثرة قد تسمح له أن يشكل رقما صعبا بالفعل , ربما كان الدور المناط بالساحة اللبنانية كساحة لمشاغلة إسرائيل و تثبيت دور إقليمي هام له سببا يبرر تكاسله هذا..هذا يعيدنا إلى فترة ماضية تمركزت أيضا على الدور المركزي لسلطة “عمالية” أو “صديقة” في مواجهة “سلطة معادية” , بدأت القصة منذ بداية الثورة الروسية عمليا لكنها اكتسبت المزيد من “المصداقية” مع كل انعطاف , في أثناء المواجهة مع النازية و من ثم في أتون الحرب الباردة..كان التركيز يتم أساسا على دعم السلطة الناشئة في الاتحاد السوفييتي و تم تبرير الدخول في مساومات أو صفقات في حقيقة الأمر مع قوى طبقية معادية و القبول بقمع الجماهير و باستغلالها من قبل هذه “السلطات الصديقة” لكن في إطار مصلحة الشقيق الأكبر و بالتالي الدفاع عن ممارسات بدأت بأطروحة الجبهة الشعبية في مواجهة النازية وصولا إلى أطروحة أنظمة طريق التطور اللا رأسمالي المعدلة فيما بعد إلى أطروحة التقدم الاجتماعي..تستطيع جماهير أوربا الشرقية أن تجيبكم عن فضائل الستالينية بقدر ما تستطيع شعوبنا أن تتحدث عن فضائل أنظمة “التطور اللا رأسمالي”..كانت القضية المركزية هنا و هناك هي قضية بقاء نظام البيروقراطية الحاكمة و أصبحت في مقابلها قضية نتائج سيطرة البيروقراطية و نظامها التعسفي القمعي الذي همش المجتمع مجرد واقعة ثانوية هامشية جانبية لا تستحق أن نخسر الهدف الأبرز المركزي بسببها , هكذا جرى تهميش الناس و لا سيما الشغيلة و سحقهم تحت ماكينة الدولة البيروقراطية و تنصيب هذه البيروقراطية وصية على هذه الجماهير و على الماركسية و على النضال ضد الإمبريالية و هكذا كان السقوط المدوي هو الرد الطبيعي للشغيلة و التاريخ و المنطق..لم يحطم أي شيء سمعة الماركسية و سمعة أهداف مثل المساواة و العدالة كما فعلت الستالينية , بعد هذا الانهيار بدأت حقبة سوداء أصبح فيها الكلام عن العدالة و المساواة شبه مستحيل , وحدها همجية العولمة الرأسمالية أعادت هذه المبادئ من جديد إلى الواجهة الإنسانية , و اليوم لا يسيء أي شيء لمقاومة المشروع الأمريكي الإسرائيلي أكثر مما تفعل هذه الأنظمة القمعية الفاسدة التي تعتبر بقائها و استمرار تسلطها فعل مقاومة , تذكروا التحليل الناصري البعثي بعد هزيمة حزيران الكارثية الذي اعتبر مجرد بقاء هذه الأنظمة انتصارا سياسيا , وحده سقوط نظام صدام اعتبر هزيمة و انتكاسة..لقد عاقبت الجماهير و كذلك التاريخ نظام ستالين رغم أنه تمكن باستخدام ميزات المركزة الشديدة لحكمه من مواجهة جحافل النازية و من تحقيق قفزات كبرى في الصناعة , لكن هذه الأنظمة وريثة الستالينية ليست إلا مسخا مشوها عاجزا لدرجة العقم و هي لا تبز المثال إلا بدرجة فسادها و علاقتها المافيوية مع المجتمع..دعونا للحظة نحاول تقمص تلك القوى التي اكتشفت حقيقة الأنظمة الستالينية البيروقراطية القمعية و هي في خضم المواجهة مع النازية أو الرأسمالية العالمية , هل كان خيار التركيز على “القضية المركزية” هو الخيار الذي انتهى بها إلى النصر أو إلى تحقيق و لو جزء من يوتوبيا العدالة و المساواة الشيوعية ؟ هل كان بمقدور تلك القوى يومها صياغة “خيار ثالث” خيار خارج هذه الأنظمة المحكومة بالسقوط لا محالة و خارج الاستسلام للرأسمالية العالمية ؟ و ما هو تأثير وجود بديل قوي جماهيري يقوم بالضرورة على توفير أقصى ديمقراطية أو حرية للجماهير على حتمية السقوط هذه أو على البديل الذي حل مكان تلك الأنظمة المتهاوية ؟ هنا يجب إعادة ترتيب أولوياتنا على نحو معاد للستالينية تحديدا و ليس وفقا لأطروحات الستالينية..ليست القضية أوتوماتيكية و غير واعية كما أراد يوما الأستاذ نذير جزماتي أن يقنعنا بضرورة التطور الرأسمالي مستخدما نفس المقاربة التسليمية لمقولات ماركسية لينينية عن بناء الاشتراكية في بلد واحد , على العكس يجب أن يكون البديل واع يرتكز على جهد حر و جماعي ما أمكن ..تماما كما نرفض من يريد أن يحشرنا في ثنائية السلطة – أمريكا أو الليبرالية – حكم الطغمة الفاسدة التسلطي ليثبت ضرورة لبرلة عقولنا فإننا نرفض أن تكون ذات الثنائية أساسا لإثبات ضرورة بقاء نظام كهذا من منطلق العداء للإمبريالية هذه المرة..نعم إننا نصر على وجود بديل ثالث ضروري ليس فقط من زاوية ضرورة هزيمة الإمبريالية بل و من زاوية تثبيت أن البديل في الأساس هو بديل جماهيري يستند على إطلاق أقصى ما يمكن من حرية و تحقيق المساواة و العدالة لصالح هذه الجماهير أي بما يتناقض جذريا مع وجود أية حالة قمع أو استلاب أو استغلال مهما كان لون ردائها الخارجي..إن هذا الاحتقار للجماهير الموروث من الستالينية يجب أن يستبدل بأولوية حريتها و أوضاعها على أية حالة سلطوية تمتهن استلابها و خداعها و تزوير إرادتها و مصالحها انطلاقا من أي كلام ديماغوجي عن الإمبريالية أو عن المقاومة..إن النظام السوري محكوم بالسقوط , و البديل الوحيد لهذا هو حالة من الانحطاط العام بحيث يصبح من الصعب على المجتمع أن يسقط هذا النظام , قد يعمر النظام السوري طويلا لكن فقط على حساب المزيد من عذابات السوريين و قد يخلف وراءه مقاومة على طريقة مقاومة “عزت الدوري” لكن كل هذا هو على حساب الجماهير أولا و أخيرا و ليس على حساب إضعاف المشروع الأمريكي الإسرائيلي , يمكن اليوم أن نخلق أملا بتجاوز ليس فقط الواقع المأساوي الذي يفرضه النظام على الجماهير السورية بل و أن نتجاوز احتمال أن تحقق الإمبريالية بالفعل نجاحا سهلا إضافيا على أنقاض هذا النظام بأن نقدم للجماهير السورية المضطهدة المرشد و السلاح في صراعها من أجل حريتها , من أجل عالم أفضل , بالتأكيد لن نقف عندها كما فعلت القوى المخلصة يوم سقط النظام السوفييتي و هي ترى حصانها الذي راهنت عليه ينهار فجأة لأن السرطان الخبيث كان قد قضى عليه من الداخل بشكل لا شفاء له..لا مساومة مع مغتصبي الحرية , هذا هو درس التاريخ , و علينا أن نفهمه و إلا فإن التاريخ ليس بمسرحية يمكن إعادتها من جديد إلى الوراء إذا لم تعجبنا النتيجة…..