الرئيسية » التاريخ » تفسیر التأریخ من منظار الفئة الحاکمة

تفسیر التأریخ من منظار الفئة الحاکمة

قرأت مقالة للسید لیث الحمداني في موقع کتابات بعنوان ” رحلة في ذاكرة مواطن عراقي من كركوك”. کتب السید لیث الحمداني مقالته‌ باسلوب السرد، حیث یلتقي السید الحمداني في العاصمة الاردنية بشخص یسرد له‌ ” انطباعات لعراقي سبعيني” . یصف السید الحمداني ذاکرة الرجل الراوي بمیزة الحیادیة حیت یقول “وكانت ميزته التحدث بحيادية”. رغم إشتیاق السید الکاتب معرفة الإنتماء‌ القومي للراوي ، فإن الراوي ” اصر على ان يؤكد بانه عراقي من كركوك ليس تركمانيا ولاكرديا ولاعربيا ولااشوريا “.
یکتب السید الحمداني بأن الحدیث عن کرکوک الآن له‌ “نوعين من المتحدثين الأول يريد (تكريدها) والثاني ( ينفي محاولة تعريبها) وبالتاكيد فان هناك استثناءات يظل صوتها خافتا” . وهنا یرید الکاتب القول بأن الراوي صوت أستثنائي ، بمعنی ، الصوت الثالث المحاید. هذه‌ إلتفاتة جمیلة من السید الکاتب ، ومعضلة کرکوك حقا بحاجة الی صوت محاید یستند الی الحقائق. هذا الإصرار علی الحیادیة ، وکوني کرکوکیا ، جعل قراءة مقالة السید الحمداني مثيرا للاهتمام ، علما بان التعریب لم یکن محاولة وإنما حقیقة واقعة.
وصف ذاکرة هذا الرجل الراوي بحیادیة هو حکم من السید الکاتب وهذا الحکم نفض الحیادیة من المقالة ومع الاسف منذ البدایة. هنا لاأعني بأن الکاتب لیس له‌ الحق بإتخاذ موقف سیاسي ، المأخذ منه‌ هو عدم الإفصاح عن هذا الموقف . فالقارئ لایمیز بین رأي الکاتب وسرد الراوي ، الذي یسميه‌ الکاتب “محدثي”. هل یشارك الکاتب محدثه‌ في سرده‌ للاحداث أم لا ؟ هل هذا موقف سیاسي موضوع في فم رجل آخریدعی محدثي ؟ فمن المعلوم بأن کتابة التأریخ عملیة علمیة تستوجب إستنادات و مصادرعلمیة مختلفة وآراء متنوعة ولایجوز لشخص قاعد في العاصمة الاردنية ویحدث کاتبا وبذلك یدون تأریخا. أنا متأکد بأن السید الحمداني ، کونه‌ کاتبا وصحفیا ، یدرك هذه‌ الحقیقة جیدا. فماذا یرید السید الحمداني قوله‌ عند محادثته‌ لرجل إلتقی به‌ في العاصمة الاردنية ؟


هناك منهج علمي لتحلیل وإستقراء المضمون في نص مکتوب قد تکون ترجمته‌ العربیة ” تحلیل الخطابة”* . فإذا إتبعنا هذا المنهج التحلیلي لقراءة مضمون مقالة السید الحمداني نستنتج بأن الحیادیة غیر موجودة ، لا في المقالة ولا في کلام المحدث . لنأخذ عبارات من النص ونسلط الضوء عليها و من منظارهذا المنهج التحلیلي : یکتب الکاتب “كان الطابع العام لمركز كركوك (تركمانيا)… يأتي بعدهم الأكراد ثم العرب…. وكان التجانس بين الجميع لا حدود له”. هذا یعني بأن مرکز مدینة کرکوك کان ذات الاکثریة الترکمانیة والتجانس بین المکونات العرقیة في المدینة کان فوق العال. ویضیف الکاتب بعد عدة سطور ” أذكر أن رئيس بلدية المدينة (المركز) مظهر التكريتي”. أي رغم الغالبية الترکمانیة فإن رئیس بلدیة المرکز کان من نصیب رجل عربي ، وحتی لیس من عرب کرکوك. هل هذا لیس غدرا بحق الترکمان ؟
ویکتب السید الحمداني بأنه‌ کان شكري الحديثي (من مدینة حدیثة ،غربي العراق) محافظا لکرکوك. ” وقام (هذا المحافظ) بعدها بتقليص المدارس التركمانية…. ورغم ذلك فقد حظي ذلك البعثي العربي بإجماع الأغلبية في المدينة كمحافظ”. أ لیس هذا بغدر بحق الغالبیة الترکمانیة في کرکوك ؟ کیف یحظي رجل بعثي آت من خارج المنطقة بإجماع الأغلبیة رغم إنه‌ یقلص الدراسة بلغة الغالبیة ؟ ألم یکن بإمکان الترکمان، کونهم الغالبیة ، من إیجاد رجل لیتسلم هذا المنصب ؟ ألم یکن بإمکان عرب کرکوك أو رجل عربي من الجنوب ، ناهیك من کوردي ، أن یکون محافظا في کرکوک ؟
في الحقیقة ، یذکرنا الکاتب عن لسان محدثه‌ بأن ‌هذا الغبن قد شمل کل الاقلیات القومیة في العراق. یکتب السید الحمداني “ووجود هؤلاء المحافظين، غانم عبد الجليل في كركوك وخالد عبد الحليم في أربيل وشكري صبري الحديثي في السليمانية ساهم في تحقيق الكثير من المنجزات…” ألم یکن بوسع الکورد إنجاب رجلا واحدا لیکون محافظا علی السلیمانیة ذات الاکثریة الکوردیة الساحقة ؟ وأية منجزات ؟
یتذکر السید لیث الحمداني علی لسان محدثه‌ عندما یصف الفرقة الثانیة المرابطة في کرکوك حينئذ: ” وأذكرمن عاصرتهم من أبرز قادة تلك الفرقة كان ناظم الطبقجلي وإسماعيل تايه النعيمي ومحمد علي سعيد وفيصل الأنصاري وعبد الجبار الأسدي وكلهم ضباط متميزون” . والسؤال هو بماذا کان هؤلاء الضباط متمیزین ؟ أنا کإنسان ولدت في کرکوك وفي محلة صاري کهیة القریبة من مقر الفرقة الثانیة. بنسبة لي هؤلاء الرجال الدخیلین علی کرکوك کانوا قتلة ، ماکانوا متمیزین سوی بقتل الکورد والیساریین من العراقیین. و فیصل الانصاري کان منبوذا عند أطفال المنطقة لأنه‌ کان یفسد علینا لعبة کرة القدم بحبه‌ للإعلان عن ” منع التجول الصادر من الحاکم العسکري العام”. حتی الآن هذه‌ العبارة باقیة في ذاکرتي.
وعندما یذکر المتحدث للسید الحمداني الزعیم الخالد ملا مصطفی البرزاني فیذکره‌ کأنه‌ یذکر رجلا عادیا‌ ، بلا صفة ولا إحترام ، بینما ینعت المتحدث للسید الحمداني صدام حسین ، وأکثر من مرة ‌بـ ” عهد الرئيس الراحل صدام حسين”. قد یکون هذا من حقه‌ بشرط أن یذکر بصریح العبارة بأن قتل الشعب العراقي والکویتي والإیراني بید صدام حسین لیست جریمة بحق الشعب والإنسانیة . هذا موقف سیاسي ، لیس للحیاد من مکان في هذا النعت. صدام حسین لم یرحل وإنما أعدم من قبل محکمة عراقیة شرعیة. صدام حسین لم یکن رئیسا وإنما جاء الی الحکم بمؤامرة وإنقلاب عسکري ، لم ینتخبه‌ أحدا.
ولنأخذ عبارة أخری لبیان اللاحیادیة في سرد المتحدث (أو الکاتب) : “وغطت بممارساتها ( أي ممارسة دولة الهاجس الأمني) على منجزات اقتصادية وتنموية كبيرة حققها البعث خلال فترة حكمه للعراق ودمرها الاحتلال الامريكي”. هل یوجد عراقي واحد یصف العهد البعثي في العراق بتنمیة إقتصادیة ومنجزات سوی تبعة الفئة الحاکمة آنذاك ؟ وهل هذه‌ التنمیة المزعومة دمرها الاحتلال الامریکي ؟ هذا إجحاف بحق کل من أستشهد بید الصدامیین، و عبدالخالق السامرائي من ضمنهم.

الحیادیة مفهوم غیر سیاسي ، أي لایمکنك التحدث عن السیاسة وتدعي الحیادیة. فأنا أکتب هنا کعراقي وکرکوکي و کوردي . والمتحدث للسید الحمداني ، والسید الحمداني نفسه‌ ، یدافعون عن فکره‌ و‌هذا من حقهما . وغیر المشروع هو قتل البشر وإلغاء آراء الآخرین وفرض رأي الأقلیة علی الأکثریة و بالعنف .

‌تفسیر الأحداث وتأویلها من منظار الفئة الحاکمة هي علة موجودة تأریخیا ، وهي لیست حصرا علی الفئة الحاکمة في العراق . وأشهر إستشهاد بهذه‌ الظاهرة هي مقولة الملکة الفرنسیة ماریة إنطوانیت الشهیرة عندما سمعت بإنعدام الرغیف للأکل وإنتشار القحط بین عامة الناس حیث قالت : لیأکلوا الکعکة. هذا الجهل المقرف بوضع الناس تمارس حتی الآن. ما كان التجانس بين الجميع في کرکوك موجودا یاأستاذ الفاضل ، لا في كركوك الستينات والسبعينات ولا في الثمانینات و التسعینات ، الموجود کان الإظطهاد القومي للکورد ومن ثم الترکمان والآشوریین ، هذا أذا سألت کرکوکي من عامة الناس ولیس الذین کانوا تابعین للسلطة . ماکان یحظي ذلك المحافظ البعثي العربي بإجماع الأغلبية في کرکوك ، هذا إذا سألت کرکوکي من عامة الناس.
فأول عبارة من مقالة السید الحمداني تتدعي بأن ” كركوك الستينات والسبعينات كانت نموذجا للتعددية الثقافية والقومية والدينية” . هڵ هناک مدینة أخری إسمها کرکوك ، غیر تلك المدینة التي ولدت أنا فيها وترعرعت ؟ هذا جهل شدید بمعانات الکرکوکیین في ذلك الحين بالذات. کان کرکوك اکبر معقل ومعتقل ومکان للتعذیب وخاصة للکورد و الیساریین من العراقیین ، و بالذات في معاقل الفرقة الثانیة التی کانت تترأسها ” ضباط متميزون” بقتل العراقیین غیر الموالیین للفئة الحاکمة. ألم یشاهد متحدث الکاتب لیث الحمداني مشاهد الإعدامات 1963 في ساحات کرکوك العامة ؟ ألم یشاهد هذا الرجل الذي کان ” ميزته التحدث بحيادية” أجساد أناس معلقین في ساحات کرکوك وأمام أنظار الإطفال والنساء ، ومجموعة مریضة من الناس کانوا یضربون هذه‌ الأجساد المیتة بالأحذیة و الحجارة. هل تعتبر هذه‌ الإهانة بحق الأموات نموذجا للتعددیة الثقافیة ؟
فمعتقلات الفرقة الثانیة لم تستوعب المعتقلین من الکورد و الیساریین حتی حول ضباط الفرقة الثانیة والبعثیین نادي العمال الی معتقل ومکان للتعذیب. أتصور بأن السید الحمداني لیس کرکوکیا ، ولکن ألم یتذکر المحدث له‌ زمان القهر والإهانة في کرکوك ؟ الکورد في کرکوك کانوا یدعون الله‌ بدثرهذه‌ السلطة الجائرة عندما کانت طائرات الفرقة الثانیة تحوم فوق أجواء کرکوك آتیة من قصف القری الکوردیة أو ذاهبة الیها ولعقود من السنین . هل هذه‌ تعددیة قومیة ؟
‌هذا جهل کبیر لمعانات المسیحیین الذین کانوا مضطرین للخروج من الصف لأن درس الدین کان درسا لتعالیم الإسلام فقط ولیس دراسة للأدیان. تخیل ثقل الإهانة الموجهة لتلك الأطفال غیر المسلمین ،تخیل وضعهم النفسي . وکان المسیحیون نجسین لاننا کنا (ولانزال) نعلم أطفالنا بأن المسلمین وحدهم یدخلون الجنة ووحدهم نظیفین وخالین من العیب ، أما معتنقي الدیانات الأخری فمکانهم الجهنم وبئس المصیر، ولا حاجة لذکر ما فعل الفئة الحاکمة بیهودي کرکوك في الخمسینات. هل هذه‌ تعددیة دینیة ؟ ولم ینجوا الشیعة الترکمان من هذه‌ الثقافة الطائفیة الحمقاء . عندما کانوا یأتون الی المدینة من تسعین أو من بشیر لبیع منتجاتهم الزراعیة کانوا یعانون الأمرین من أطفال الحارة الذین کانوا مترعرعین علی التربیة الطائفیة ، کان الأطفال یرشقونهم بالحجارة وینعتونهم بالرافضة (رافزي). هل هذه‌ الطائفیة الجائرة تعددیة دینیة ؟ أية مدینة تتحدث عنها یا أستاذ الفاضل. الفئة المتسلطة ، الآتیة من مناطق غیر منطقة کرکوك ، وحدهم یتجاهلون هذه‌ الحقائق. ولا أذکر ماذا حدث في السبعینات بالکورد في کرکوك وخاصة بعد مؤامرة الجزائر 1975 . ولا أذکر ماذا حصل لشباب الکورد والآشوریین الدارسین في إعدادیة کوردستان ولا حاجة لذکر أسباب تغییر إسم الإعدادیة من کوردستان الی عبدالملك بن مروان ! هل لأن کلمة کوردستان ومروان لهما نفس الإیقاع الشعري ؟ أم لأن عبدالملك بن مروان کان أول من عرب الدواوین من الفارسیة في العراق والقبطیة في مصر الی العربیة . تخیل العمق التأریخي للتعریب وتخیل کیف کان الکرکوکیون یرون کرکوك في الستینات والسبعینات وخاصة إذا تحدثنا بحیادیة.

الإضطهاد الذي عان منه‌ العراقیون جمیعا ، وخراب العراق ونهب خیراته‌ وإهداء نصف شط العرب هبة لإیران لایمکن أن تسمی إنجازات. ودمار العراق ما کان سببه‌ الامریکان وإنما السیاسیة الهمجیة اللاعقلانیة التي مورست بحق الشعب العراقي في عهد صدام حسین ، وهذه‌ السیاسة فتحت الباب امام المحتلین . یجب حتی علی البعثیین من رؤیا الحقائق وأعتراف بالأخطاء الجسیمة التي إرتکبها حکام العراق السابقین . یجب الإعتراف بالکوارث التي ألحقها النظام البائد بالعراقیین. ‌هذا لکي یعم السلام في العراق.

* Discourse Analysis