الرئيسية » مقالات » دور التربية في صناعة الإرهاب

دور التربية في صناعة الإرهاب

من الصعوبة بمكان أن يتجنب الإنسان الأخطاء في حياته، لأن ارتكاب الخطأ هو الطريق الأكثر شيوعاً للتعلم وكسب الخبرة. ولكن الكارثة أن يقوم الإنسان بارتكاب نفس الخطأ الذي ارتكبه دون أن يتعلم أو يستخلص الخبرة والعبر من أخطائه السابقة. لذلك تقول الحكمة التقليدية، أن الذكي يتعلم من أخطائه، والحكيم يتعلم من أخطاء غيره، أما الغبي فلا يتعلم، لا من أخطائه ولا من أخطاء غيره، بل يستمر في إعادة ذات الأخطاء التي ارتكبها طيلة حياته. والسوؤال هو: أين موقع الحكومة العراقية من هذا التصنيف؟

لو أمعنا النظر في أصل وجذور الإرهاب الإسلامي المتفشي في العالم اليوم، وخاصة في بلدان الشرق الأوسط، وبالأخص في البلاد العربية، لعرفنا أن هذا الإرهاب هو من نتاج أخطاء فضيعة ارتكبتها الحكومات العربية عندما تحالفت مع المؤسسات الدينية نكاية بالقوى الديمقراطية، فعملت على شحن الشباب بثقافة الحقد والكراهية على غير المسلمين، وحتى ضد أتباع مذاهب إسلامية من غير مذهب السلطة، مما وفر الأرضية الخصبة لتصاعد مد الإسلام السياسي الذي أثيرت شهيته المفرطة في السيطرة على الحكم، والذي اتخذ من الإرهاب وسيلة لتحقيق هذا الغرض.

وكان غرض الحكومات العربية من هذه السياسة الطائشة هو محاربة القوى الديمقراطية والليبرالية التنويرية أملاً في حفاظها على كراسي الحكم. وكانت النتيجة أن انقلب السحر على الساحر، فانقلب الإسلام السياسي ومعه المنظمات الإرهابية التي تفرخت عنه، ضد هذه الحكومات فنشرت القتل والدمار في بلدانها.

هذا بالضبط ما حصل في السعودية والجزائر ومصر وباكستان وغيرها، حيث قامت حكومات هذه البلدان بمحاصرة القوى السياسية الديمقراطية والمثقفين التنويريين، ومصادرة حرية الرأي والتعبير والتفكير، ومطاردة المثقفين الأحرار، وفي نفس الوقت تم إطلاق يد القوى الظلامية في نشر ثقافة التعصب والكراهية عن طريق فتح عشرات الألوف من المدارس الدينية والتي من خلالها تم حشو أدمغة التلامذة الصغار بآيات القتل والسيف وشحنهم بالعداء ضد غير المسلمين. فمن هذه المدارس تخرجت ألوف الطالبان الأفغان وغيرهم من أتباع المنظمات الإرهابية، وبمليارات الدولارات النفطية من السعودية مقابل نشر العقيدة الوهابية التي هي آيديولوجية الإرهاب الإسلامي، والتي ترفض التعايش السلمي مع المختلف وتنشر فكرة التكفير والتخوين، وبالتالي تبيح هدر دمه في سبيل الله، وبقية القصة باتت معروفة حيث دفعت شعوب هذه الحكومات الثمن الباهظ، ولا تعرف كيف تخرج من الحفرة التي حفرتها بنفسها ولنفسها، إذ كما تفيد الحكمة (من حفر جباً لأخيه وقع فيه).

مناسبة هذه المقالة هي الأخطاء الغبية التي تصر على تكرارها الحكومة العراقية الحالية، وعدم الاستفادة ليس من أخطائها، ناهيك عن التعلم من أخطاء الآخرين، فهي لم ترق إلى هذا المستوى بعد. فقبل أيام نشر الكاتب العراقي الصديق علي ماضي، مقالة قيمة بهذا الخصوص بعنوان (ألسنا بحاجة إلى مراجعة مناهجنا الدراسية؟) ذكر فيها بكل وضوح إصرار الحكومة العراقية على حث الخطى نحو الهاوية ليس لهذا الجيل الذي هو في الهاوية أصلاً، بل و للأجيال القادمة، وإصرارها على مواصلة خلق جيل جديد من المتعصبين المتطرفين ودفعهم إلى ممارسة الإرهاب بدافع من الدين، تماماً كما قامت به الحكومات التي أشرنا إليها آنفاً.

لا أحد يشك في دور التربية في تكوين عقلية الإنسان وسايكولوجيته وإخلاقه، فبالتربية الصحيحة نستطيع أن نخلق من هذا الطفل إنساناً خيِّراً مسالماً ووطنياً يفيد نفسه وشعبه والإنسانية. وبالعكس، ففي التربية الخاطئة يمكن تشويه إخلاقية وسلوك هذا الطفل وغسل دماغه وبالتالي تحويله إلى عبوة ناسفة يقتل نفسه ويقتل الآخرين. وهذا ما تحصده الحكومات والشعوب العربية والإسلامية التي سارت على إشاعة التربية الخاطئة باسم الدين. يقول علماء التربية (التعليم في الصغر كالنقش في الحجر). ومن هنا نعرف مدى أهمية التربية في تشكل عقلية الإنسان من الصغر. ولكن الذي يجري في العراق بعد سقوط الفاشية البعثية، أن الحكومة العراقية الآن ترتكب ذات الأخطاء التي ارتكبتها الحكومات العربية والإسلامية في خلق جيل من الإرهابيين. إذ كما يذكر الأستاذ علي ماضي: [ فعلى سبيل المثال لا الحصر، من يطالع كتاب التربية الإسلامية للصف السادس الابتدائي (طفل بعمر 12 سنة) للمدارس العراقية سيجد في ص4 طبعة 2006، الدرس الأول، الحديث النبوي الذي نصه (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا)، ثم يأتي شرح الحديث في نفس الصفحة ليبدأ (الجهاد في سبيل الله، والمشاركة في القتال ضرورة لنشر الدين ولإعلاء كلمة الله، وكذلك عندما تتعرض امتنا إلى عدوان غادر..)، أرجو من القارئ أن يضع خطا تحت كلمة “لنشر الدين ولإعلاء كلمة الله “..] انتهى.

نشكر الأخ علي ماضي على إثارة هذا الموضوع الخطير، وبالتأكيد هناك أمثلة أشد وأمر مما ذكره في الكتب الدينية المقررة في المدارس العراقية، وكلها من هذا النوع التحريضي لغسل عقول النشء الجديد وتحويلهم إلى صيد سهل للتنظيمات الإرهابية من جماعة الزرقاوي والقرضاوي وبن لادن وغيرهم من “الجهاديين” المتطرفين من دعاة الإرهاب بذريعة ” نشر الدين ولإعلاء كلمة الله …”.

نقول لحكومتنا الرشيدة ولأهل الحل والعقد في العراق، ألا يكفي الشعب العراقي ما عاناه وما يزال من شرور الإرهاب “لنشر الدين ولإعلاء كلمة الله …”.؟ خاصة ونحن نعرف أن معظم هذه النصوص الدينية لها علاقة بسياقها التاريخي في مرحلة ظهور الإسلام قبل 14 قرناً، وهناك أحاديث مشكوك بصحتها، خاصة ونحن نعيش في مرحلة تتطلب منا الحوار بين الأديان والثقافات والتعايش السلمي بين أتباع مختلف الأديان والمذاهب والتركيز على تنشيط روح الوطنية العراقية وتطبيق شعار (الدين لله والوطن للجميع).

عندما ذكر البابا بنديكت السادس عشر، مجرد اقتباس في محاضرة له أمام حشد من الأكاديميين في جامعة ألمانية قبل عامين، بأن الإسلام نشر عن طريق السيف والمفروض نشر الدين عن طريق المنطق والعقل والإقناع، أقام المسلمون الدنيا ولم يقعدوها، واعتبروا ذلك القول فرية على الإسلام، وادعوا أن الإسلام لم ينشر بالسيف أو بالقوة، بل بالإقناع والمنطق، وضربوا بذلك مثالاً في نشر الإسلام في إندونيسيا عن طريق تجار عُمان. ولكن حشو أدمغة أطفال المدارس منذ نعومة أظفارهم بفكرة “الجهاد في سبيل الله، والمشاركة في القتال ضرورة لنشر الدين ولإعلاء كلمة الله..” ألا يؤكد هذا صحة ما قاله البابا بنديكت؟ وإذا لم يكن للسيف دور في نشر الإسلام، كما يدعي البعض، فلماذا نرى السيف في علَم المملكة العربية السعودية تحت عبارة (لا إله إلا الله) ويعتبر هذا العلَم مقدساً لأنه يدعو إلى التوحيد، أي التوحيد بحد السيف. وكذلك شعار حزب (الأخوان المسلمون) في مصر يحمل صورة القرآن وسيفين متقاطعين وتحتهما كلمة (وأعدو) أي (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الأنفال 60). فبسبب هذه التربية الخاطئة تحولت أيام الجمع في مصر إلى كابوس رعب للمسيحيين الأقباط حيث يقوم أئمة المساجد في خطبهم بتحريض المصلين المسلمين ضد المسيحيين، فبعد صلاة الجمعة تقع مجزرة ضدهم في أحيان كثيرة. وهل تريد الحكومة العراقية أن تستورد هذه العادة إلى العراق وتكرار هذه الجرائم فيه؟

أيها المسلمون، أما كفاكم هذا الشر الوبيل الذي تعاني منه شعوبكم والذي هو نتيجة مباشرة لهذه الدعوات والتربية الخاطئة التي تدل على عدم الشعور بالمسؤولية، وتنم عن الإصرار على مواصلة الإرهاب وحث الخطى نحو الهاوية؟ فمتى يتعلم هؤلاء الذين يدعون أنهم هم وحدهم يمتلكون ناصية العقل والحكمة والعلم ويتهمون غيرهم بالجهالة؟ ألا يكفي الشعب العراقي مما عاناه من القتل الجماعي على أيدي الجهاديين السلفيين التكفيريين؟ ألا يكفي العراق مما تعانيه المرأة العراقية من عسف وإرهاب على أيدي هذا الجيل الجديد الذي تربى في عهد حكم صدام حسين وحملته الإيمانية الزائفة؟ ألا يكفي العراقي قتل وتشريد من خيرة مواطنيه الأصليين من المسيحيين والصابئة والإيزيديين وغيرهم؟

ومن كل ما تقدم، نطالب الحكومة العراقية إلى الإسراع في تنقية مناهج الدراسة في العراق، من الروضة إلى الجامعة، من كل ما من شأنه إثارة التعصب الديني والطائفي ودغدغة المشاعر البدائية في القتل والانتقام تحت أية ذريعة كان. فالشعب العراقي وبعد كل هذه الكوارث، بحاجة ماسة إلى نشر ثقافة إنسانية وبث روح التسامح والمحبة والديمقراطية، وتدريب الطلبة على أدب الحوار الديمقراطي وتقبل الرأي الآخر المختلف، وليس نشر ثقافة الكراهية والغزو والقتل والانتقام الموروثة من مراحل البداوة والتخلف.