الرئيسية » مقالات » عراقيون في السويد أزاهير في الذاكرة

عراقيون في السويد أزاهير في الذاكرة

كنت قد لبيت الدعوة الى القراءة في مهرجان تأبيني للشاعر سركون بولص اضافة الى دعوات عديدة من اصدقاء كثيرين… كنت ذاويَ الخطى ، خارجي وئيد وداخلي مخرّب ، لكن مع ذلك دفعت نفسي دفعا ، كمن يحكم بالإفراج عن سجين في حجرة لأشهر وسنوات . كان يراودني شعور بأن احلق في فضاء مهرجاني عندما أقرأ الشعر هناك في استوكهولم وسط أحبتي واصدقائي من العراقيين . ” سميتانه وعسل والهوى بظهرك !!!!” بهذه الكلمات الأنصارية التي احبها والتي سمعتها من اصدقاء عديدين ، كنت امني النفس بأن أنهض بالقصيدة العراقية فهي معركتي اليوم ونبيذي غدا أي في معاكسة وجودية وتراجيدية مع امرئ القيس القائل : اليوم خمر وغدا امر . كلا ، سأقلب أنا الآية : اليوم أمر ٌ وغدا خمر ٌ ، انهم يحاربون بالسلاح ، نحن محاربون ايضا ، من ذوي الكلمات الشعبية التي لابد أن تدخل القلب وتتغلغل في الذاكرة … نحن مسؤولون مسؤولية خطيرة بل حد كسر العظم . لقد غدت النبالة الكونية هي ان تقول كلاما رفيعا لصالح وطنك الذي هو أغلى من الام والحبيبة انه العراق كنهي ومعناي وثمني . لابد من قصيدة متفجرة لابد من لوحة بطولية لابد من ذرى حسن وجمال
كانت القاعة تضج بالشعراء : العراق هو الأمل الشعر هو المحبة والصداقة بين الناس ، لا ألف لا للفاشية للظلم للميليشيات لا للقتل نعم للسلام للأمن للحياة لوطنننا الباهر لعراقنا الرائع .
العراقيون قلوب لهفى الى عناق وطن طالما أرقهم … العراقيون سوسن دامع على سياج الرافدين
والعراق تتوالى عليه التراجيديات
والى ان يحين الأمان ستعود الحمائم اى احتضان نهر الحياة .
يومياتي هناك : ( 1 )
في القطار الذاهب الى السويد ، لم استطع اصطياد من كل ذلك الجمال الباهر وعلى مدى خمس ساعات سوى لقطة عانقتها بقوة وخبأتها في ثنايا قلبي وكتبت عنها قصيدة في البال أي اني لم احققها على الورق . كان هناك طريق خال ٍ يقع وراء جدران عالية وواطئة كالحة ترباء هي ظهير لمصنع او اكثر من مصنع
استلفت ذكرة الطريق انتباهتي فلقد كان موحشا غير معبد محصور مابين الحائط والغابة الجرداء . تخيلن نفسي اسير هناك وحيدا ناحلا حزينا اعجفا خارجا لتوي من مستشفى ، وقد هجرتني زوجتي وغادرني الأولاد ولا أحد لي سواي ! وكنت اسير في ذلك الشاعر المليئ بالحفر والبرك الصغيرة من الماء ، ومن ثم شعرت بالاعياء والثيان جراء عودة نوبات المرض لي . رحت ادخل الغابة القليلة الاشجار جرداؤها ، بحث عما يُجلس عليه . كان هناك جذع شجرة . القيت بنفسي عليه . رحت أتأمل الأغصان في هذا الجو الشتائي يدبغها البرد بالرمادي والأخضر الداكن القريب الى السواد . نظرت عبر الفراغات مابين الاشجار الى زرقة السماء المطعونة بالألوان الكامدة ، تأملت خيبتي عن بعد وقرب ، تذكرت انتكاستي الأخيرة وكيف تؤدي الوجوه الجميلة بانتحار الارواح ، تأملت الطريق والغابة وتذكرت الموت والمغيسل في جامع براثا !!!! أحنيت رأسي : الرماد هو الطاغي في مشهد العمر أحنيت رأسي أكثر وأكثر كما يحنو اسير برأسه ، صرت كالحلزون حزنا وخيبة . تذكرت اهلي في الماضي البعيد حيث تركتهم منذ 27 عاما واهلي حيث فارقتهم هنا منذ 5 اعوام . وظللت وحيدا مثل هذا الشارع الوحيد والغابة التي لاطير فيها .
الغابة اروع مكان للدمع . أهدأ مكان للبكاء . لكن من خلال الرقراق الشفيف لما يسيل من جفني رأيت برعما صغيرا او نبتة خضراء خارجة لتوها وصادف ان تكون مابين قدمي . وقد سعدت اني لم أطأ قامتها الصغيرة صغر الدعسوقة . رحت اتأملها واناغيها قلت لها : وسط هذا الخراب اعتني بي . رغم هذا الانهيار ارتفعي . انت اعظم نبتة رأيتها في حياتي تتصاعدين ومن حولك تنازل مريع . سيدتي ها انا اصلي لك بكل خشوع انا صغير وانت معبد الكون الرحيب . اعتني بنا يا ايتها الام ايتها الحبيبة . وغادلرت تعلق روحي بها ورقرقة من ماء ساخن تعلف على موق عيني .
يومياتي هناك (2) :
ظلت عيناي تتطلع بحيرة وألم وأنا استمع لكثير من قصائد النثر في المهرجان ولم أجد من اتشبث بعينيه سوى الشاعر جاسم ولائي الذي أثق بحساسيته المفرطة ازاء الخطأ النحوي ولما تألمنا ونحن ننظر على مبعدة الى بعضنا البعض . ان قصيدة النثر قد سهلت على كل من يريد الكتابة ان يكون شاعرا . تذكرت مقولة لأليوت حول ان الشاعر الضعيف يهرب من العمود الشعري الى القصيدة الحرة ! وهذا في التطبيق العملي يظهر لنا كون السياب قد عجز عن ان يكون جواهريا واذا تصفحنا مجموعته الكاملة رأينا انه ركيك عموديا . اليوم تألمت كثيرا كثيرا ، فالدعوة موجهة لي الى مهرجان يقتضي فيه ان لايقال للشاعر اختصر !!!!! وهذا ماقيل لسواي من اعلى المنصة وقيل لي همسا وبترج ٍ . لم أقف مرة في حياتي وفي اية قاعة من دون ان يكون الجمهور معي ! يعلم بذلك القاصي والداني ومنذ قصيدة مشمسة العينين في كلية التربية ببغداد حتى بلغاريا وموسكو والسويد والدانمارك وساحة الاندلس بعد 9 نيسان . كنت اثق بروعة احترام الجمهور والشعر معا وان نحلق الى ذرى بروميثيوس وعبقر ! أما هذه المرة فقد كانت قاسية على قلبي وقلت لجمهوري الكريم بأني سأقص بل سأقتطع القصيدة . أتمنى على كل من يحترم الشعر والشعراء ان يعطي وقتا كافيا لمن يستحق وان يحجب من ليس له علاقة بالشعر . كنت قد عكفت على قصيدة لسبع أيام ولسفرة مرهقة كل ذلك من أجل 10 دقائق يقال لي فيها اختصر ! يا لهي كم شعرت بمرارة . مع ذلك فان اسم العراق هو الأعلى والأجل والأجمل وهذا هو النجاح الباهر للمهرجان وهنا يكمن فرحي في كل الأحوال .
يومياتي هناك : (3 )

الفنان نبيل تومي كناري رفراف في فضاء المحبة . لوحاته في بيته الأنيق تعانق الجمال الطبيعي والعراق النائي بالحنين . خالجني الشوق بأن اكتب عن اللون والضوء والحركة في هالة من الفن لكن لا اقوى ان اكون ناقدا بارعا ازاء براعة لوحاته وسوى كلمة الاعجاب والامتنان له كفنان لا استطيع ان اقول . هناك ارشيف رائع من الصور والتخطيطات المؤثرة كلها تنتظر التحقق والظهور ، وعلى الشهرة التي حققها فناننا ، فان الأمل يحدونا بظهورها الأكثر شهرة ولمعانا بل الأكثر فائدة لأبناء وطنه . لم ادر ِ انه ، فوق كريم ضيافته ، كريم الى الحد الذي يضحي به حاتم الطائي بجواده ! .لقد اهداني اجمل مارأيت انا عنده من لوحة . كم حاولت ان لا اتقبلها لكنه اصر وأصر ، وها هي تتألق في سويد قلبي وفي البوم ذكرياتي الشخصية . انه فنان كبير على طريق عراق جديد زاهر :

يومياتي هناك : ( 4 )

الكاتب الصديق العزيز رزاق عبود هذا الفارس القديم والبصراوي الطافح بأريج وطننا الغالي . ها هو يحلق معي على جناح الذكرى حيث ايام بلغاريا وصوفيا الحب والحلم ، ويالها من مفارقة حزينة حيث تقتلعنا الأيام كل من مدينته هو من البصرة وانا من بغداد لنتقي في اروقة الدرفنيتسا في صوفيا ونفترق لنلتقي في استكهولم في مقهى مطلة من بناء مسرح في قلب استوكهولم … هناك ننتقد التطبيقات المشينة للنظرية على واقع لم يصمد بها ولم تتقو َ به . وكأنما لم يفز بالأمر الاّ النموذج الاسكندنافي في المواءمة والتوافق مابين النماذج الاقتصادية المختلفة والاّ فان للفاشيلات والدكتاتوريات ان تظهر – المانيا ايطاليا اسبانيا – وبذا فا الحزب الاشتراكي الديموقراطي في زمن ستاوننك في الدانمارك قد حل الأمر بسياسة الوفاق والتضامن الشعبي مابين ارباب العمل والعمال وبالضمان الاجتماعي فلكل طفل راتب بالولادة وللنقابات الحق بالدفاع عن العمال والحياة الاقتصادية في توازنات تاريخية يشاد لها بالبنان وكذلك الامر ازاء دور الاحزاب الايجابي في الحياة السياسية وترقية الانسان . ما اروع رزاق عبود كما ونوعا . انه ذاكرة تستدرج الدروس لترد عليها بالامثلة والمقيسات ازاء معجب مثلي باسلوب الحياة العلمية الجديدة والاكتشافات الساحرة وضرورة المنافسة في الاسوق مع ضرورة الضوابط المعنية بكرامة الانسان وبإعلاء شأنه . كانت استوكهولم في جانبها الأكثر بهاء ً مذهلة بالديكور والاناقة . وكانت النساء مصابيح شمس في طقس الشوارع الداكن . كان تجوالنا في العوالم الساحرة مبك ٍ لي أكثر مما هو مفرح ، اذ اريد لبلدي مثلما اريد لكل ارض المعمورة اريد لبنات العراق الباهيات ثوبا موردا بشعاع القمر .اريد للطفل العراقي بيت آمن ومدرسة تعلمه السلام ومحبة الجار والدار . كان تجوالا بل يوما مفعما مع الرائع رزاق عبود بكل المحبة الصادقة والرفاقية والاخوة .