الرئيسية » مقالات » في إحداثيّات المشكلة الكرديّة في سوريا

في إحداثيّات المشكلة الكرديّة في سوريا

يحقُّ للبعضِ الأخذِ بنظريّة المؤامرة المستمرّة، التّشكيكَ في توقيت الحديثِ عن مسألة كرديّة في سوريّا “في هذا الظرف بالذّات”. فقد كانت غير ذاتَ شأنٍ يُذكر في الحقل السيّاسيّ والثّقافيّ العامْ،خلا مجالاتٍ ضيّقة ومحدودة، وفي أوساط نخبويّة تحديداً، ثم بدا وكأنَّ انقلاباً من نوع ما قد حصل في زمن قياسيّ. من حديثٍ عادي وهمسٍ منخفضِ عن المجردّين من الجنسيّة من الأكراد ومعانّاتهم الإنسانيّة والاجتماعيّة والكلامُ على بعض الحقوق الثقافيّة والقانونيّة للمواطنين الأكراد. وشعاراتٍ رائجة عن ضرورة تمتين “الجبهة” الداخليّة في مواجهة الأعداء،بـ”زجّ” جميع فئات الشّعب في المعركة المصيريّة…. إلى خطاب يقولُ بوجود شأنٍ كرديّ أو حقوقٍ كرديّة أو مشكلةٍ كرديّة، أو قضيّةٍ كرديّة، أو مسألةٍ كرديّة في سوريّا!.والتوصيفاتُ هذه جميعها، تنطبق على الحالة الكردية، برأييّ، تبعاً لزاوية النّظَر ومستوى الرؤية،والقرب والبعد: فهي شأنٌ سياسيّ و اجتماعيّ وثقافيّ، وثمّة حقوقٌ مهضومة لجماعةٍ مخصوصةٍ من المواطنين ينتمون لإثنية ـ قومية بعينها (تضاف لحقوقهم المستلبة كسائر مواطنيهم السوريين) وهي أيضاً مشكلةٌ ومصدر قلق لاستقرار النّظام السياسيّ والاجتماعيّ للدولة السوريّة لا السّلطة فحسب، الذي لا يعترف بتعدديّة أثنيّة وقوميّة، ويقولُ بالمجتمعِ العربيّ القوميّ الواحد المتجانس، وكذلك قضيّة شائكة ذات شحنة عاطفيّة وشعوريّة للقائلين بها، وأخيراً هي مسألةٌ سياسيّة وتاريخيّة، مُعقّدة ومُركّبة على مستوى المنطقة برمّتها وعابرة للحدود، كونها تخصّ قوميّة بعينها تبحثُ عن تحقّقها في شكلٍ أو معادلٍ سياسيٍ ما، يتداخل فيها التاريخي والجغرافي والسياسي والإقليمي والدولي، والواقع بالرمز والذاكرة والحاضر بالماضي، وهنا عقدة “الحلّ النهائيّ” وأسّاس المسألة التاريخية بنظري، بل وأصعب مستويّات المُقاربة أيضاً، ولَنْ أتعرضَّ لها في هذه السّطور. وإنما أقوم هنا بتقصيّ وتتبّع موقع القضيّة الكرديّة، كاحد ملّفات الوضع الداخليّ السوريّ الأكَثر إشكالاً، بين وثيقتين مفصليتين في حياة الحركة الديمقراطيّة السوريّة: الوثيقةُ التأسيسيّة للجان إحياء المجتمع المدنيّ ( 2000) وإعلانُ دمشق للتغيير الوطنيّ الديمقراطيّ(2005).
خلال سنوات ست منصرمة جرت تحوّلات مهمّة على صعيد الحراك الداخليّ السوريّ سياسيّاً وثقافيّاً ـ وإن كانت رمزيةً في جوهرها ـ، لعلنا نتذكر جميعاً النفحات الأولى لـ”ربيع دمشق” (المُجهض). مقالاتٌ صحفية ونقاشاتٌ سياسيٌة وثقافيٌة في الإعلام المكتوب “حيث لم تكن شبكةُ الانترنت قيد التّداول الواسع في سوريا كما هي اليوم”. الوثيقة التأسيسيّة للجان إحياء المجتمع المدنيّ في سوريا (أصدرها مثقفون وأكاديميون وناشطون سياسيون واجتماعيون وفنانون) كانت النصّ الأساسيّ والعنوان العريض لباكورة الحراك الديمقراطي.إذ لم تكن “وثيقة” تخصّ لجاناً قيد التأسيّس وحسبْ، بل أصبحت ومنذ إعلانها وثيقةً تعني مُجْمَل الفاعلين السياسيين والثقافيين والاجتماعيين في البلاد على اختلاف مشاربهم الحزبيّة والسياسيّة، خارج فلك السُّلطة. بمطالبها ومضمونها الجديد صاغَت الوثيقةُ تِلكَ خطاباً وطنيّاً ديمقراطيّاً للحركة الوطنيّة في سوريا، سوف تُصاغُ جميع الخطابات على هديٍ منها ويجري نسغُها التجديدي في الأوساطُ الثقافية والسياسية والفكرية والفنية في سوريا إلى سنوات عديدة، بعد أن نالها الفقر ووالتهميش والتخثّر لعقود عجاف حيث كان خطاب السلطة هو المسموع والساري لوحده في “سوريا البعث” لعقود عديدة، ناهيك عن أنها ـ أي السلطة ـ كانت اللاّعب الأوحد في الحياة العامّة لمجموع المواطنين السوريين، وأدقّ تفاصيل حياتهم.
في ما يخصّ موضوع النقاش، نستطيع القول أنه لم يكن للشأنِ الكرديّ أية أهميّة تُذكَر في خطاب تلك المرحلة كما هو اليوم، وإذا حاولنا تفسير الغياب ذاك يمكننا إرجاعه لعوامل مختلفة:
1ـ هدفت الوثيقة التأسيسيّة إلى رسم الملامح الأساسيّة للحياة العامّة في سوريا ولم تتعرّض للتفصيلات.
2 ـ غياب أي حراك سياسيّ أو ثقافيّ مدنيّ أو أهليّ في البلاد لثلاثة عقود على الأقل، يتيح للناس والمواطنين والنشطاء التعرف على بعضهم البعض لإنتاج معرفة حقيقية بالواقع.. وكان لغياب النشاط السياسيّ في البلاد،بمفعول حالة الطوارئ الشّاملة المستحكمة بالحياة العامّة والخاصّة للمواطنين،وعدم تبلور مجال سياسيّ وطنيّ مشترك على مستوى البلاد كلها و تغييب كل نشطاء الحركة السياسيّة ـ خارج السلطة ـ في السجون والمعتقلات أثراً كبيراً على هذا الصعيد…
3 ـ عدم نضج فهمٍ كافٍ لقضايا القوميّات غير العربيّة والأقليّات القوميّة في العالم العربيّ عموماً وسوريّا خصوصاً وربّما تمّ إغفال هذا الجانب نظراً لحساسيّة عرض المُشكلة واستغلال النّظام لقمع الحراك الديمقراطيّ المبتدئ لتوّه، بشدة.
4 ـ عدم اعتبار “المسألة الكرديّة في سوريا” ذات أهمية حقيقيّة في ظِّل تعقيدات الواقع الداخلي وتنوع مُشكلاته الكثيرة واعتقاد البعض بإمكان تأجيل المسألة الكرديّة لحين تحقيق الديمقراطيّة التي ستتكفل بحلّ المشكلة الكردية تلقائياً!!
5 ـ وجود آثار وترسبات فكريّة ونفسيّة لثقافة استعلائية قومية ضيّقة في أذهان نسبة غير قليلة من نشطاء الحقل الديمقراطي!
6 ـ انشغال السياسيين والمثقفين السوريين بالقضايا القوميّة العربيّة وتوجه أنظارهم وشعاراتهم صوب ما هو خارج سوريا وفي المقدمة منها قضية فلسطين والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبالتالي عدم إيلاء الأهمية الحقيقية للقضايا الحيويّة التي تهمّ المواطن السوري، كقضايا الحريّات الفرديّة والجماعيّة وحقوق الإنسان والمواطن… ووصل الأمر لحدّ اختزال الديمقراطية ـ عند كثيرين ـ كحاجة وطنيّة وإنسانيّة ضروريّة لتنظيم الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في البلاد وكمجال لممارسة الحريّات الإنسانيّة، إلى مجرد “سلاح” لمحاربة إسرائيل والإمبريالية العالمية.
7 ـ انشداد شخصيات وقيادات عديدة من معارضة النظام إلى محاور عربيّة خارج سوريّا لم تعرف يوماً ما إلا بعدائها للحقوق الكردية. وتحديداً نظام صدام حسين “حارس البوابة الشرقية” الذي كان يخوض حرباً ضروساً وحملات تطهير عرقيّ وإبادة جماعيّة ضد الكورد هناك.
8 ـ قصور وتعثّر الحركة السياسيّة الكرديّة في بناء تفاهمات وجسور سياسيّة وثقافيّة مع قوى و نشطاء الطّيف الديمقراطي في البلاد بسبب عوامل تخصّ الحركة الكرديّة بذاتِها وواقعها التنظيميّ الهَشّ وعدم تبلور نظرة بعيدة المدى، حينها، للعمل على هذا المحور وانشغالها هي أيضاً بالقضايا القومية الكردية خارج سوريا وخاصة الساحة الكردستانية العراقيّة والتركيّة ….واقتناع أحزاب كرديّة كثيرة بإمكانيّة تحقّق بعض المطالب الكردية في ظل نظام شموليّ غير ديمقراطيّ، واتّقاء شرّ السلطة. و”عدم وجود بديل” للنظام القائم، وما ساعد على ذلك علاقة الحزبين الكرديين الرئيسيين في العراق وحزب العمال الكردستانيّ (التُركي) ـ وهذا الأخير يستحقّ وقفةً خاصةً بالفعل، ليس هنا مكانها ـ بنظام دمشق وتواجد مكاتب لها في سوريا، ودورها في تكريس سياسات من هذا القبيل والترويج لها. ولا يجوز أن ننسى الدورَ الذي لعبه الحزب الشيوعي السوري بفصائله المختلفة(عدا تيّار العمل الشيوعي)،واسع الانتشار بين الأكراد لكن غير القادر على الخروج عمّا هو مرسوم له من قبل حزب البعث وأجهزة السلطة إلا فيما ندر جداً بحكم ما يسمونه “تحالفاً” مع البعث “الحاكم” في إطار “الجبهة الوطنية التقدمية”، في هذا المنحى أيضاً، رغم توتر علاقته مع التنظيمات الكردية السورية وعدم تبنّيه مطالب الأكراد في أي مرحلة من مراحل عمله السياسي (سوى مشكلة المجردين من الجنسية،بعد بروزها للعيان وافتضاح أمر مشروع الإحصاء وتكاثر ضحاياه وعدم قدرة السلطات الحاكمة نفسها الدفاع عن المشروع واعترافهم بأن خطأ “تقنياً” ما حصل في إحصاء عام 1962 و أن المشكلة في طريقها للحلّ)…..
عابَ كثيرون على الحركة الناشئة حينها ضعفها وعدم قدرتها على تحريك الشارع السوري وجذبه باتجاه ساحة الشّأن العام.. وضمن هذا المناخ المتكوّن حديثاً والمفتوح على احتمالات مختلفة وربما متناقضة،التقطت أحزاب كرديّة معدودة هذا الواقع الجديد (لم يكن للمثقفين الكرد خارج أطر الأحزاب أي دور يُذكر في حركة ربيع دمشق في البداية …..)، واتجهت صوب السّاحة المتحركة ضمن الفضاء العام المجمّد لعقود من الزمن، بخطاب وطني ديمقراطي “إصلاحي” يعتمد مفردات الطيف الديمقراطيّ عموماً، وكان للوجهة تلك معوقات (كردية) عديدة منها عدم تقبل ذلك من قبل عدد من الأحزاب الكردية التي شنت هجوماً إعلامياً عنيفاً في أوساطها وأدبياتها ورسمت لتلك الأحزاب صورة قاتمة وذهبت بعيداً في هجومها ذاك وحلّلت التقارب الكردي ـ العربي الناشئ بأنه “خدمة للنظام والأجهزة الأمنية” من أجل تشويهه .وتشاطرت في أن هناك مخططاً تلعبه المعارضة بتخطيط من النظام؟؟! المشكلة مع أصحاب هذا الرأي أنه كان ـ ولايزال ـ يتحدّث بنبرةٍ عالية واثقة من نفسها لحدّ الغرور المفرط وتذاكٍ على غيرهم ووصمهم بالجهل والجبن….والعمالة؟!
غيرَ أنّ السُّلطة الاستبدادية، بحكم طبائعها، كانت بالمرصاد لهذا الحراك السلميّ الهادئ ولم تدّخر جهوداً في ضرب الحركة الديمقراطيّة،الناهضة بالكاد، بالتهديدات والوعود المضلِّلة وإتباع أسلوب “فرِّق تسد”. فعلى سبيل المثال، كانت الأجهزة الأمنية تُشيعُ أنّ ملفّ الإحصاء قيد الحل أو أن رئيس الجمهورية ينوي مقابلة وفود كردية … إلخ وإن الاقتراب من هؤلاء الذين يدّعون الديمقراطيّة ويرفعون شعارات حقوق الإنسان (وهم بالأصل عملاء لإسرائيل وأمريكا ويعملون لصالح الإخوان المسلمين!!!…) سوف يثير النقمة عليكم فإيّاكم والفعلة هذه!وبالمقابل كانت تحذّر القوى العربيّة من التعامل مع هؤلاء الإنفصاليين الذين يريدون اقتطاع جزء من أراضي سوريا.
لكنّ اندلاع حرب العراق، وانتعاش الآمال الكردية في سوريا، بالحصول على مكاسب سياسيّة على غرار كردهم في العراق، ولدّت “وحدة حال” متناقضة في سوريا: أكراد سوريا مع أكراد العراق، عرب سوريا، والجزيرة تحديداً، مع عرب العراق ومثلثه السنيّ بتحديدٍ أدق، والحالان متناقضان تماماً. ما خلق متاعب جمّة للحركة الكرديّة في سوريّا نظراً لصعوبة التوفيق بين توجهين وانتماءين واحد سوري وآخر كردي، لا يتآلفان إلا بصعوبة و”تنازلات” من طرفي العلاقة. ومن ثمّ تفجّر “أحداث قامشلي” في 12 آذار 2004،التي هزّت سوريّا بأكملها، ما أدّى إلى كشف إحدى أكثر البؤر توتراً وغلياناً في سوريا، والتفكير الجدّي بتناول آخر للمشكلة الكردية من قبل النشطاء والمثقفين في سوريا. جملة العوامل هذه نقلت المسألة الكرديّة إلى مستوى جديد في خطاب الحركة الوطنيّة الديمقراطيّة السوريّة، و”تطبيع” الأكراد (على غرار تطبيع الإخوان المسلمين كما يكتب باحثّ سوري معروف) سياسيّاً، في صُلب الأجندة الوطنيّة السوريّة العامّة. لكنه، “تطبيع” قلق وغير راسخ ويقتضي كلاماً مفصّلاً في سياقٍ متصل.

(*) كاتب كردي من سوريا. باحث في الشؤون الكردية.
————————————————-
مسألةٌ كرديّة في قلب العروبة؟!
بدرخان علي الحياة – 30/09/07//
يبدو السجال حول الشأن الكردي في سورية، وكأنه فتح للتو. فالموضوع الكردي لم يأخذ مكانة مهمة في المداولات وحلقات النقاش الوطنية، نظراً لعدم وجود تاريخ ملحوظ للقضيّة الكرديّة على صعيد اللوحة السياسيّة العامة في البلاد، كما هو في العراق مثلاً، حيث المسألة الكردية ذات تاريخ حافل بالحروب والصراعات مع بغداد وفي صُلب القضايا السياسية. بل هي مشكلة حقيقية في تكوين وبنيّة الدولة والمجتمع العراقيين منذ بدايات تأسيس الدول العراقية، وهي حقيقة موضوعية غير قابلة للتجاهل والإنكار، بالنسبة للعراقيين على الأقل، إن لم يكن للعرب عامة، سوى من يصر منهم على اشتقاق الواقع من الإيديولوجيا، وهم ليسوا قلة.
في سورية، كما أشرنا، الشأن الكردي لم يأخذ حيّزاً مهماً في البرامج السياسية للقوى والتيارات، القومية منها وغير القومية. فبتنا نقرأ، بين الفينة والأخرى، مواقف وآراء لأفراد وتنظيمات، قريبة من السلطة أو في مواقع نقيضة، تعكس هذا القلق والتوجس والتذمر من تزايد الحديث المتنامي حول الشؤون الكردية، الحقوقية والسياسية، من قبل غير الأكراد، لا سيما حين يتعدى الكلام سقفاً ضيقاً من مواطنة مسّيجة بشروط وخطوط ودوائر حمر… هي أقرب لصهرٍ قسري، أثبت فشله في منطقتنا وواقع التعددية القوميّة فيها.
لا مندوحة إذاً من ابتكار مفهوم مختلف للمواطنة أكثر شموليّة واتساعاً ومقدرة على احتواء بَنّاء ومُثمر للهويّات الفاعِلة تاريخياً، وفي المقدمة منها الهويّات القوميّة لشعوب المنطقة، وإعمال النَظَر و العقل التاريخي الفاحص لابتداع نماذج متجددة للمواطنة في بلدان متعددة القوميات والأديان، بناء على خبرة البشرية جمعاء. فنحن نتحدث عن مشكلات لها طابع تاريخي وممتدة في الزمان والمكان، وتمس شعوباً وبلداناً عديدة في المنطقة ودولاً كُبرى واتفاقيّات دوليّة…
يستدعي الأمر، أولاً، الكفّ عن النظر إلى المسألة الكردية وكأنها انبعاث لتشكيلات طائفية، كانت في طريقها للانقراض والزوال والاندماج (التعبير الملطّف للصهر القومي والإثني، في هذا السياق) لولا التلاعب الإمبريالي والاختراق الاستعماري للوطن العربي!
سيكون من العسير القبول بما يعكر صفوَ الخطابة القوميّة العربيّة. فدمشق هي قلب العروبة النابض وعاصمةُ الأمويين وسورية هي مَهد العروبة، كما تُجمع الأدبيات السياسية والفكرية العربية جميعاً، لا خطاب السلطة وإعلامها فحسب، المزاود على الجميع بالشعارات القومية ومزجها بشعارات إسلامية حين اللزوم، أو مناهضة الامبريالية تارة، أو جميعها، حسب الظروف ومقتضياتها.
بيد أن حديث الخصوصية الكردية في سورية ليس اختراعاً مستجداً، كما يدّعي كثيرون، وإنما كانت حاضراً منذ بدايات نشوء الدولة السورية تحديداً، أي حتى قبل نشوء التعبير السياسي المنظّم في خمسينات القرن المنصرم، وهو بدوره يسبق 1991 بكثير (التاريخ الذي اعتبره أحد كبار المفكرين العرب السوريين بداية ما أسماه «اكتشاف» الأكراد لكرديتهم، في العراق؟!) أو الاحتلال الأميركي للعراق!، أو الرؤية التبسيطية الذاهبة إلى اعتبار نزع الجنسية في عام 1962 بداية تاريخ المشكلة الكردية بحيث يتكفل إعادة الجنسية إلى المجردين منها إغلاق الملف الكردي نهائياً؟ أو على نحو أكثر تبسيطاً: هي ردة فعل، مبالغ فيها، استدعتها سياسات سلطوية خاطئة تجاه الجميع، أكثريّات وأقليّات.
إنه لمن الضروري، بداية، الإشارة إلى عوامل موضوعيّة فاعلة، خارجة عن إرادة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، كرداً أو غيرهم، للغياب اللافت للشأن الكردي في الحياة السياسية العامة طيلة عقود، وما بدا لكثيرين الآن وكأن جهات مغرضة متربصة بسورية والعرب تسعى إلى «فبركة مشكلة كردية (أو مسألة كردية) في سورية». وأول تلك العوامل، برأينا، وهو ما حدّ من اتخاذ المسألة الكردية أبعاداً مؤثرة على سياسات المركز، كالتي في العراق وإيران وتركيا مثلاً، فضلاً عما ذكرناه من دور مبكر وأساسي لبلاد الشام في الدعوة القومية العربية، وعدم وجود إقليم كردي ذي حدود واضحة، إنما ثلاث مناطق ذات غالبية كردية نسبية في الجزيرة وعين العرب مثلاً، أو غالبية مطلقة في عفرين- (جبال الأكراد) شمال حلب، وهي مناطق ضمت إلى سورية الحديثة الناشئة بحدودها الراهنة بعد اتفاقيات بين الدول الكبرى لم ُيستَشر فيها أحد من أبناء المنطقة…
إن المناطق الكردية الثلاث- وهو تعبير مرفوض من قبل الكثيرين اليوم في سورية- لم تكن في حسابات القوميين العرب في بدايات القرن المنصرم، وتشير درية عوني – الكاتبة الكردية المصرية – إلى ذلك في كتابها «عرب وأكراد، خصام أم وئام؟»، فترى أن منطقة الجزيرة الكردية لم تكن بحد ذاتها في يوم من الأيام من بين مطالب القوميين العرب، لا في مراسلات حسين – مكماهون، ولا خلال العهد الفيصلي في سورية، ولا حتى من قبل القوميين العرب تحت الإنتداب الفرنسي. وقد ضمت منطقة الجزيرة إلى سورية عام 1921. وبالنسبة للحدود التركية السورية فقد حددتها المعاهدة الفرنسية التركية التي أبرمت في لندن في 9 آذار (مارس) 1921 التي عدلت مرتين: الأولى بمعاهدة أنقرة في تشرين الأول (أكتوبر) في السنة نفسها، ثم في معاهدة جوفيال عام 1926 حيث أعطيت لتركيا مناطق ذات أغلبية سكانية عربية، فيما أعطيت لسورية ثلاث مناطق كردية مسكونة بأغلبية كردية. وتنقل درية عوني عن الكاتب الدانماركي كارستن نيوبوهر من خلال خريطة نشرها عن رحلة قام بها في هذه المنطقة عام 1764 مؤكداً على وجود عشائر كردية في ذلك الوقت في أماكن تواجدهم الحالية بالجزيرة، معروفة بنفس الاسم حتى هذا اليوم. وتنقل عوني نفسها عن الرحالة الفرنسي فولني الذي تكلم مطولاً عن الأكراد وعن جبل الأكراد في كتابه الذي أصدره عام 1870، لتستنتج بأنهم يعيشون في مناطقهم الحالية منذ قرون ولم يأتوا إليها كلاجئين بعد رسم الحدود السورية مع تركيا كما تدعي الحكومات السورية.
ويشير مؤلفون كثيرون إلى أن معاهدة سيفر التي أبرمت في10آب (أغسطس) 1920 وعبر ثلاث مواد (62-63- 64) تتعلق بكردستان تضمنت تلك المناطق الكردية (في سورية لاحقاً) مع كردستان العثمانية. ومن المعلوم أن اتفاقية سيفر بقيت حبراً على ورق إلى أن ألغيت بشكل نهائي بموجب اتفاقية لوزان في 1923.
غير أن المناطق تلك بعيدة عن المركز، هامشية، غير ذات فاعلية ضاغطة على الحكومات المتعاقبة، فضلاً عن هشاشة ارتباطها بالمراكز الاقتصادية السورية والسياسية والاجتماعية تالياً، واعتماد السكان فيها على نمط عيش بدائي بسيط يتلخص في زراعة القمح وتربية المواشي بوسائل بدائية، لا سيما قبل مَركَزَة السلطة في دمشق ودخول المكننة الزراعية ووسائل الري الحديثة في ما بعد، وقيام دولة الوحدة السورية- المصرية, وكذلك هشاشة البناء الدولتي السوري نفسه، ما جعل تلك المناطق خارج دورة الحياة السورية تماماً، والتي كانت حكراً على أعيان المدن الرئيسية، دمشق وحلب، وبورجوازيتها التجارية. في الوقت نفسه كانت العلاقات المدينية ضعيفة للغاية في المناطق الكردية ذات الطابع القبلي والريفي، وقد غابت عنها المدن. فأكبر مدينة ذات غالبية كردية هي القامشلي لا يزيد عمرها عن ثمانية عقود (ومثلها عفرين)، وهي أقرب إلى قرية كبيرة منها إلى مدينة بالمعنى العمراني وطابع علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية.
إن بواكير العلاقة الكردية – السورية (إن جاز التعبير) تعود، حسب مطالعتنا، إلى تلك العريضة التي قدمها خمسة نواب أكراد في البرلمان السوري (المجلس التأسيسي السوري) في حزيران (يونيو) 1928. كذلك كانت مطالبة زعماء أكراد ومسيحيين محليين، عام1932، المؤسسات الفرنسية بتأسيس إدارة منفصلة للجزيرة ثم انعقاد مؤتمر الجزيرة العام في أيلول (سبتمبر) 1938 برئاسة حاجو الذي ناشد فرنسا إعطاءه حكماً ذاتياً تاماً. يقول بيار روندو (أحد المستشرقين المتخصصين في المسألة الكردية ابان الانتداب الفرنسي) بأن الأكراد البارزين «الأدباء وزعماء القبائل» طالبوا بالسماح لهم بإقامة نظام خاص بمواطنيهم ضمن المحيط السوري، وكانت أكمل عرائضهم تلك التي قدمت، كما أشير قبلاً، في 23 حزيران1928 في دمشق، بمناسبة اجتماع «الجمعية التأسيسية السورية».هذه الوثيقة كانت تلتمس للأكراد «وسائل التحرر ضمن إطار ثقافتهم الوطنية لكي يصبحوا أعضاء نافعين ضمن مجموعة الشعوب السورية». وكانت العريضة تتضمن الطلبات التالية:
1- استعمال اللغة الكردية في المناطق الكردية شأنها شان بقية اللغات الرسمية.
2- تعليم اللغة الكردية في المدارس في تلك المناطق.
3- تبديل موظفي هذه المناطق بموظفين أكراد.
كما كانت نفس الوثيقة تأمل في إنشاء جيش («فيلق») كردي ضمن إطار فرنسي لحماية الحدود. وطالبت أخيراً بتسهيلات للوضع الزراعي للمهاجرين الأكراد في الجزيرة العليا.
وإذا كانت مطالب الأكراد اشتملت في عام 1928، على شكل متقدم من إدارة ذاتية للمناطق الكردية واعتماد اللغة الكردية فيها، فما الغرابة في أن يطالبوا في 2007 بالاعتراف بالخصوصية القومية في إطار وحدة البلاد وإقرار دستوري بوجودهم كقومية غير عربية في النسيج الوطني السوري، في ظل دولة ديموقراطية حديثة وضمان تمثيلهم سياسياً، ورفع المظالم والسياسات التمييزية التي مورست لعقود بحقهم لمجرد كونهم كرداً؟
أين تكمن المفاجأة؟ وأين هي المؤامرة؟
* كاتب كردي من سورية.

تَصدُّع الكماليّة والأُمَم المُرتَجَلة
المستقبل – الاحد 30 كانون الأول 2007 – العدد 2834 – نوافذ – صفحة 10

بدرخان علي (*)
اكتفى الإعلام إبّان تجدّد “الأزمة” التركيّة ـ الكرديّة الرّاهنة، بتحليلاتٍ سريعة ومقتَضَبة لم تتطرق إلى جذورِ المشكلة الكرديّة بحدّ ذاتها في الجمهوريّة التركيّة المُعاصِرة إلا عَرَضاً. وعبارة “الأزمة” التي تصدّرت الإعلام، ودارت على الألسُن، لوصف مُجريات الأحداث بين تركيّا وأكراد”ها” أو أكراد العراق توحي بما هو عابر وطارئ على علاقاتٍ تاريخيّة مَتينةٍ وراسخةٍ… ولا شيء آخر.
معلومٌ أنّ الانطلاق من تحليلِ الظواهر الاجتماعيّة والسياسيّة والتاريخيّة وفقَ منطق “الأزمَة” نفسها، قد يفوّت على المرءِ مُلاحَظة العناصر الأساسيّة (=الموضوعيّة)، في الظّاهرة المعنيّة وعدم القُدرة على النّفاذَ إلى عُمقها.أعني هنا الصّراع التاريخيّ الكرديّ في تركيّا (والمنطقة كلّها) لانتزاع الاعتراف بالهويّة القوميّة، قد تكون الدولةُ القوميّة المستقلّة، إحدى تجليّاتها، وقد لا تكون. كما قد تكون حُلماً وشعاراً في الهواء الطَلْق…..أو، بحسب تعبيرٍ بليغ لسليم بركات، مجرد رغبة لدى الكرديّ في أن يبقى كردياً (!) في الدول التي تراقب رغبته هذه “عن كثب”.
يَخلُصُ القارئُ لمقالات وكتبٍ، هنا وهناك، إلى أحكامٍ نهائيّة عن طبائع الأكراد العنيفة وشرورهم وأصولهم “الغامضة” (ينفق كثيرون حبراً ووقتاً في سبيل “إثبات” ذلك) وخَطَرهم، حيثما كانوا، وعلى جميع الشّعوب والدول التي تقتسمُ الكُرد هواءً وروحاً، شريطةً أن يَركُن القارئ إلى تلك الأحكام دونَ مُساءَلةٍ تاريخيّةٍ وسياسيّة، أو مُعايَنة الواقعِ على ما هو عليه، وذاكرةٍ مثقوبة من كافة الجهات، ومن الضروريّ، قَبْلاً وأساساً، أن يكون قليل الحساسيّة الأخلاقيّة تجاه قضايا الشعوب والقوميّات و مبادئ الحريّة والمُساواة والعَدَالة.
وفي سياق الكلامِ المُتهَافت على “غموض” أصول الأكراد وسلالاتهم، (الذي رُفع إلى مستوى نظريّةٍ متكاملةٍ صالحةٍ لكلّ مكان و زمان يسكن فيه الكرديّ) بخلاف الشعوب الأخرى ذات الأصل الجليّ والنقيّ، من الأزل إلى الأبد،يقال بـ “طبائع متأصّلة”، في شعوبٍ دون غيرها. وغالباً ما تُسنَد وتُدعَم هذه “النظريّة” بالإشارة إلى خاصيّة “جبليّة” للأكراد أو “ريفيّة” مقاوِمَة للتمدّن والحضارة والتنظيم. وبالتالي نزوع الأكراد للقيام على دول7-7-هم7-7- الحديثة والخروج عليها بحكم ضعف التّطور الاجتماعيّ وميلٍ غرائزيّ بدائيّ، لرفض الانتظام في أنظمة اجتماعيّة وسياسيّة حديثة.
وهنا تحديداً جيءَ بمفاهيم ومصطلحات من الحقل العلميّ ـ السوسيولوجيّ ـ لتَخدم أغراضَ السياسة.لكنّ غَلَبَة التوظيف السياسوي المؤدلج الفاقع لتلك المفاهيم، عطفاً على نزعة استعلائيّة ناظرة بإزدراء شديد للـ “الجبليين والريفيين” والطبقات الدنيا والمُعْدَمين والمهجريّن، كما في اتّكاء بعضٍ على ثنائية المدينة ـ الريف أو المركز ـ الأطراف، المفهومة في سياقها العلميّ والتاريخيّ لتتخذ صورة كاريكاتوريّة، جعلَ منها زيفاً إيديولوجياً خالصاً وحُكمَ قيمة، وحسب، بلا جدوى تحليليّة أو قيمة مفاهيميّة، وقد طوّرها، ودفع بها إلى حدودٍ قصويّة تفسّر له كل ما يحيط بالحالة الكرديّة من غموضٍ والتباساتٍ و7-7-ألغاز7-7-، وبالطبع سياساتٍ ومجريّات يوميّة.
ففي تُركيا ـ مدارُ الكلام هنا ـ خيضت أكبر وأطول حرب/ماديّاً ورمزيّاً/ في سبيل تشويه صورة الكرد هناك، واستئصالهم بلا رحمةٍ لكونهم عالة على صورة الحضارة التركيّة البَهيّة وعُمقها الزمنيّ البالغ أربعة آلاف عام… لا أكثر….. ولا أقل!
والحديث عن مأساة الكرد في تركيا لن يستقيم دون الوقوف مليّاً عند الثقافة السياسيّة التي أرساها مؤسّس الجمهورية التركيّة مصطفى كمال أتاتورك (18811938م) ( أتاتورك تعني “أب الأتراك” اللقب الذي أطلقه مصطفى كمال على نفسه وأُقِرّ من قبل المجلس الوطني!، واسمه الثاني كمال أطلقه مدرسُ الرياضيات في الكلية العسكريّة: ويعني الكَمَال! بحسب الرواية الرسميّة، والغازي نسبة لفتوحاته وانتصاراته) وبثّها في ثنايا المجتمع و فضاءاته، والتي باتت بمنزلة عقيدةٍ مطلقة و مقدّسة،انجرف إلى تخوم عبادتها الشعب والمجتمع طوعاً، واتخذت صورةً بالغة التّطرف من تقديس الزعماء الوطنييّن، هي أقصى ما تحتمله من تطرفٍ كديانة وضعيّة في دولةٍ حديثة…بتأثير من الدعاية المعادية للإمبرياليّة واستنهاض وتلهيب النزعة الوطنيّة ـ القوميّة ـ الدولتيّة ـ العسكرتاريّة من قبل الزعيم الروحيّ والسياسيّ والعسكريّ للجمهوريّة الديمقراطيّة ـ العلمانيّة.و من باب إضفاء القَدَاسة،ولأسباب أخرى ربّما، على “الرجل الميّت الذي يحكم تركيّا من قبره”، تُحاط أجزاء من سيرة الرجل،ومواد عنه، إلى يومنا هذا بسريّةٍ تامّة في أرشيف هيئة الأركان العامة وفي دوائر أخرى وتعتبر محظورة للباحثين الأتراك والأجانب. “ينطبق هذا الحظر حتَّى على “النصّ الأصلي” الخاص بـ”خطبته الكبرى” (Nutuk)، التي وصف فيها أتاتورك في عام 1927 دوره في حرب التحرير في الفترة من عام 1919 حتَّى عام 1922″ (مصطفى كمال أتاتورك من تسالونيكي إلى أنقرة ـ كلاوس كرايزر) ،وكذلك مذكرات زوجته لطيفة هانم محفوظة في مؤسسة التاريخ التركيّ وممنوعة على التداول و الإطلاع عليها.
يجدر بالذكر أن سياسة الغازي مصطفى كمال التي أعلَنت نفسها، في البدء، وطنيّة تحرريّة ووعدت بوطنٍ مشتركٍ للأتراك والأكراد.. على حدٍ سواء واستَمَالَت الكثيرين من الزعماء الأكراد إلى جانبه في حربه الوطنيّة ضد “الأعداء المشتَركين”، سرعان ما انحطّت إلى مواقع شوفينيّة فيما بعد.
ولم يكن العرب أقلّ انخداعاً بإدعاءات أتاتورك نظراً “لعدم كشف مخططه العلماني..بل مهادنته الظاهرة للسلطان والإسلام، كل هذا أدى إلى رهانات سياسية في المشرق العربي ذهبت من تحريم علماء العراق للتصدي للأتراك في الموصل،إلى الرهان على قيادة مصطفى كمال في تشكيل جبهة عربية ـ تركية معادية للغرب الاستعماري إلى الرهان على تنصيبه زعيماً وإحياء منصب الخلافة وجعلها في تركيا إلى الاقتداء في الثورة الكمالية في بناء الدولة.( ينظر كتاب الدولة والخلافة في الخطاب العربي للمؤلف وجيه كوثراني). لعل أصدق من عبّر عن هذا الدّهاء والمَكر السياسيين هو مصطفى كمال نفسه، إذ يقول في مذكراته: كانت مشكلة شكل الحكم في ذلك الحين صعبة وقبل أن اقترح وضع الحكومة المؤقتة، كان علي أن أحسب حساباً للمجلس القومي والشعور الذي يبدو من جماعتي وأنصاري، وكان علي أن أرضخ لآرائهم وأن أخفي أغراضي الحقيقية عنهم بحكم الضرورة وعندما صرح له بعض أتباعه بأنهم خدعوا، ذكر لهم “أنهم لو كانوا قد تنبهوا قليلاً لأمكنهم أن يلاحظوا فوراً بأن قرارات أيار كانت لا تعني شيئاً غير تأسيس الحكم الجمهوري”. (المصدر السابق).
ومن المفارقة ،حقاً، أن يكون المَنهَل الفكريّ الرئيسيّ لكمال أتاتورك كتابات لمفكر كرديّ الأصل (ضياء كوك آلب) (من مدينة آمد¬دياربكر توفي في1924 باستنبول) شكّلت المادة النظريّة لمزاعم الأتاتوركيّة في ضرورة تعميم ثقافةٍ قوميّة تركيّةٍ واحدة والولاء للدولة التركيّة وتتريك شعوب الجمهوريّة جميعاً وإحياء القومية التركيّة الشّاملة pan-turkism . والقوميّة “تنشئة اجتماعيّة” وحسب عند كوك آلب¬الذي كان واعياً لأصوله الكردية¬، وما على الدولة القائمة كجهاز إيديولوجيّ وبيروقراطيّ إلا القيام بمهمتها في تحقيق التّجانس المجتمعيّ و تعميم ثقافة وطنيّة ـ قوميّة واحدة…
لكن الوقائع على الأرض كانت ، أبداً، أشد ضراوة و أكثر هولاً من الإنشاء والرمز. والحقيقةُ الصارخة أن الجمهوريّة التركيّة، قامت منذ ميلادها الميمون، وتوليدها، من رحم “الرجل المريض” وقد وضعت نُصْبَ عينيها تشيّيد دولة قوميّة علمانيّة، عمادُها الأساسيّ إيديولوجيّة عرقيّة شديدة العداء تجاه الإثنيّات والقوميّات الأخرى، ناهضةً على خرافة النّقاء العرقيّ وزعم الأصالةِ والتميّز(السومريون والفينيقيون لا جدال في كونهم أتراك…)، تخالطها نزعةٌ إمبراطوريّة توسعيّة (لدول الجوار وخاصة العراق¬الميثاق القوميّ التركيّ) فضلاً عن واجب “عبادة الدولة”، ومؤسّسها، على جميع المواطنين تحرسها مواد دستوريّة، وإن كان على أنقاض شعبٍ ومجتمعٍ بأكمله، أو أبيدت قرىً وأقاليم برمّتها وسويّت، مع أهلها، بالأرض….. وقد أفصح عن هذه الرغبات والسياسات على أكمل وجه، خلائف أتاتورك من بعده لا هو نفسه، ولم يكن ذلك بمعزل عمّا اجتاح العالم في “الأزمنة الحديثة” من موجة الإيديولوجيات العقائدية والوطنيّات العسكريّة واستنفار العصبيّات وصناعة الأعداء وتقديس الزعماء والعسكريين.
بيدَ أن أوهام الأتاتوركيّة في قدرة الدولة “الحديثة” على إجراء هندسةٍ اجتماعيّة شاملة ومُجانسة قوميّة بلا نتوءات، اقتداءً بنموذج الدولة ـ الأمة في الغرب، على ما تقتضيه صناعةُ الدولِ والقوميّات والأمُم الحديثة، ظلّت عصيّةً على التحقّق والترجمة عسكريّاً كان(بالحديد والنار) أم “مدنيّاً” ببثّ ثقافة قوميّة تركيّة، عنصريّة الطّابع والقوام، ومحاربة اللّغة والثقافة الكرديتين والحطّ من شأنهما ونُكرانهما من أصولها. إلى جانب فشلها في تحقيق وحدةٍ اجتماعية متماسكة على المستوى الطائفيّ ، أيضاً، لاسيما الانقسام السنيّ ـ العلويّ الواسع، فضلاً عن التفاوتات الطبقيّة الحادّة.
إنها مدعاة للتّأمل والتّفكّر العميقين،ظاهرة الثقافة النمطيّة الصلبة التي طالما آمنت بها النخبُ السياسيّة والثقافيّة التركيّة جميعاً حيال الأكراد وانزلقت، تالياً، إلى دركِ القناعة التّامة بالمزاعم الأتاتوركيّة في أنّ الأكراد وقفوا حجر عثرة ضد مشروع دولة ديمقراطيّة علمانيّة، بحكم تخلّفهم وهمجيّتهم، وما على مشروع الجمهوريّة أن يمضي في طريقه إلى حتميّته التاريخانيّة التي لا تخطئ أبداً، ولو كان على جثث ملايين الكرد، فيما تغيّب حقيقة أن “كردستان مستعمرة دوليّة”، كما يصرخُ دائماً، بلاهوادةً، عالمُ الاجتماع التركيّ (المُنشقّ الفَريد عن الثقافة الكماليّة البغيضة لمدة ما يقارب القرن تقريباً) إسماعيل بيشكجي الذي، تَلَمّسَ المأساة الكرديّة عن كثب في كردستان الشماليّة، (بيشكجي يرفض نَسْبَ كردستان إلى أية دولة إقليمية: تركيا ـ العراق ـ إيران ـ سوريا…. )، وفضح خرافات النخب السياسيّة والثقافيّة التركيّة، ذوات اليمين أو اليسار، والعسكريّة بداهةً، في إمكانيّة تذويب الأكراد في بوتقة الجمهوريّة كمواطنين أتراك أنقياء وأتقياء صالحين. ويذهب بيشكجي، منبّهاً العالَم كلّه في كتابٍ للأمم المتحدة يعود لعام 1981، إلى أن “كردستان اليوم مستعمرة دولية في الشرق الأوسط، حتى أن وضع الأمة الكردية أدنى بكثير من وضع المستعمرات”، ويفنّد مقولة “الوطن التركي ذو الأربعة آلاف عام: ألم يفد الأتراك إلى الشرق الأوسط والأناضول في عام 1071أي منذ حوالي 900 عام؟”
غيرَ أنّ عبادة الجمهوريّة التركيّة العظيمة لن تدوم إلى الأبد وما لا نهاية، فها هي نقاشاتٌ من داخل الأوساط الأكاديميّة والثقافيّة والأدبيّة التركيّة ذاتها تطرح على نفسها سؤالاً لطالما غُيّب في لجّة عبادة الجمهوريّة المقدّسة وبَانيها ومواثيقها: كيفيّة الانتقال من الأتاتوركيّة إلى الديمقراطيّة وإلى جمهوريّة ثانية؟!. “الجمهورية الثانية تعني الانتقال من جمهورية كمالية إلى جمهورية ديموقراطية. الكمالية، في التطبيق العملي، هي المبادئ الستة، وليست الديموقراطية بينها…. حوار مع محمد آلتان، ممثل تيار الجمهورية الثانية في تركيا: ترجمة عن التركية بكر صدقي. موقع الأوان الالكتروني ـ 2007”.
والعلمانيّة التركيّة بدورها، كما ديمقراطيتها المثلومة، التي يرجع إليها “سرّ” التفوق التركيّ، لا تخلو من سماتٍ طائفيّة، ولا هي بمنأىً عن المثالب والتناقضات، فهناك فئة بعينها إليها وحدها، تعود إدارة دفّة القيادة والحكم و تحتكرها سمّاها أكاديمي تركي بـ طبقة “لاها سوموت” (هذه كلمة مبتكرة لباسكن أوران، تتشكل من الأحرف الأولى لـ “التركي المسلم السني الحنفي العلماني” ـ ترجمة بكر صدقي ـ موقع الأوان)) وهذه العلمانيّة¬بنتُ الحداثة والليبراليّة والتفكير العقلانيّ في شؤون الدولة والمجتمع ـ لم تكن في واقع تركيا سوى استبدال العصبيّة الدينيّة ـ المذهبيّة بأخرى قومية ـ عرقية. ولم تفضي لإغناء وتعزيز المواطنة مفهوماً وممارسةً. ناهيكَ عن مخاطبة الغرائز العرقيّة والشعبويّة البدائية تصل لحدّ الخرافة في تعظيم العرق التركيّ الطورانيّ وتمجيده وأسطورة الأمة التركيّة العظيمة والذئب الرماديّ.
ما الذي يتبقى ـ إذاً ـ من حداثة الدولة بعد حذف المواطنة والليبراليّة و الديمقراطيّة والعلمانيّة……غير الجيش العَرَمْرَم و الشعبويّة المُحَدثنَة…………. ومبادئ أتاتورك الستّة؟
….لكن مشروعيّة السؤال عن تماسك الجمهوريّة التركيّة واستقرارها، رغم كل الاختراقات والتناقضات التي تعتمِل في بُنيانها، ولجهة مقدرة نظامها السياسيّ المفتوح على امتصاص الاهتزازات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وتعايش “سلميّ7-7- لتياراتٍ متناقضة في أوساط الطّبقة الحاكمة السياسيّة والعسكريّة، لم تؤدي إلى زعزعة كيان الدولة نفسها ونشوب نزاعات أهليّة مؤثرة ….على غرار محيطها العربيّ مثلاً وحراكاً مستمراً في المشهد السياسيّ وشفافية وصحافة حرة وقضاء مستقل نسبياً (لحسن حظ تركيا فإنها تُقارن دوماً مع الأنظمة العربيّة والإسلاميّة المجاورة ¬أنظمة الفَسَاد والاستبداد المطلق والحروب الأهليّة¬ ما يسبغ عليها صفات الديمقراطيّة والحداثة النسبيّة …)، بل وتطلّع تركيا الدائم للاضطلاع بدورٍ رائدٍ في المنطقة وهويّتها العلمانيّة والإسلاميّة، وآسيويّتها وأوربيّتها بآنٍ واحد، مشروعية تلك الأسئلة تبقى قائمة. وإن كان من غير الموضوعيّة حجبُ النّظَر عن الدعم غير المحدود الذي تتلقاه تركيا من الغرب، عسكريّاً وسياسيّاً ومالياً، فيخالُ للمرء حيناً أن تركيا تتعيّش على قروض البنك الدوليّ، وترسانةٍ عسكريّة مدعومة أميركيّاً وأوربيّاً وإسرائيليّاً. ولولا العناية المشدّدة لدول الغرب بتركيا الدولة، لكانَ الإعجاب بعلمانيّة تركيّا وديمقراطيتها وحداثتها بشكل مغاير تماماً.
واللافتُ للنظر،اعترافاتُ عُتاةِ الكمالييّن العسكرييّن (على رأسهم كنعان إيفرين)، هذه الأيام، بفَشل سياستهم الاستئصالية تجاه المُشكلة الكرديّة المُلتهبَة في تركيّا المُعاصرة قرناً من الزمان و”حلولهم” العسكرية، وإن لم تنبع هذه الاعترافات من شعور إنساني واعتراف بالجريمة، بل نتيجة فرض القضية الكرديّة نفسها على تركيّا ودول المنطقة تحت طائلةِ الانفجار وعقبة أمام تطورها واستقرارها والمزيد من التّصعيد.
….وإذا كان من المبكر الحديث الآن عن “مابعد” الكماليّة في تركيّا ومآلاتها،ودور البرجوازية الإسلامية الجديدة، ممثلة بحزب إسلامي يوصف بالاعتدال والديمقراطيّة، وحاجتها لعلاقاتٍ اقتصاديّة جديدة في المجالين الإقليمي والعالمي، وبما قد يقع على التضاد من المصالح الاقتصاديّة للمؤسسة العسكريّة، القويّة اقتصاديّاً لا عسكريّاً وحسب. ما “قد” يفضي إلى إحداث تغييرٍ ملحوظ في المشهد السياسيّ التركيّ وخرقٍ في الإيديوجية النّاظمة للتفكير السياسيّ التركيّ، الموصوف أعلاه، تجاه المسألة الكرديّة في تركيا ومثيلاتها… …يبقى هناك ما يلوحُ للمرء في الأفق ويدعوه إلى القول بأن الأتاتوركيّة هي إلى نخرٍ بطيء وتصدّعٍ من الداخل، لا محال، إن لم يكن لأيّ سبب فبفعل من عامل الزمن وحده…وفضله!
(*) كاتب كردي من سوريا

نشرت ايضاً:
المستقبل – الاحد 18 تشرين الثاني 2007 – العدد 2796 – نوافذ – صفحة 13