الرئيسية » مقالات » من كتاب الثورة الروسية-الفصل السادس-مشكلة الديكتاتورية

من كتاب الثورة الروسية-الفصل السادس-مشكلة الديكتاتورية

ترجمة : مازن كم الماز

يقول لينين ( في الدولة و الثورة : الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ) ” الدولة البرجوازية هي أداة لقمع الطبقة العاملة , أما الدولة الاشتراكية فهي أداة لقمع الطبقة البرجوازية ” . إنه يقول أنه إلى درجة معينة فإن الدولة الرأسمالية فقط تقف على رأسها . تفوت هذه النظرة المبسطة الشيء الأكثر أهمية : أن حكم الطبقة البرجوازية لا يتطلب التمرين و التثقيف السياسيين لمجموع جماهير الشعب , على الأقل ليس أبعد من بعض الحدود الضيقة المحدودة . أما بالنسبة لديكتاتورية البروليتاريا فإنها مسألة حياة , الهواء نفسه الذي بدونه لا يمكنها أن توجد .
يكتب تروتسكي : ” بفضل الصراع المباشر و المفتوح في سبيل سلطة الحكومة فإن جماهير العمال تراكم قدرا هاما من الخبرة السياسية في أقصر وقت و تتقدم بسرعة من مرحلة إلى أخرى في تطورها ” .
هنا يفند تروتسكي نفسه و زملاءه . و لأن الأمر كذلك بالفعل فإنهم قد أعاقوا ينبوع هذه الخبرة السياسية و مصدر هذا التطور المتصاعد بقمعهم الحياة العامة ! أو أنه علينا أن نفترض أن هذه الخبرة و ذلك التطور كانا ضروريين فقط حتى الاستيلاء على السلطة من قبل البلاشفة و عندها مع بلوغهما أعلى ذروتيهما أصبحا غير ضروريين فيما بعد . ( خطاب لينين : لقد فزنا بروسيا إلى الاشتراكية !!! ) .
في الواقع فإن العكس هو الصحيح ! إنها المهام الجبارة التي نهض بها البلاشفة بشجاعة و تصميم هي التي تتطلب أكثف تدريب سياسي للجماهير و مراكمة الخبرة .
إن الحرية فقط لأنصار الحكومة , فقط لأعضاء حزب واحد – مهما كان عددهم كبيرا – هي لا حرية بالمرة . إن الحرية دوما و حصريا هي حرية الشخص الذي يفكر على نحو مختلف . ليس بسبب أية فكرة متعصبة عن “العدالة” بل لأن كل ما هو تنويري , مفيد و مطهر في الحرية السياسية يتوقف على هذه الخصائص الضرورية , و لأن تأثيرها يختفي عندما تتحول الحرية إلى امتياز خاص .
إن البلاشفة أنفسهم لن يرغبوا , و أيديهم على قلوبهم , أن ينكروا أنه , خطوة فخطوة , سيكون عليهم أن يشعروا بأنفسهم خارج إطار الواقع , يختبرون و يجربون , يجربون طريقة بعد أخرى , و أن كثيرا من إجراءاتهم لا تمثل لألئ لا تقدر بثمن من الحكمة . لذلك فإنها يجب و سوف تبقى معنا عندما نصل إلى نفس النقطة – حتى لو أن نفس الظروف الصعبة لن تسود في كل مكان ربما .
إن الافتراض المستتر تحت نظرية لينين – تروتسكي عن الديكتاتورية هو : أن التحول الاشتراكي هو شيء توجد وصفته الجاهزة سلفا بشكل كامل في جيب الحزب الثوري , و الذي يحتاج فقط إلى وضعها موضع التنفيذ بنشاط . إن هذا لسوء الحظ , أو لحسن الحظ , ليست القضية . أبعد من أن تكون مجموعة من الوصفات الجاهزة التي تحتاج فقط إلى تطبيقها فإن الإنجاز الواقعي للاشتراكية كنظام اقتصادي و اجتماعي و قانوني هو شيء يوجد بشكل كامل مخبأ في غشاوة المستقبل . ما نملكه في برنامجنا ليس إلا معالم أساسية قليلة تحدد الاتجاه العام الذي علينا أن نبحث فيه عن الإجراءات الضرورية , و هذه الإشارات سلبية أساسا في طبيعتها هذه . لذلك فإننا نعرف تقريبا ما الذي علينا استبعاده في البداية كي نفتح الطريق أمام اقتصاد اشتراكي . لكن عندما يتعلق الأمر بطبيعة آلاف الإجراءات العملية المحددة تماما , الصغيرة و الكبيرة , الضرورية لإدخال المبادئ الاشتراكية إلى العلاقات الاقتصادية و القانونية و كل العلاقات الاجتماعية , لا يوجد هناك مفتاح في برنامج أو كتاب أي حزب اشتراكي . هذا ليس عيبا بل هو ذات الشيء الذي يجعل الاشتراكية العلمية متفوقة على نظيراتها الطوباوية .
إن النظام الاشتراكي للمجتمع يجب و يمكن أن يكون فقط نتاج تاريخي يولد من مدرسة تجربته الخاصة , يولد في سياق تحققه كنتيجة لتطور التاريخ الحي , الذي – تماما مثل الطبيعة العضوية و التي يشكل جزءا منها في التحليل الأخير – يملك العادة الجيدة بأنه ينتج دائما على التوازي مع أية حاجة اجتماعية حقيقية وسائل إشباعها , على التوازي مع المهمة في نفس الوقت الحل . لكن إذا كانت هذه هي القضية إذا فمن الواضح أن الاشتراكية بحسب طبيعتها الحقيقية لا يمكن فرضها أو إدخالها بمرسوم من الأعلى . يوجد للاشتراكية و كشروط مسبقة عدة إجراءات قوية – ضد الملكية و غيرها . إن السلبي , التهديم يمكن فرضه لكن البناء , الإيجابي فلا يمكن . منطقة جديدة , آلاف المشاكل . فقط التجربة قادرة على تصحيح و فتح الطرق الجديدة . فقط الحياة غير المقيدة و التي تفور في آلاف الأشكال و المبادرات الجديدة , يمكنها أن تخرج إلى النور قوة جديدة خلاقة تصحح بنفسها كل المحاولات الخاطئة . إن الحياة العامة في البلدان ذات الحرية المحدودة هي مصابة بالفقر , بائسة , جامدة , مجدبة , خاصة لأنه باستبعاد الديمقراطية فإنها تقطع المصادر الحية لكل الغنى و التقدم الروحي ( الإثبات : عام 1905 و الشهور بين شباط فبراير و تشرين الأول أكتوبر 1917 ) . هناك كانت هي سياسية بالتحديد , و ينطبق نفس الشيء على الحياة الاقتصادية و الاجتماعية أيضا . يجب أن يشارك فيها مجموع كتلة الشعب . و إلا فإن الاشتراكية سيجري فرضها من وراء بعض المكاتب الرسمية من قبل حفنة من المفكرين .
إن الحكم الشعبي ضروري على نحو لا مفر منه . و إلا فإن تبادل الخبرات سيبقى محصورا فقط داخل دائرة مغلقة من موظفي النظام الجديد . سيصبح الفساد حتميا . ( هذه كلمات لينين , النشرة رقم 29 ) . تتطلب الاشتراكية في الحياة تحول روحي كامل في الجماهير التي تعرضت للانحطاط عبر قرون من الحكم البرجوازي . الغرائز الاشتراكية مكان الغرائز الفردية , مبادرة الجماهير مكان العطالة , المثالية التي تتغلب على كل معاناة , الخ , الخ . لا يوجد أحد يعرف هذا أفضل أو يصفه على نحو أكثر نفاذا , و يكرره بعناد أكثر من لينين . لكنه مخطئ تماما بالطريقة التي يستخدمها . المراسيم , القوة الديكتاتورية لمراقبي المعامل , العقوبات شديدة القسوة , الحكم بواسطة الإرهاب – كل هذه الأشياء ما هي إلا مسكنات . الطريقة الوحيدة للولادة الجديدة هي مدرسة الحياة الشعبية نفسها , أوسع ديمقراطية و رأي شعبي بدون قيود . إنها اليوم تحكم بالإرهاب الذي يفسد المعنويات .
مع إلغاء كل ذلك ما الذي سيتبقى ؟ في مكان الأجهزة التمثيلية التي يتم تشكيلها بالانتخابات العامة الشعبية , اعتبر لينين و تروتسكي السوفييتات على أنها الممثل الحقيقي للحياة السياسية في الأرض عامة , كما أن الحياة داخل السوفييتات يجب أن تصبح مقيدة أكثر فأكثر . بدون انتخابات عامة , بدون حرية التجمع و التعبير غير المقيدة , بدون الصراع الحر بين الآراء , فإن الحياة ستموت في كل مؤسسة عامة , تصبح شيئا شبيها بالحياة , حيث تصبح البيروقراطية فقط وحدها العنصر الفاعل . تأخذ الحياة العامة بالنوم تدريجيا , فيما عدد قليل من قادة الحزب المفعمين بالطاقة التي لا تنضب و الخبرة الكبيرة تحكم و توجه . من بينهم في الواقع فإن عددا من القادة الأجلاء يقومون بالقيادة و تدعى نخبة الطبقة العاملة من وقت لآخر إلى اجتماعات حيث تهتف و تهلل لخطابات القادة , و لتوافق على القرارات المقترحة بصورة جماعية – في المحصلة إنها علاقة عصابة – ديكتاتورية , , و للتأكيد , فإنها ليست ديكتاتورية البروليتاريا بل ديكتاتورية حفنة من السياسيين , إنها ديكتاتورية بالمعنى البرجوازي , كما تعنيها حكم اليعاقبة ( إرجاء مؤتمر السوفييتات من 3 إلى 6 أشهر! ) . نعم يمكننا أن نذهب حتى أبعد من ذلك : إن ظروفا كهذه ستؤدي لا محالة إلى جعل الحياة العامة وحشية : محاولات اغتيال , قتل الرهائن , الخ ( خطاب لينين عن النظام و الفساد ) .


ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.marxists.org/archive/luxemburg/1918/russian-revolution/ch06.htm