الرئيسية » مقالات » قلبي ينزف من أجل باكستان

قلبي ينزف من أجل باكستان

ترجمة : مازن كم الماز 
ز نت , 1 كانون الثاني يناير 2008

قبل ست ساعات من إعدامها كتبت ماري ملكة الاسكتلنديين إلى أخي زوجها هنري الثالث ملك فرنسا “بالنسبة لابني فأنا أوصيك به طالما كان يستحق ذلك , لأنه لا يمكنني أن أجيب عنه” . كان ذلك عام 1587 .
في 30 ديسمبر كانون الأول 2007 عقدت خلوة مغلقة لمجموعة من الزعماء الإقطاعيين في منزل المغدورة بنازير بوتو لسماع وصيتها الأخيرة , حيث تليت وصيتها و أعلنت محتوياتها فيما بعد للإعلام العالمي . في الموضوع الذي كانت الملكة ماري مترددة بصدده لم تترك نظيرتها المعاصرة أي مجال للشك فيه . إنها تستطيع أن تجيب عن ابنها بكل تأكيد .
سوف تتولى قيادة ثلاثية تضم زوجها , أسيف زارداري ( واحد من أكثر السياسيين الفاسدين و سيئي السمعة في البلد و الذي ما يزال يواجه اتهامات بالفساد أمام ثلاث محاكم أوروبية ) , و اثنين من النكرات , ستتولى قيادة الحزب حتى يبلغ ابنها بيلاوال الذي يبلغ 19عاما اليوم السن القانونية . عندها سيصبح هو زعيما مدى الحياة للحزب , المنصب الذي سينقله بدوره إلى أبنائه من دون أي شك . هذه الحقيقة الرسمية الآن لا تجعلها أقل إثارة للضحك . أن يعامل حزب الشعب الباكستاني كميراث عائلي , كملكية يقرر مصيرها وفقا لرغبة زعيمه .
لا أكثر و لا أقل . مسكينة باكستان و مساكين هم أنصار حزب الشعب . كلاهما يستحقان أفضل من هذه التمثيلية المقززة التي تعود إلى القرون الوسطى .
وضع قرار بنازير الأخير بذات الطريقة الأوتوقراطية الاستبدادية كما فعل أسلافها , و هي طريقة قد كلفتها , على نحو مأساوي , حياتها . لو أنها أصغت لنصيحة بعض قادة الحزب و لم تقبل بالاتفاق مع برويز مشرف الذي لعبت أمريكا دور الوسيط فيه أو حتى فيما بعد لو أنها قررت مقاطعة انتخاباته البرلمانية لربما كانت ما تزال حية اليوم . إن هديتها الأخيرة للوطن لا تساعد جيدا في مستقبله .
كيف يمكن أخذ السياسيين المدعومين من الغرب على محمل الجد إذا كانوا يعاملون حزبهم كمجرد إقطاعة و أنصارهم كأقنان فيما أفراد الحاشية في الخارج يطلقون التفاصيل المتملقة فيما يخص الأمير الشاب و مستقبله .
إن حقيقة أن الدائرة الداخلية في حزب الشعب الباكستاني تتألف من انتهازيين متخاذلين يعيشون حياة كئيبة و محبطة لا يوفر أي عذر . كل هذا يمكن تغييره لو أنه تم تطبيق الديمقراطية داخل الحزب . هناك طبقة صغيرة من القادة غير الفاسدين و المبدئيين داخل الحزب لكن جرى تهمشيهم . إن السياسات التي تختص بالأسرة الحاكمة هي دليل على الضعف و ليس القوة . كانت بنازير مغرمة بمقارنة عائلتها بعائلة كينيدي , لكنها اختارت أن تتجاهل أن الحزب الديمقراطي , بغض النظر عن إدمانه على الأموال الطائلة , لم يكن أداة لأية عائلة واحدة .
إن قضية الديمقراطية بالغة الأهمية لبلاد حكمت من قبل العسكريين لأكثر من نصف عمرها . إن باكستان ليست “دولة فاشلة” بالمعنى الذي نشاهده في الكونغو أو رواندا . إنها دولة تعاني من الاختلال الوظيفي و هي على هذه الحال منذ أربعة عقود .
و في قلب هذا الاختلال توجد هناك سيطرة الجيش فكل فترة من الحكم العسكري جعلت الأمور أسوأ . كان هذا هو ما أعاق الاستقرار السياسي و ظهور مؤسسات مستقرة . هنا تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة , لأنها طالما اعتبرت الجيش على أنه المؤسسة الوحيدة التي يمكنها القيام بعمل ( بزنس ) معها و التي , لسوء الحظ , ما تزال كذلك تفعل حتى اليوم . هذه هي الدعامة التي تركت المياه المتلاطمة تندفع في سيل جارف .
إن ضعف الجيش معروف جيدا و قد وثق بإسهاب . لكن السياسيين ليسوا في موقع يسمح لهم أن يلقوا بالحجارة . فبرغم كل شيء لم يكن السيد برويز أول مبادر للهجوم على النظام القضائي هذا الهجوم الذي تغاضى عنه بكل رحابة نائب وزيرة الخارجية الأمريكية جون نيغروبونتي و سكرتير العلاقات الخارجية ديفيد ميليباند . ارتكب الهجوم الأول على المحكمة العليا من قبل مرتزقة نواز شريف الذين اعتدوا على القضاة جسديا , غضب هؤلاء المرتزقة بسبب قرار اتخذه هؤلاء القضاة على الضد من مصلحة سيدهم عندما كان رئيسا للحكومة .
لقد راود بعضنا الأمل بأنه مع موتها فإن حزب الشعب قد يبدأ صفحة جديدة . فعلى الرغم من كل شيء كان أحد قادته الرئيسيين اعتزاز إحسان رئيس نقابة المحامين هو من لعب دورا بطوليا في الحركة الجماهيرية ضد إقالة رئيس القضاة . جرى اعتقال السيد إحسان أثناء حالة الطوارئ و أبقي في الحبس الانفرادي . و هو الآن ما يزال تحت الإقامة الجبرية في منزله بلاهور . لو كانت بنازير قادرة على التفكير أبعد من العائلة و الزمرة لكان عليها تعيينه رئيسا للحزب بانتظار إجراء الانتخابات داخل الحزب . لا يوجد أي حظ لكل هذا .
ستكون النتيجة على الأغلب انشقاقا داخل الحزب عاجلا أكثر منه آجلا . فكثير من الناشطين يكرهون السيد زارداري و يعتبرونه مسؤولا عن سقوط زوجته . ما أن تهدأ العواطف فإن رعب الخلافة سوف يصيب كثير من أتباع حزب الشعب الباكستاني التقليديين ما عدا القسم الأكثر رجعية : محترفو القفز إلى العربة الساعين بحماسة إلى الثروة .
كان من الممكن تجنب كل هذا , لكن ملاك الموت الذي قام بتوجيهها عندما كانت حية , واحسرتاه ! , هو أيضا لا يهتم كثيرا للديمقراطية . و هو الآن قائد الحزب الفعلي .
في هذه الأثناء هناك وطن في حالة أزمة . مع تمكن السيد مشرف من النجاة بجلده السياسي بفرض حالة الطوارئ , فإنه ما زال يفتقر إلى الشرعية . لا يمكن القيام حتى بانتخابات مزورة في الثامن من يناير كانون الثاني القادم بغض النظر عن النصائح المتجهمة للرئيس جورج بوش و مساعده غير المقنع في داونينغ ستريت . ما هو واضح هو أن الإجماع الرسمي على من قتل بنازير بوتو يتداعى ما عدا على تلفزيون البي بي سي . لقد أصبح معروفا الآن أنه عندما طالبت بنازير الأمريكان بكتيبة حماية على نمط كارازاي أو حراس شخصيين من المارينز الأمريكان السابقين من المتعاقدين الخاصين رفض طلبها باستهزاء من الحكومة الباكستانية التي رأت هذا الطلب على أنه انتهاك للسيادة .
الآن فإن كلا من هيلاري كلينتون و السيناتور جوزيف بيدين , رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس , يعلقان شارة المجرم المسؤول عن عملية القتل على ذراع السيد مشرف و ليس القاعدة , و هي علامة أكيدة على وجود قطاعات من المؤسسة الأمريكية تفكر بالتخلص من الرئيس .
إن مشكلتهم هي , أنه مع موت بنازير , ليس أمامهم أي بديل آخر سوى الجنرال أشرف كياني , قائد الجيش . فنواز شريف يرى كلعبة بيد السعودية و بالتالي فهو غير مضمون , رغم أنه , مع اعتبار التحالف الأمريكي السعودي , فإن المسكين مشرف مصاب بالحيرة لماذا هو الوضع كذلك . بدوره فهو جاهز لتنفيذ أوامر واشنطن لكنه يفضل الملك السعودي أكثر من السيد مشرف ليكون ناقل رسالة الإمبريالية .
هناك حل لهذه الأزمة . هذا يستدعي استبدال السيد مشرف برجل أقل إثارة للخلاف , و حكومة وحدة وطنية مشكلة من كل الأحزاب لتعد لانتخابات حقيقية في غضون ستة أشهر و إعادة قضاة المحكمة العليا الذي تم صرفهم من الخدمة ليحققوا في مقتل بنازير من دون خوف أو محاباة . هذه ستكون البداية .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.zmag.org