الرئيسية » مقالات » خصائص الشيوعية التحررية*

خصائص الشيوعية التحررية*

ترجمة : مازن كم الماز

لا يمكنك تعريف المجتمع الشيوعي بأفضل من تكرار القول القديم “من كل بحسب قدرته و لكل بحسب حاجته” . أولا إنه يؤكد على التبعية التامة للاقتصاد لحاجات التطور الإنساني في وفرة البضائع و تخفيض العمل الاجتماعي و أن يكون لكل شخص دور فيه حسب قواه الخاصة و قدراته الفعلية . هكذا فإن هذه الوصفة تعكس إمكانية التطور الكامل للبشر .
ثانيا تشير هذه الوصفة إلى غياب الطبقات و إلى الملكية و الاستخدام الجماعيين لوسائل الإنتاج لأنه فقط استخدام كهذا من قبل المجتمع يسمح بالتوزيع حسب حاجات الناس .
لكن الشيوعية الكاملة لهذه الوصفة “لكل حسب حاجته” لا تفترض فقط الملكية الجماعية ( التي تديرها مجالس العمال أو النقابات أو الكومونات ) و لكن أيضا نموا كبيرا في الإنتاج , أو الوفرة في الواقع . الآن من المؤكد أنه عندما تحدث الثورة فإن الظروف لن تسمح في هذه المرحلة الأولى من الشيوعية : إن حالة الندرة تشير إلى استمرار سيطرة الاقتصادي على الإنساني و بالتالي وجود قيد معين . إذا فإن تحقيق الشيوعية عندها لا يعني تطبيق ذلك المبدأ “لكل حسب حاجته” , بل فقط المساواة في الدخل أو المساواة في الظروف , الذي يصل إلى مستوى حصص متساوية من المؤونة أو حتى التوزيع عبر استخدام عملات مالية رمزية ( و هي ذات صلاحية محدودة و ذات وظيفة وحيدة لتوزيع المنتجات التي ليست نادرة بحيث أنه لا بد من حصحصة توزيعها بصرامة أو أنها ليست متوفرة بكثرة بحيث أنه يمكن الحصول عليها مباشرة ) – هذا النظام سيسمح للمستهلكين أن يقرروا بأنفسهم كيف سينفقون دخلهم . لقد تم تصور أن الناس قد يتبعون وصفة “لكل بحسب عمله” , آخذين بعين الاعتبار التخلف في التفكير في مواضيع معينة مرتبطة بأفكار التراتبية الهرمية – معتبرين إياها ضرورية للبقاء اعتمادا على معدلات أجور متفاوتة أو لإعطاء ميزات مثل التخفيض في ساعات العمل للحفاظ أو زيادة الإنتاج في نشاطات خاصة “دنيا” أو غير مرغوبة , أو لبلوغ أقصى طاقة إنتاجية أو أيضا لتوفير حركة قوى العمل . لكن أهمية هذه الاختلافات سيكون محدودا و حتى في أدنى مراحلها ( التي يسميها البعض بالاشتراكية ) فإن المجتمع الشيوعي يميل إلى أكثر ما يمكن من المساواة و أكثر ما يمكن من التماثل في الظروف .

الشيوعية التحررية

إن مجتمعا تتحقق فيه الملكية الجماعية و مبادئ المساواة لا يمكن أن يكون مجتمعا يستمر فيه الاستغلال الاقتصادي أو يوجد فيه شكل جديد من الحكم الطبقي . إنه بالتحديد نفي هذه الأشياء .
و هذا صحيح حتى بالنسبة للمرحلة الأدنى من الشيوعية و التي رغم أنها تبدي درجة من القيود الاقتصادية فإنها لا تبرر بأية طريقة استمرار الاستغلال . على نحو مختلف طالما أنها تبدأ دوما تقريبا من حالة الندرة فإن الثورة سوف تنتفي بكل معنى الكلمة . إن الثورة الشيوعية التحررية لا تحقق مجتمعا كاملا منذ البداية , أو حتى مجتمعا عالي التطور , لكنها تدمر أسس الاستغلال و الهيمنة . إنه بهذا المعنى تحدث فولين عن “ثورة فورية لكن تقدمية” .
لكن هناك مشكلة أخرى : مشكلة الدولة , مسألة أي نوع من المؤسسات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية سيكون لدينا . المدارس الماركسية اللينينية خاصة تتصور زوال الدولة في المرحلة الأعلى من الشيوعية لكنها تعتبر هذه الدولة ضرورة في المرحلة الأدنى .
هذه الدولة التي تسمى دولة “العمال” أو “البروليتاريا” ينظر إليها على أنها قوة إكراه منظمة و أنها تصبح ضرورية بسبب عدم كفاية التطور الاقتصادي , و غياب تقدم القدرات الإنسانية و – على الأقل في المرحلة الأولى – بداعي الصراع ضد بقايا الطبقات الحاكمة سابقا و التي هزمتها الثورة , أو بشكل أكثر تحديدا مدى الأرض الخاضعة للثورة من الداخل من الخارج .
ما هي فكرتنا عن نوع الإدارة الاقتصادية التي يمكن أن توجد في المجتمع الشيوعي ؟
إدارة عمالية بالطبع , إدارة تتألف من كامل هيئة المنتجين . نحن الآن نرى أنه فيما يؤدي المجتمع الاستغلالي على نحو متزايد إلى توحيد سلطة , و شروط الاستغلال التي هي على نحو متناقص الملكية الخاصة و السوق و المنافسة الخ و بهذه الطريقة فإن الاستغلال الاقتصادي و الإكراه السياسي و التعمية الإيديولوجية تصبح مترابطة على نحو صميمي , و إن الأساس الضروري للسلطة و خط التقسيم الطبقي بين المستغلين و المستغلين تصبح إدارة الإنتاج .
في هذه الظروف فإن الفعل الضروري للثورة , إلغاء الاستغلال , يتم إحداثه بواسطة حكم العمال و هذا الحكم يمثل النظام الذي يحل مكان كل السلطات . إنهم كل المنتجين الذين يديرون و ينظمون و الذين ينجزون الإدارة الذاتية , الديمقراطية الحقيقية , الحرية في ظرف المساواة الاقتصادية , إلغاء الامتيازات و الأقليات التي تستغل و توجه , و هم الذين يحددون الأولويات الاقتصادية و الحاجة للدفاع عن الثورة . إدارة الأشياء تحل مكان حكم البشر .
إذا ترافق إلغاء التمييز في المجال الاقتصادي بين أولئك الذين يصدرون الأوامر و أولئك الذين ينفذونها بالاحتفاظ بهذا التمييز في المجال السياسي بصيغة ديكتاتورية حزب أو أقلية , هذا إما أنه لن يستمر أكثر من 5 دقائق أو أنه سوف يخلق نزاعا بين المنتجين و البيروقراطيين السياسيين . لذلك فعلى حكم العمال أن ينجز إلغاء كل سلطة تملكها أية أقلية , إلغاء كل مظاهر الدولة . لا يمكن أن تبقى القضية في وجود طبقة واحدة تهيمن و تقود , بل بالأحرى في الإدارة و الإشراف , و ذلك في النطاق السياسي كما في النطاق الاقتصادي , من قبل المنظمات الاقتصادية الجماهيرية , الكومونات , الشعب و هو يحمل السلاح . إنها سلطة الشعب المباشرة , و هذه ليست دولة . إذا كان هذا ما يسميه البعض بديكتاتورية البروليتاريا فإن هذا المصطلح مشكوك به ( سنعود إلى هذا المصطلح مرة أخرى ) لكن من المؤكد أنه لا علاقة له مطلقا بديكتاتورية الحزب أو أية بيروقراطية . إنها ببساطة ديمقراطية حقيقية ثورية .

الشيوعية التحررية و الإنسانية

إذا فإن الأناركية الشيوعية أو الشيوعية التحررية بتحقيقها لمجتمع , للتطور الكامل للإنسانية , مجتمع مؤلف من رجال و نساء إنسانيين على نحو كامل , تبدأ حقبة من التقدم الدائم , من التحول التدريجي , من التحولات .
إنها لا تخلق عندها إنسانية وفق غرض , نشأت إيديولوجيته داخل مجتمع طبقي , و في سياق تطور صراع الطبقات , إنسانية لا يوجد أي شيء يجمعها مع الرأي المخادع عن الكائن الإنساني المجرد التي تحاول البرجوازية الليبرالية أن تدل به علينا في مجتمعها الطبقي .
و هكذا فالثورة – مستندة إلى قوة جماهير البروليتاريا عندما تقوم بتحرير الطبقة المستغلة فإنها تحرر كل الإنسانية .


* هذا هو الفصل السادس من “بيان الشيوعية التحررية” الذي كتبه الشيوعي الفرنسي جورج فونتيه عام 1953 باسم الفيدرالية الشيوعية التحررية في فرنسا .
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن //flag.blackend.net/daver/anarchism/mlc/mlc6.htm