الرئيسية » مقالات » طريق الحقيقة رقم -23-

طريق الحقيقة رقم -23-

1- شعارها الثقافي الإستراتيجي:
1- لا أحد يملك الحقيقة.
2- أنا أبحث عن الحقيقة.
3- أنا أملك جزءاً من الحقيقة ومن حقي أن أعبر عنها.
2- شعارها السياسي التكتيكي: الديمقراطية للعربي والفارسي والتركي، والحرية للكردي.
3- أيديولوجيتها: سياسة غصن الزيتون، وفلسفة حقوق الإنسان.
4- شعارها الاقتصادي الإستراتيجي: مجتمع الإبداع والرخاء والعدل.
____________________________
موضوع الحلقة: (( الانعطاف التاريخي وحرية الاختيار بين الدولة القسرية والدولة الطوعية ))
____________________________
1- التاريخ العالمي اليوم.
2- مكاننا نحن شعوب الشرق الأوسط في هذا التاريخ.
3- الدولة القسرية خلال القرن العشرين. ولماذا استمرت قرناً؟.
4- رأي طريق الحقيقة في الخلاص.
الانتقال من الدولة القسرية إلى الدولة الطوعية وحقوق المواطنة بدون انفصال.
5- كلمة ختامية من طريق الحقيقة.
____________________________
1- التاريخ العالمي اليوم:
التاريخ القديم بالنسبة للشرق الأوسط كانت بدايته منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918م وحتى عام 1990م.
وبدأ التاريخ العالمي اليوم منذ انهيار الإمبراطورية السوفيتية عام 1990م. إن انتصار التاريخ العالمي اليوم الحديث على القديم كان نتيجة لصراع ديالكتيكي بين القديم والحديث. إن هذا الصراع الديالكتيكي كان صراعاً أيديولوجياً. وكان صراعاً عاماً وشاملاً، شمل كل النواحي الروحية والمادية من التاريخ حيث انتصرت العقلية الغربية في هذا الصراع على العقلية الشرقية.
ترى لماذا انتصرت العقلية الغربية على الشرقية في جانبي التاريخ الروحية والمادية وكيف؟
لقد أرادت العقلية الشرقية أن تنقل مركزية العالم مرة أخرى إلى الشرق وفشلت وانهزمت أمام العقلية الغربية. ما وراء ذلك؟
وجواب طريق الحقيقة على هذا السؤال:
1- إن العقلية الشرقية لم تستطع أن تتخلى عن السلاح الأيديولوجي.
2- إن العقلية الغربية تمسكت بالعقلية العلمية وطوروها إلى أبعد الحدود.
3- إن قراءة العقلية الشرقية للتاريخ كانت خاطئة وقراءة العقلية الغربية كانت صائبة.
4- إن العالم الحديث الذي بدأ هو تاريخ العلم، وإن من أخطر ما أنتجه العلم (( الآلة )).
إن الآلة في التاريخ الحديث تحكم العالم وتحكمنا في الشرق الأوسط. إن من يملك الآلة يحكم العالم.. وإن ما نقصده بملكية الآلة هو من يصنعها. وتبعاً لهذا المقياس الجديد الذي أوجده العلم قسمت البشرية على وجه الأرض إلى فئتين:
1- الفئة الأولى التي تصنع الآلة وهي فئة الأسياد.
2- والفئة الثانية والتي لا تصنع الآلة وهي فئة العبيد.
فإذا أراد شعباً ما أن يتخلص من عبوديته وينتقل إلى صف فئة السادة عليه أن يصنع الآلة ويملكها. وبدون ذلك سيبقى عبداً مهما ادعى وتغنى بماضي آباءه وأجداده. إن التغني بماضي الأجداد وبحسبهم ونسبهم لا ينفع شيئاًَ على الإطلاق ولا يقدم حلاً للخلاص من العبودية. إن معرفة العلم المادي، يعني معرفة أسرار المادة، ومعرفة أسرار المادة يعني صنع الآلة وامتلاكها..
ومع حلول التاريخ الحديث وانتصاره على القديم اختلفت الموازين والمقاييس التي تقاس بها قوة الأمم والشعوب.
أ‌- مقاييس القوة للتاريخ القديم:
1- كانت تقاس قوة الشعوب والأمم بعدد سكانها واتساع مساحتها الجغرافية.
2- بقوة إيمانها الأيديولوجي والعقائدي.
3- بصلابة نظامها السياسي ومركزيتها المشددة.
4- وكان النظام الحقوقي لحق المواطنة قائماً إما على القومية أو الطائفية أو المذهب أو الحزبية أو الطبقة.
ب‌- مقاييس القوة للتاريخ الحديث:
1- لم يعد لعدد السكان ولا مساحة الجغرافية أية قيمة.
2- لقد حل العلم المادي مكان الإيمان الروحي والأيديولوجي والعقائدي.
3- لقد حل اللامركزية محل المركزية. وحلت محلها الكونفدرالية أو الفيدرالية أو الحكم الذاتي.
4- وحل النظام الحقوقي لحق المواطنة الحق الإنساني، بدلاً من الحق القومي أو الطائفي أو المذهبي أو الحزبي أو الطبقة.
لقد قلبت مقاييس القوة للتاريخ الحديث تاريخ العلم، الحياة البشرية رأساً على عقب. وتغيرت المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية والتكنيكية.
تغير المفاهيم في التاريخ الحديث:
1- من الناحية السياسية: لقد ألغت مقاييس القوة للتاريخ الحديث تاريخ العلم المفاهيم السياسية القديمة ولم يعد لتلك المفاهيم السياسية أية قيمة وإن من يتمسك بها يعني مزيداً من الأزمات والخراب والفقر والتخلف.
إن مفهوم مركزية الدولة كان لها سحرها في التاريخ القديم وكانت كل الشعوب تعشقها. ولهذا نرى أن التاريخ القديم قد أنشأ مدن كبيرة ثم تجمعت فيها الملايين من سكان الأقاليم. وذلك كونها كانت المركز السياسي والإداري لكل الأقاليم. وكل المال للأقاليم كانت تجمع فيها. وتقام فيها كل المنشآت الحرفية والصناعية والأغذية. لقد كانت تكبر باستمرار على حساب مدن الأقاليم ولا عجب أن نرى اليوم مدن كبيرة يبلغ عدد سكانها عشرات الملايين كطهران واستانبول والقاهرة. بينما مدن الأقاليم لتلك العواصم المركزية لا يبلغ تعداد سكانها سوى عشر سكان المركز. وهي في انتقاص دائم. إن جميع الرأسمال الوطني ينتقل إلى المركز وتعيش مدن الأقاليم على الفتات.
إن جمع مال الأقاليم كله ووضعه في خزينة واحدة في المركز وتجميع الرأسمال الخاص في مدينة المركز يعني هذا هدفاً مغرياً لرجال السياسة. ولهذا نرى أنه كان صراعاً شديداً في الدول القسرية التي أنشأت في الشرق الأوسط والتي سنأتي إليها فيما بعد على السلطة. تارة باسم توحيد الأمة وتارة باسم الدين وأحياناً باسم الوطنية. والهدف الحقيقي كان وراء هذه الشعارات هو الاستيلاء على المركز ليكون المال العام والخاص تحت تصرفها. لقد أطلقوا على أنفسهم أسماء براقة وأصلوا بنسبهم إلى الأنبياء. لقد ظهرت أسماء عديدة… القائد.. والملهم.. وقائد الضرورة.. والملك.. والأمير… والأب.. والسلطان.. والرئيس المؤمن..! الخ… الخ.. الخ…!
أما في التاريخ الحديث تاريخ العلم فقد انقلب مفهوم المركزية والمركز السياسي إلى كارثة. إلى مفهوم مفزع، لأن مفهوم المركزية والمركز السياسي يعني الآن: النهب، والسلب، والسرقة للمال العام.. وإن شعباً ينهب ويسلب ويسرق لا يمكن أن تكون هناك برامج واستراتيجيات تخطط وتنفذ بدون المال. وهذا يعني أن الشعب الذي يُحكم من قبل المركزية المشددة سيظل عائشاً وفق مقاييس التاريخ القديم وهذا يعني الموت البطيء.
لقد استبدل التاريخ الحديث الأسماء السياسية المذكورة بالفيزيائي والكيميائي والهندسي والطبي والإلكتروني والجيولوجي…الخ
فأي شعب لم يستبدل أسماءه القديمة بالجديدة لا مكان له في التاريخ الحديث اليوم ولا يقبله التاريخ.
لقد استبدل التاريخ الحديث المركزية السياسية باللامركزية. واللامركزية لها أسماؤها السياسية. قد تكون كونفدرالية أو فدرالية أو حكم ذاتي وأن توزيع السلطة السياسية للأقاليم يتطلبها التاريخ الحديث ولا مفر منه إن لم يكن اليوم فسيكون غداً. فالشعب الحي والذي يملك ديناميكية التطور يحول حياته السياسية من المركزية إلى اللامركزية كي يستطيع أن يسير مع التاريخ العالمي الحديث. ويحتل مكانه بين الأسياد.
أما الشعب الذي يبقى أسير المفاهيم السياسية القديمة فستكون حياته كلها أزمات ويكون مكانه إلى جانب العبيد.
إن وظيفة المركز تحول في التاريخ الحديث إلى حلقة اتصال بين الأقاليم ووضع الميزانية وتوزيع مال الثروة الوطنية على الأقاليم وفق متطلبات كل إقليم. إن وظيفة المركز المالي هو جباية الأموال من الأقاليم ومن ثم توزيعها ثانية على الأقاليم. أما وظيفتها الإدارية والدبلوماسية هو السياسة الخارجية. أما كيف يكون الجهاز السياسي والإداري في المركز فيكون تكوينه من جميع الأقاليم.
إن الذي يربط الأقاليم بعضها ببعض هو العلم الواحد والجيش الاتحادي المؤلف من جميع أبناء الأقاليم والعملة الواحدة. ليس هناك أي حاجز بين الأقاليم ويحق لكل مواطن من أي إقليم أن يتنقل إلى أي إقليم آخر ضمن النظام الاتحادي كما يحق للرأسمال أن يتنقل ( يبيع ويشتري ) ويقيم منشآته التجارية والصناعية.
إن كل إقليم يحكم نفسه بنفسه وبواسطة أبنائه وله ميزانية خاصة يحددها له المركز. إن أبناء الإقليم مسؤولين عن التطور والبناء والتعليم والأمن والخدمات والمواصلات. ومختصراً يحدد القانون وظيفة المركز ومهمة الإقليم ثم يسجل في مواد دستور دائم يأخذ موافقة جميع سكان الاتحاد الطوعي. وبعد أن ينال الدستور موافقة سكان الاتحاد الطوعي يصبح نافذ المفعول ويبقى المرجعية الوحيدة لكل سكان الاتحاد وتصدر كل القوانين لاحقاً من هذا الدستور.
2- من الناحية الاجتماعية: يولد الإنسان اجتماعياً، وخارج المجتمع لا يستطيع أن يعيش. إن مفهوم المجتمع مفهوم مرتبط بالتاريخ. ولما كانت حركة التاريخ بجانبيه الروحي والمادي غير ثابت فكل ظاهرة اجتماعية أيضاً تتعرض للتغيير وعدم الثبات. وهكذا فإن مفهوم الاجتماع مر بمراحل تاريخية عديدة. فكان في البداية الأب والزوجة ومن ثم الأولاد حيث شكلوا معاً الأسرة، والأسرة تتغير وتتطور إلى العشيرة والقبيلة والشعب والأمة.
والأمة في طريقها إلى التغيير والتطور.
إن التاريخ الحديث الآن وضع حداً فاصلاً بين مفهوم الأمة الاجتماعي للتاريخ القديم والتاريخ الجديد.
لقد كان مفهوم الأمة في التاريخ القديم مرتبط بالدين، فكان هناك أمة مسيحية وأمة إسلامية وأمة بوذية وأمة يهودية…الخ ثم تحول مفهوم الأمة الاجتماعي المرتبط بالدين إلى مفهوم الأمة المرتبط بالقومية فكان هناك الأمة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والعربية والتركية والفارسية والكردية والروسية والهندية …الخ
لقد كان القرن العشرين بأكمله صراعاً من أجل تكوين هذه الأمة القومية ونتيجة هذا الصراع أدى إلى نشوب حربين عالميتين راح ضحيتها مئات الملايين من البشر. واختتم هذا الصراع بثلاث كوارث زرعت في وجدان البشرية وهي: القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما والثانية على ناغازاكي والقنبلة الثالثة كانت كيماوية ألقت على مدينة حلبجة (في كردستان العراق).
إن التاريخ الحديث تاريخ العلم قد ألغت المفاهيم السابقة للأمة تماماً. لقد ألغت مفهوم الأمة الديني والقومي واستبدلته بمفهوم الأمة القاري.
وهكذا ظهر الاتحاد الأوروبي كأول أمة لنداء التاريخ وكانت قارة سباقة لتحقيق الاستحقاق التاريخي. إن أمة أوروبية ظهرت إلى الوجود وأصبح لها علم كرمز لهذه الأمة وعملة واحدة أسموها باليورو وها هي في طريقها إلى الكمال سياسياً واجتماعياً وثقافياً وحقوقياً بالرغم من كل المآسي والآلام والدمار الذي جروها على بعضهم البعض بحربين عالميتين. فها هم يتوجهون نحو تشكيل أمة أوروبية اتحادية. ونحن في طريق الحقيقة لا نملك إلا أن نقدم تهانينا وإعجابنا لكل العقول العاقلة لأبناء شعوب هذه القارة التي أصبحت سباقة في تقديم إبداعاتها الروحية والمادية للبشرية.
أما نحن في الشرق الأوسط فلا يزال 99.99% من عقلائنا ومفكرينا وسياسيينا ومعارضينا يتمسكون بمفهوم الأمة إما القومي وإما الديني.
فالتيار القومي العربي لا زال يتمسك بمفهوم الأمة العربية الواحدة الموحد.
والتيار القومي التركي لا زال يتمسك بمفهوم الأمة التركية الواحدة الموحد.
والتيار القومي الفارسي لا زال يتمسك بمفهوم الأمة الفارسية الواحدة الموحد.
أما التيار الديني فلا زال يتمسك بمفهوم الأمة الإسلامية الواحد الموحد سواء أكان عربياً أو تركياً أو فارسياً.
وهناك انقسام في التيار الديني بين الثلاثة العربي والفارسي والتركي ولا يتنازل الواحد للآخر مطلقاً. فالعربي يناضل في سبيل أمة إسلامية ولكن بشرط أن تكون بزعامة العربي. والتركي يطلب الزعامة لهذه الأمة، والفارسي أيضاً يطلب الزعامة لهذه الأمة.. وهكذا تسير الأمور في الشرق الأوسط وهكذا يريدون العقلاء والمفكرون والسياسيون. ولكن التاريخ الحديث يريدها أمة إقليمية. ذات نظام حقوقي مختلف عن النظام الحقوقي للمواطنة للتاريخ القديم
3- من الناحية الثقافية: إن التاريخ الحديث تاريخ العلم لم يترك من البناء القديم شيئاًَ إلا هدمه. وبظهور مفهوم الأمة الإقليمية والقارية يتطلب من الثقافة أن تتلاءم مع هذا الواقع الجديد. فإذا لم تتغير فإنها ستصبح حجر عثرة في سبيل تقدم الشعوب. إن الوضع الجديد يتطلب أن تتعايش شعوب الشرق الأوسط مع بعضهم البعض وفق نظام حقوقي يعطي لكل إنسان وشعب وقومية حقوق المواطنة على قدم المساواة وبدون هذا النظام الحقوقي لا يمكن أن يكون هناك تعايش، بل التناحر. ولذا فإن الاعتراف بوجود الآخر وكافة حقوقه الإنسانية بات أمراً من التاريخ لا يمكن رفضه… ففي الوقت الذي تخطو شعوب القارة الأوروبية خطوات سريعة نحو تحقيق هذا الاستحقاق التاريخي فنحن في الشرق الأوسط لا زلنا سائرين وراء تحقيق استراتيجيات قديمة ولا زلنا لا نعترف بالآخر ولا بالتعددية. ولا زلنا نعتقد بأن كل واحد منّا في الشرق الأوسط يملك الحقيقة الكاملة. وما على الآخرين إلا أن يقبلوا حقيقتنا.
فالعربي السني لا يعترف بالعربي الشيعي ولا باليزيدي ولا بالقبطي. والعربي الإسلامي الشيعي لا يعترف بالسني العربي. والعربي القومي لا يعترف بالكردي. والعربي الإسلامي الشيعي لا يعترف بالسني العربي.
ولا يتوقف الأمر عند حد عدم الاعتراف بالآخر بل يتعدى الأمر إلى حرمانه من كافة حقوقه الوطنية والإنسانية. فالعربي السني إذا كان بيده السلطة يعتبر كل الآخرين خونة وعملاء وكفار وخارجين عن الجماعة ولا يطيعون أمر الله…الخ ويبدأ مسلسل القتل والتهميش والإبعاد والسجن والتجويع …الخ إن مثل هذه الثقافة هي السائدة.
إن التاريخ الجديد يرفض هذه الثقافة جملةً وتفصيلاً ولا يمكن أن يقبلنا التاريخ الجديد بهذه الثقافة وإن الاستمرار بهذه الثقافة يعني السير بأقدامنا نحو الكارثة. وهكذا هو حال التركي والفارسي أيضاً.
4- من الناحية التكنيكية: لقد وضع التاريخ الحديث بين أيدينا تكنيكاً جديداً بمفاهيم وأسماء مغايرة للقديم تماماً. لقد حل محل المحراث الخشبي الذي يجره الحيوان الجرار الكهربائي فما علينا إلا أن ننسى المحراث الذي استعمله أجدادنا منذ آلاف السنين. لقد كان البغل والحصان والحمار والجمل وسائل نقل قديمة. لقد وضع التاريخ الجديد وسائل جديدة محل الحيوان فالسيارة والقطار في البر والباخرة في البحر والطائرة في الجو …الخ إن التاريخ الجديد يجبرنا أن ننسى البغل والحصان والحمار والجمل ونتعلم ونُعلم اسم السيارة والباخرة والطائرة. وهكذا نرى أيها القارئ الكريم أن التاريخ الحديث تاريخ العلم لم يبق من القديم حجرة فوق حجر. ولا خيار أمامنا سوى القبول لحكم التاريخ بأن نغير سياسيتنا ومجتمعنا وثقافتنا وتكنيكنا لكي يقبلنا التاريخ الجديد وإلا فأمامنا التخلف والانحطاط والحروب. فاختر ما يناسبك أخي الكريم في الشرق الأوسط. هذا هو التاريخ العالمي الجديد اليوم. ترى أين مكاننا نحن شعوب الشرق الأوسط في هذا التاريخ.
2- مكاننا نحن شعوب الشرق الأوسط في هذا التاريخ:
وهنا وبعد ما أوضحناه لحركة التاريخ نستطيع أن نحدد موقعنا الطبقي في هذا التاريخ. إن موقعنا نحن الشعوب في الشرق الأوسط هو من فئة العبيد. العبيد الذي بحاجة للأسياد بدءاً من إبرة الخياطة إلى الطائرة. وبدون هذه الآلات ستتجه حياتنا نحو الكارثة.
وإن الذين لا يصدقوننا ويصدقوا رؤيتنا الاستراتيجية لما ينتظرنا في الشرق الأوسط فإننا نورد لهم مثالاً واحداً لا أكثر:
إن العراق كان أغنى دولة في منطقة الشرق الأوسط بخيراتها الظاهرية والباطنية، ونتيجة لابتلائها بسياسيين أغبياء مغرورين تسلطوا على رقاب شعوبها واغتصبوا السلطة في ظروف دولية كانت قائمة على توازن دولي، وجروا العراق وشعوبها إلى حصار اقتصادي وتكنولوجي دام سنين عديدة وكانت نتيجتها موت مئات الألوف من البشر بالفقر والمرض.
وبالرغم من أن العراق يملك من احتياطي النفط، هذه المادة التي هي روح الآلة ومع ذلك تحول العراق إلى جهنم لا يطاق. ونتيجة لذلك انهار النظام السياسي خلال أيام معدودات. وأدخل العراق في فوضى أمنية كانت نتيجتها ذبح الناس لبعضها البعض كالنعاج ودمرت الجسور والعواميد الكهربائية ونهبت المتاحف وحتى المستشفيات وجميع دوائر الدولة. بالإضافة إلى المفارقة العجيبة التي ظهرت، هو إحراق وتدمير جوامع السنة وحسينيات الشيعة بالرغم من ادعاء الإثنين أنهم يدينون بالإسلام ويتخذون من القرآن كتاباً لهم ويعتبرون النبي محمد (ص) نبيهم. ترى لماذا حدث هذا؟ وما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الكارثة التي حلت في العراق؟.. وقريباً ستحل الكارثة بإيران وتركيا والدول العربية وستلقى نفس المصير ومن يعيش سيرى. إن دور السياسة في هذه الكارثة كبير وعليه وحده تقع المسؤولية لأن له كلمة الفصل. فإما أن تكون السياسة عاملاً هاماً وتقود عملية التغيير والانتقال من مرحلة التاريخ القديم إلى الحديث ومن الموقع الطبقي فئة العبيد إلى فئة الأسياد وإما أن يكون عاملاً معيقاً لعملية التغيير والانتقال وبقاء الوضع كما هو وتكون نتيجته الكارثة. فتعالوا معنا لنقرأ تاريخ السياسة في الشرق الأوسط وكيف مورست.
3- الدولة القسرية خلال القرن العشرين. ولماذا استمرت قرناً؟.
الدولة القسرية تقام رغماً عن إرادة شعبها أو شعوبها، بخلاف الدولة الطوعية والتي تقام وفق إرادة شعبها أو شعوبها.
هناك نوعان من الدولة القسرية:
1- دولة متجانسة قومياً وطائفياً ومذهبياً وعرقياً وثقافياً.
2- دولة غير متجانسة قومياً وطائفياً ومذهبياً وعرقياً وثقافياً.
ترى هل الدول التي قامت في الشرق الأوسط متجانسة أم غير متجانسة؟. ولنمضي في طريق الحقيقة علنا نكشف الحقيقة..
لقد ظهر انعطاف تاريخي حاد بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة لامتداد أمتين غربيتين هما انكلترا وفرنسا بحركة استعمارية نحو الشرق الأوسط. واستطاعتا أن ينهيا الدولة التي وضع أسس بناءها النبي محمد صلى الله عليه وسلم. في الجزيرة العربية منذ 1400 عام. والتي كانت الإمبراطورية العثمانية آخر بقاياها. وتم تحطيمها من قبل الإنكليز والفرنسيين وتوزيع ممتلكاتها فيما بينهما بموجب معاهدة سميت بـ (معاهدة سايكس بيكو) وإنشاء دول قسرية على أساس علماني بدلاً من الدولة الدينية.
سايكس بيكو والجريمة الكبرى بحق الشرق الأوسط:
لقد ظهرت الدول القسرية التالية في الشرق الأوسط:
1- دولة إيران القسرية .
2- دولة تركيا القسرية.
3- دولة العراق القسرية والدول العربية الأخرى وقد بلغت بمجموعها 22 دولة.
كل هذه الدول كانت من إنتاج عائلة سايكس بيكو.
الدولة القسرية نتائجها اليوم والأزمات التي خلفتها والتي تتعرض لها.
إن جميع هذه الدول السابقة الذكر كانت دول قسرية.. أي لم تقم وفق إرادة مكوناتها البشرية. وإن جميع هذه الدول غير متجانسة قومياً وطائفياً ومذهبياً وثقافياً. ولهذا استمرت ودامت اعتماداً على العنف ضد مكوناته البشرية.
1- دولة إيران القسرية:
تتألف دولة إيران القسرية بشرياً من القوميات التالية: القومية الفارسية و القومية الكردية و القومية العربية و القومية البلوشية و القومية الأزرية. وطائفياً: تتألف من الإسلام واليزيدية والصابئة وربما هناك أديان أخرى.. ومذهبياً: المذهب الشيعي والمذهب السني المتفرعان من الدين الإسلامي. وسياسياً: لقد تم تشكيل دولة إيران القسرية الحالية بحدودها الجغرافية وتم الحفاظ عليها من قبل الغرب ومنعها من ابتلاع الكتلة السوفيتية لها كما حدث لدول أوروبا الشرقية. لقد أعطيت السيادة للقومية الفارسية على كل هذه الجغرافية.
لقد قامت في إيران دولتان وبمساعدة السوفييت وهما: دولة كردية ودولة أزرية دامتا سنة تقريباً. وقد تم تدميرهما من قبل الإنكليز والأمريكان بعد أن دخلت على خط الشرق الأوسط بعد ظهور الكتلة السوفيتية واستلمت زعامة العالم الغربي (العالم الحر). لقد تبنت القومية الفارسية أيديولوجية التعصب القومي وأرادت أن تخلق دولة متجانسة بالعنف. ومن أجل ذلك تبنت سياسة الإنكار لوجود أية قومية أخرى. ومن أجل ذلك مارست أقصى درجات العنف والبطش والتدمير والقتل الجماعي وانتهاك حقوق الإنسان بحق القوميات المخالفة للقومية الفارسية. ولا يعلم إلا الله كم من البشر قتلوا وعذبوا وانتهكت كرامتهم الإنسانية في غياهب السجون على يد جهاز مخابراتي سمي بـ (السافاك). لقد كانت طهران العاصمة المركزية ولا زالت لهذه القوميات وظهرت فيها طبقة برجوازية رأسمالية بنت فيها قصورها وأقامت منشآتها الصناعية على حساب مص دماء تلك القوميات والأقاليم. أما بقية أبناء تلك القوميات فكانوا عبيداً ومواطنون من الدرجة العاشرة. لا حقوق مواطنة لهم سوى خدمة الاستقراطية الفارسية. وعمال تنظيف الشوارع والفنادق والمطاعم وورش البناء ومساحي الأحذية. فكانت دولة قسرية قامت على القسر بشرياً وجغرافياً ومذهبياً وثقافياً. وأرادت القومية الفارسية أن تجعل دولتها الفارسية متجانسة مائة بالمائة. ترى وبعد مائة عام هل استطاعت القومية الفارسية أن تحقق هذه الدولة القسرية المتجانسة الخيالية؟. وهذا السؤال الآخر نطرحه على إنكلترا وفرنسا وأمريكا ونقول: أيها السادة هل سألتم لدى إقامتكم هذه الدولة القسرية رأي الشعب الكردي والعربي والأزري والبلوشي في ضمهم إلى هذه الدولة؟ لقد كان مصير العالم أيها السادة بين أيديكم. وكان بإمكانكم أن تقيموا أية دولة في أية بقعة في العالم ولا أحد يستطيع أن يمنعكم. فلماذا هذا الضم القسري لكل هذه القوميات والمذاهب والطوائف في بناء هذه الدولة؟ وبدون ضمانات حقوقية إنسانية؟ ولماذا تألمتم عندما جاءكم أبناء الشرق الأوسط في 11 أيلول حيث قتلوا عدة آلاف روح بشرية بريئة خلال دقائق في أمريكا؟ لقد أقمتم الدنيا ولم تقعدوها بعد. وأطلقتم الصفات الوحشية والبربرية على هذا العمل. أليس من حق أبناء شعوب الشرق الأوسط الأحياء أن يقولوا لكم أليس من الجريمة والإجحاف بحق هذه القوميات والأقليات والشعوب التي ضُمِمَت قسراً إلى هذه الدول بدون ضمانات دولية حقوقية تحفظ كرامتهم وكيانهم الحقوقي وثقافتهم. إن شعوباً وأقليات تعدادها بالملايين تعرضوا للذبح والقتل والتهجير والصهر طوال قرن كامل وكان سبب هذا الوضع في عدم قيام أي دولة ديمقراطية في الشرق الأوسط. لقد حكمتم الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى وكانت أسوأ حكم وها هي هذه الشعوب والأقليات وهم يعانون اليوم من سفك دماء الأبرياء سواء أكان في العراق أو لبنان أو في فلسطين أو الجزائر أو السودان وفي إيران وتركيا.
وسؤالنا الأخير لكم ألم يحن الوقت بعد لتصححوا وتزيلوا آثار الجريمة التي ارتكبتموها بحق شعوب الشرق الأوسط كي يسود الأمن والسلام والمحبة بدلاً من التناحر وتصدير الإرهاب إلى العالم وتكونون أنتم ونحن ضحايا هذا الإرهاب؟
2- دولة تركيا القسرية:
قومياً: القومية التركية والكردية والعربية والأرمنية والكلدوآشورية.
لقد ضُمت هذه القوميات قسراً رغماً عن إرادتها وتم إبادة القومية الأرمنية بمذابح جماعية وهرب الكلدوآشوريين كونهم مسيحيون إلى أوروبا خوفاً من بطش الإسلاميين لهم. وبقيت القوميات الثلاث التركية والكردية والعربية وقد استلمت السيادة في هذه الدولة القسرية للقومية التركية. أما أيديولوجيتها فتكون ثقافتها بأكملها بعيدة عن حقوق الإنسانية، يربى فيها جيلاً بعد جيل من أجل خلق أمة تركية متجانسة وهذا يعني إنكار وجود أية قومية أخرى على أراضي تركيا. وسميت بالجمهورية التركية. وقد اتخذ الساسة الأتراك شعار (سعيد من يقول أنا تركي) فلكي يعيش أي إنسان على أرض تركيا ويكون سعيداً عليه أن يتخلى عن قوميته ويصبح تركياً. وأن يتكلم اللغة التركية وأن يلبس اللباس التركي والطربوش التركي وينام ويصحو تركياً.
فهل يمكن لمثل هذه الدولة أن يقام فيها أي نوع من الأمن والسلام؟ ويسود بين سكانها المحبة والتعاون والإخلاص؟ وهل يمكن أن يكون هناك أية وحدة وطنية؟ وهل يمكن أن تكون هناك حكومة ديمقراطية؟
مذهبياً: المذهب السني والمذهب الشيعي (العلوي). وكلا المذهبين يدعي أنه يملك حقيقة الإسلام. وكلا المذهبين يتخذون من القرآن وثقافته الروحية فلسفة له. ومادام الأمر هكذا، فمن أين حصل الإختلاف؟
المذهب السني يعتبر أن كل أقوال النبي (ص) وحركاته وأعماله هي الأصل ويتخذونه سنة لهم. والمذهب الشيعي (العلوي) يعتبرون أن أقوال الإمام علي بن أبي طالب وحركاته وأعماله هي التي تمثل حقيقة الإسلام وعليهم تقع مسؤولية متابعة رسالة الإسلام إلى العالم. إن تمسك كل مذهب برأيه واعتباره الحقيقة المطلقة تحول المذهبين إلى متناحرين. ولما كان المذهب السني سائداً سياسياً طوال العهد الأموي والعباسي والعثماني فقد تعرض المذهب الشيعي طوال كل هذه المرحلة التاريخية إلى مذابح رهيبة وهمش المذهب الشيعي وأبعد عن القرار السياسي وحرموا من أية حقوق إنسانية وحتى من ممارسة طقوسهم العبادية. لقد استغل النظام القومي الشوفيني في عهد الجمهورية التركية هذا الإنقسام المذهبي فكان يخلق فتن رهيبة بين السنة والعلويين ومذبحة مرعش كانت إحدى هذه المذابح الرهيبة والتي راح ضحيتها الآلاف من البشر. وعندما استلم الخميني السلطة السياسية في دولة إيران القسرية وتبنى المذهب الشيعي في هذه الدولة كأيديولوجية لها تم تخصيص مليارات من المال لمد المذهب الشيعي في الشرق الأوسط. وظهر اسم حزب الله في تركيا والأماكن الأخرى ليدخل اللعبة السياسية كمنافس للمذهب السني التي تدعمه السعودية. وكانت الحرب العراقية الإيرانية إحدى نتائجها. وهكذا أضيف إلى مشاكل تركيا مشكلة مذهبية إلى جانب المشاكل القومية. مما ترك آثارها البعيدة على الوحدة الوطنية ولا زال الحبل على الجرار. إن هذا الإنقسام القومي والمذهبي سيكون سبباً في أن يكون الباب مفتوحاً أمام السياسات الخارجية لإستخدامها كسلاح فتاك لإخضاع هذه الدولة القسرية للحصول منها على ما يريدون، ولا تستطيع هذه الدولة أن ترفضها حتى ولو كانت ضد مصلحة شعوبها وعلى حساب أمنها وتطورها وعلاقاتها مع جيرانها. وهذا ما حصل طوال القرن العشرين بأكمله. لقد كانت تركيا دائماً أسيرة السياسات الإستراتيجية للقوة الخارجية.
إن إنشاء هذه الدولة القسرية التركية وبغية المحافظة عليها واستمرارها كان الأمر يتطلب بناء جيش عرمرم وإنشاء أجهزة مخابراتية يصرف عليها ثلاثة أرباع الدخل القومي. إن هذا الجيش فبدلاً من أن تكون مهمته الحفاظ على هذه الدولة ضد الإعتداءات الخارجية انقلب إلى البطش والقتل والتدمير في الشعوب التركية والصراع على السلطة، فلا غرابة كنّا نسمع بين عامي 1950-1980م بإنقلابات عسكرية تكاد تكون كل عشر سنوات تقريباً. لقد كان عمر الدولة التركية القسرية كله حروب أهلية واغتيالات سياسية وسجون وانقلابات عسكرية. وها هي اليوم تجابه القرن الحادي والعشرين تاريخ العصر الحديث ولا تستطيع أن تتلاءم مع هذا التاريخ ولا هذا التاريخ يقبلها. فلا هي تستطيع أن ترجع إلى الوراء ولا هي تستطيع أن تتقدم إلى الأمام. لقد انفجرت كافة التناقضات داخل هذه الدولة دفعة واحدة. تتغير حكومة وتأتي أخرى وتذوب وتبقى التناقضات والمشاكل والقضايا كما هي. إن الكلمة العليا في هذه الدولة للعسكر والجناح المدني ليس إلا أحجار شطرنج بيد العسكر.
الجناح المدني في تركيا يريد أن يسير مع التاريخ العالمي، وهذا التاريخ الإنساني له استحقاقه، وهو يريد أن يعطي هذا الحق، ولكن العسكر لا يريدون. إن الجناح المدني بات يدرك أن مستقبلاً غامضاً يواجه تركيا وبدأ حلفاء الأمس ينصرفون عنه ويتركونه لمصير مجهول. إن الشعوب التركية تريد الحياة الإنسانية الكريمة، والتعايش السلمي مع بعضهم البعض، وإن هذه الحياة الإنسانية الكريمة والتعايش السلمي الأخوي هو مضرة بمصلحة العسكر الذي يمثل تيار الشوفينية القومية. ويريد العسكر أن يحتفظوا بيناشينهم وأموالهم التي مصوها من دماء شعوب هذه الدولة القسرية، وما الأزمة التي خلقها العسكر مؤخراً بتحشده مائة ألف جندي على حدود إقليم كردستان العراق بغية القضاء على هذا الإقليم ليس سوى الهروب من الواقع الذي تعيش فيه هذه الدولة القسرية.
إن مستقبل شعوب الشرق الأوسط تتوقف على تحقيق الاستحقاق التاريخي الذي يتطلب التوجه نحو تكتل اقتصادي إقليمي كي تستطيع دول وشعوب المنطقة من أن تقف على رجليها وأن تكون لها مكانة مرموقة في هذا العالم الجديد تماماً كما يحدث الآن في أوروبا. إن تحقيق ذلك غير ممكن بدون تحقيق ثقافة ديمقراطية وحقوق إنسانية ديمقراطية ونظم سياسية ديمقراطية.
3- دولة العراق القسرية:
قومياً: القومية العربية والقومية الكردية والقومية التركمانية والقومية الكلدوآشورية.
وطائفياً: الدين الإسلامي، المسيحي، اليهودي، اليزيدي، الصابئة.
مذهبياً: المذهب السني والمذهب الشيعي.
سياسياً: لقد تزعمت القومية العربية بمذهبها السني سياسياً دولة العراق القسرية طوال القرن العشرين، لقد كانت معظم الوظائف العليا والمهمة من أتباع المذهب السني. ونتيجة لذلك تعرض أتباع المذهب الشيعي لأبشع أنواع الذل والقهر والحرمان من الحقوق السياسية وحقوق المواطنة. وجرى مذابح جماعية لأبناء هذا المذهب وكلهم عرب. والقسم منهم أكراد فيليين حيث دفنوا في مقابر جماعية، بالإضافة شمل البطش الطائفة اليزيدية واليهودية والصابئة والمسيحيون أيضاً. بالإضافة إلى الإبادة المذهبية والطائفية فقد تبنى أيديولوجية قومية شوفينية كان نتيجتها البطش بكل القوميات الموجودة في هذه الدولة القسرية من أجل خلق أمة متجانسة، ولم تكتفِ الشوفينية القومية المذهبية بالداخل، بل تعداه إلى الخارج فأعلنت حرباً نيابة عن أمريكا والسعودية ودول الخليج على إيران الشيعية استمرت تسع سنوات، حرقت الأخضر واليابس من كلا الطرفين، كما ارتكبت هذه القومية الشوفينية المذهبية حماقة أخرى خارجياً بغزو دولة الكويت المعترف بها دولياً ولها تحالفات خارجية قوية في وقت وزمان غير مناسبين بعد انهيار التوازن الدولي السابق. وفي الوقت الذي لم يكن يملك أي وحدة وطنية وجميع المكونات قد تعرضت للذبح، لقد كانت القيادة السياسية تبني رؤيتها التكتيكية والإستراتيجية على التقارير المزيفة التي كانت المخابرات تقدمها له والتي كانت تقول له أن كل الشعب وراءك ومستعد للتضحية والقتال حتى الموت (بالروح بالدم نفديك يا صدام). وعندما حان وقت الإمتحان تبين أن كل ما كان يقال له كان خداعاً وتضليلاً ولكن بعد فوات الأوان وهكذا دائماً يكون مصير جميع الحكام الذين يبتعدون عن الشعب وتضيع عليه الحقيقة. وهكذا كانت نهاية البطل الملهم وقائد الضرورة والأب المفدى مأساوية عليه وعلى شعبه ووطنه.
ونلاحظ هنا ومن خلال قراءتنا للتاريخ أن جميع الدول التي قامت على الضم القسري بين مكونات شعبه سواء أكانت قومية أو طائفية أو مذهبية ومع غياب النظم السياسية الديمقراطية وحقوق المواطن الإنساني تتعرض تلك الدول لحروب أهلية وتدخلات خارجية ولا تستطيع أن تصمد. وهناك أمثلة كثيرة نستطيع أن نقدمها من التاريخ. لقد انهار الاتحاد السوفيتي بالكامل، وكان سببها الضم القسري لجميع الشعوب في هذه الإمبراطورية وها هي إيران وتركيا والسودان وبين الهند وباكستان كلها حروب مشتعلة فيها حروب أهلية وغداً الصين.
ويكاد لا تخلو أي دولة في العالم ضمت شعوباً قسراً إلى الدولة من حروب أهلية وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية.ولا بد من السؤال بعد كل الذي قدمناه عن الدولة القسرية، ترى لماذا لا ندرك أن الدول التي ضمت شعوبها قسراً لا مستقبل لها وأن النتيجة الحتمية لهذا الضم القسري هو الإنهيار؟ وإن طريق الخلاص هو: الانتقال من الدولة القسرية إلى الدولة الطوعية وحقوق المواطنة بدون انفصال. أخي العربي والفارسي والتركي والكردي وكل فرد في أقلية قومية في الشرق الأوسط، هناك الكثيرين من المفكرين والعقلاء ذوي الضمائر الحية والمحبين لأوطانهم وقومياتهم في الشرق الأوسط الذين نشاهدهم على شاشات التلفزة من العرب والأتراك والفرس والجميع يسألون سؤالاً واحداً: لماذا نحن متخلفون؟
ولنرى كيف تنظر النخب السياسية العربية والتركية والفارسية لهذا التخلف ويطرحون حلولهم..
النخب السياسية تنقسم إلى قسمين: نخب قومية شوفينية. ونخب ذات اتجاه ديني.
فالنخب القومية العربية يرون أن سبب هذا التخلف هو التجزئة للأمة العربية، ولهذا وضعوا في مقدمة أهدافهم الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج. وعلى أساس علماني وسيادة العنصر العربي. وذلك هو طريق الخلاص.
أما النخب السياسية ذات الإتجاه الديني يرون الحل في التجزئة للأمة الإسلامية ولهذا وضعوا في مقدمة أهدافهم وحدة الأمة الإسلامية وعلى أساس وحدة العقيدة والتشريع السماوي وذلك هو طريق الخلاص.
أما النخب السياسية التركية القومية يرون أن سبب هذا التخلف هو تجزئة الأمة التركية ولهذا وضعوا في مقدمة أهدافهم وحدة الأمة التركية من تركيا وحتى شرق آسيا. أم النخب السياسية ذات الاتجاه الديني فهم يرون أن سبب هذا التخلف هو تجزئة الأمة الإسلامية ولذلك هم أيضاً يضعون في مقدمة أهدافهم وحدة الأمة الإسلامية ويرونه طريق الحل.
أما النخب السياسية الفارسية القومية فيرون أن سبب هذا التخلف تكمن في وجود فراغ في الزعامة للشرق الأوسط. فهم يضعون في مقدمة أهدافهم عاملين: 1- الاحتفاظ بالدولة الإيرانية القسرية بشرياً وجغرافياً وتقوية هذه الدولة عسكرياً كي تكون مؤهلة لدور الزعامة للشرق الأوسط، أما التيار الديني الذي استلم السلطة فهم يرون أن سبب هذا التخلف هو تجزئة الأمة الإسلامية ولذلك وضعوا وحدة الأمة الإسلامية كهدف أساسي لهم. وهذا التيار مشترك في فكرة الزعامة وتقوية الدولة الإيرانية عسكرياً لتكون مؤهلة لهذا الدور.
ولا بد هنا أن نوضح الأمر الهام المشترك بين التيارات الدينية الثلاث العربية والتركية والفارسية.. إنهم الثلاثة يرون أن سبب التخلف في تجزئة الأمة الإسلامية وفي توحيدها طريق الحل وتطبيق الشريعة السماوية وإعطاء حقوق المواطنة على أساس هذا التشريع. ولكنهم الثلاثة مختلفون في الزعامة ولقيادة هذه الأمة الإسلامية الموحدة. فالعربي يرى نفسه له الأفضلية في زعامة هذه الأمة الإسلامية وذلك كون النبي محمد (ص) عربياً. والقرآن نزل باللغة العربية. وجميع الطقوس الدينية يجب أن تكون باللغة العربية، وباعتقادهم أنها لغة أهل الجنة ولذلك يرى التيار الديني العربي أنه تقع على عاتقه رسالة سماوية مقدسة وهي تعليم جميع الأمة الإسلامية في هذه الدنيا للغة العربية كي يكونوا ملمين بلغة أهل الجنة. وإلا كيف سيكون حالهم في حال عدم معرفتهم اللغة العربية؟
والتركي المتدين يرى نفسه هو المؤهل لزعامة هذه الأمة الإسلامية ولديه تاريخ أربعة قرون في خدمة هذه الأمة. أما التيار الديني الفارسي فهو أيضاً لا يتنازل عن زعامة قومية لهذه الأمة الإسلامية.
ولكن المشكلة التي ظهرت هو الاختلاف المذهبي لزعامة هذه الأمة الإسلامية. فالتيار الديني العربي والتركي مشتركان في المذهب السني أما التيار الفارسي يختلف مذهبياً مع التيارين العربي والتركي. فالتيار الديني العربي والتركي يريدان أمة إسلامية واحدة على أن يكون مذهب هذه الأمة السنة. وبالتالي تكون حقوق المواطنة في هذه الدولة الإسلامية على أساس المذهب السني. أما التيار الديني الفارسي يريد أمة إسلامية واحدة على أن يكون مذهب هذه الأمة الشيعة. وبالتالي تكون حقوق المواطنة في هذه الدولة الإسلامية الموحدة على أساس المذهب الشيعي. ولنترك هذه التيارات القومية والدينية مشغولة في تحقيق أهدافها في تحقيق إما الأمة العربية أو التركية أو الفارسية أو تحقيق وحدة الأمة الإسلامية أي ضم جميع القوميات والشعوب الإسلامية في العالم كي يخلصونا من هذا التخلف. فلنترك لهم الحرية فيما هم يحلمون لأن الحلم هو ضمن الحق الإنساني ولا يجوز لأحد أن يمنعه من هذا الحق.
4- رأي طريق الحقيقة في الخلاص:
إن جوابنا للسؤال، لماذا نحن متخلفون وطريق الخلاص.. نقول: إن أسباب تخلفنا في الشرق الأوسط تكمن في الدولة القسرية التي أقامتها عائلة سايكس بيكو وحقوق المواطنة التي نفذتها هذه الدول إما على أساس قومي أو طائفي أو مذهبي.
وطريق الخلاص لا يكمن في هدم هذه الدول، بل في تحويلها من دول قسرية إلى دول طوعية وتطبيق حقوق المواطنة على أساس فلسفة حقوق الإنسان. ولكن كيف؟ وما الداعي لتحويل هذه الدول القسرية إلى دول طوعية؟ هذا ما نريد أن نبين رأينا ونطرح حلنا ونترك الخيار والاختيار لهم.
لقد جرى تطور هائل للتاريخ بجانيه المادي فلا بد من تطور الجانب الروحي لهذا التاريخ. إن ثورة معلوماتية جبارة قد حدثت وظهر معها تكنيك متطور جداًَ. حولت الكرة الأرضية إلى قرية صغيرة لم يعد للحدود السياسية والجغرافية والثقافية والعقائدية وحتى المذاهب أية قيمة. إن هذا التطور التاريخي للجانب المادي والثورة المعلوماتية وتكنيكها قد خلقت أمة جديدة، وهذه الأمة الإنسانية للكرة الأرضية بأكملها.
إن هذه الأمة الإنسانية ستقضي على الأمة القومية والطائفية والمذهبية ولم يعد لهذه المفاهيم القديمة للأمة أية قيمة سواء احتفظ أصحابها بها أم لم يحتفظوا. فهذه الأمة الجديدة الإنسانية لها نظامها الحقوقي في حق المواطنة ولا يمكن لهذه الأمة أن تقبل النظام الحقوقي للأمم القديمة. إن أي دولة وأية حكومة ذات سلطة سياسية قسرية لا يمكن أن تتلاءم مع هذا النظام الحقوقي لحق المواطنة للأمة الجديدة. إن النظام السياسي الوحيد الذي يتلاءم مع هذه الأمة هو النظام السياسي الديمقراطي. وهو النظام السياسي الوحيد الذي يستطيع أن يطبق النظام الحقوقي لحق المواطنة الإنسانية.
ولما كانت جميع الدول التي أقامت في الشرق الأوسط بزعامة القوميات الثلاثة هي دول قسرية وبعيدة عن الديمقراطية فلا تستطيع بشكلها الحالي أن تطبق النظام الحقوقي لحق المواطنة الإنساني. إن هذه الدول تعطي حق المواطنة إما على أساس قومي أو طائفي أو مذهبي أما القوميات الأخرى والطوائف والمذاهب المضطهدة فهي في خيال القومية السائدة غير موجودة وليس لهم سوى حق العبيد. ومنذ قرن من الزمان ولا زالت تشن عليهم حملات إبادة جماعية وتدمير ممتلكاتهم ويجبرون على الرحيل. وبعد كل هذه المعاناة الإنسانية لفئة العبيد نرى الأبواق الدعائية لهذه النظم السياسية في هذه الدول يتباكون على وحدة الوطن ووحدة الأمة ويفزعون الناس من خطر الانفصال. إن كلمة انفصال كلمة خيالية. وإن الانفصال ليس بمصلحة أحد بل كل البشرية تتجه نحو الاتحاد وليس الإنفصال. إن كلمة الانفصال التي اتخذوها كفزاعة فلاح، كلمة حق يراد بها باطل. إن الأمم الحية والتي تملك ديناميكية التطور أدركت هذا التاريخ الجديد، وبدأت تتخذ خطوات هامة لتأخذ مكانها في هذه الأمة الإنسانية الجديدة. ترى لماذا يتخلى الألماني والفرنسي والإنكليزي والإيطالي والسويدي…الخ هذه الشعوب الأوروبية عن دولهم المستقلة وجغرافيتها وثقافتها وعملتها ويزيلون كل الحدود السياسية بينهم ويخلطون اقتصادهم ويحرقون أعلامهم التي هي رمز تاريخهم ويتخذون من العلم الأوروبي رمزاً ويتخذون من اليورو عملة لاقتصادهم بالرغم من كل المآسي التي جروها على بعضهم البعض خلال حربين عالميتين. هل هم مجانين فقدوا عقولهم ونسوا كل ماضيهم وثوابتهم؟! أما نحن المجانين وفقدنا عقولنا ولا زلنا نتمسك بدولنا وماضينا وثوابتنا وطوائفنا ومذاهبنا …الخ؟ ترى من منا المجنون ومن منا العاقل؟ سؤال نوجهه لقرائنا الكرام ونترك الجواب لهم.
كيف ننتقل من الدولة القسرية إلى الدولة الطوعية وحقوق المواطنة بدون انفصال :
لماذا حب الوطن؟
لا يمكن أن يكون هناك حب وعاطفة ومشاعر تعلو على حب الوطن. وقد قيل (( حب الوطن من الإيمان )) وقالوا أيضاً (( لولا حب الديار لخربت الأوطان)) ولولا هذا الحب للوطن لما ضحى الإنسان بحياته في سبيل تحريره عندما ابتلى ثلاثة أرباع الكرة الأرضية بالاستعمار من قبل أمم امتلكت التكنولوجيا الحديثة بصورة مبكرة. وأنتجت منتجات فائضة فراحت تبحث عن أراض أخرى غير وطنها لتصريف بضاعتها الفائضة وتحصل منها على المواد الأولية لآلتها الحديثة.
كل إنسان يتنسب إلى شعب ما وهذا الشعب كون نفسه فوق أرض سموه الوطن فأبدع أجداده لغة مشتركة وعادات وتقاليد وثقافة معينة وصنع له حضارة بما أبدعته عقول هذا الشعب. ولهذا نرى أن حب الوطن له جذور تاريخية قديمة قدم التاريخ. إن أي شعب في الدنيا وأية لغة لا يمكن أن تتكون خلال بضع سنوات وحتى خلال قرون. ولهذا فإن أي إنسان عندما يضعف معه شعوره الوطني يعني ذلك أن حياته في وطنه باتت جحيماً لا يطاق.
إن حب الوطن هو أغلى حب يشعر به الإنسان حتى أغلى من كل ما يملك في هذه الدنيا، من آباء وأولاد. ولهذا نرى أن الكثيرين من الزعماء والسياسيون الذين يقودون شعوبهم نحو التحرير وإذا وقعوا أسرى بيد الأعداء يتقدمون إلى حبل المشنقة وهم رافعي الرأس وإن آخر كلمة ينطقون بها هو (عاش الوطن). والكثيرين من الزعماء السياسيين يقضون جل حياتهم في سجون أعدائهم وهم مرتاحين والابتسامة لا تفارقهم. فلو لا حب الوطن لما كانت مثل هذه المعنوية. إن أصعب فراق يمكن للمرء أن يشعر بثقله هو فراق الوطن. هناك ثلاث أنواع من الجرائم ترتكب بحق حب الوطن:
1- الاستعمار.
2- الهجرة من الوطن سواء بسبب اضطهاد سياسي أو اقتصادي.
3- انتهاك حرية المواطن في وطنه.
حب الوطن في ظل الدولة القسرية في الشرق الأوسط:
لقد قلنا أن ثلاث جرائم ترتكب بحق حب الوطن. وهناك نوعان من الاستعمار: الاستعمار الخارجي والاستعمار الداخلي.
أ‌- الاستعمار الخارجي: لقد كان آباؤنا يحملون كافة مشاكلهم وأزماتهم وتخلفهم على الاستعمار. تلك القوة الأجنبية التي أتت واحتلت أرض الوطن، وبدأت تسلب مالهم وخيراتهم ووطنهم، بالإضافة إلى سلب إرادتهم الحرة في ممارسة حياتهم في وطنهم. ويأخذون شبابهم كعسكر للمشاركة في حروبهم الاستعمارية. ولهذا رأى آباؤنا أن لا حياة ما دام الاستعمار فوق أرض وطنهم. فكان نضالهم ضد الاستعمار وطالبوا برحيل الاستعمار الخارجي عن أوطانهم وقدموا تضحيات جسيمة في سبيل تحرير أوطانهم فكان لهم ما أرادوا وكل حلمهم في حياة كريمة ورفاه اقتصادي ومحبة الوطن.
ب‌- الاستعمار الداخلي: ترى هل تحققت أحلامهم؟ إن مصيبة كبيرة قد حلت بهم. وما أن غادرهم الاستعمار الخارجي وتشكلت دول في الشرق الأوسط حتى بدأت مأساة شعوبها مرة أخرى وبصورة أشد ما كان أيام الاستعمار الخارجي. وبدأ عهد الاستعمار الداخلي، وإن أول ما بدأه الاستعمار الداخلي هو الصراع على كرسي الحكم وتحول هذا الصراع إلى موضة شملت كل الشرق الأوسط وبدأ مسلسل الانقلابات العسكرية. لم تسلم أية دولة في الشرق الأوسط التي خلفها لنا الاستعمار الخارجي.
يأتي انقلابينون يستولون على الحكم، ثم يأتي آخرون يأخذون منهم الحكم والكل كانوا يصدرون بيانهم الأول (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) ثم يبدأ بإعلان الثورة من الإذاعة تحت رقم واحد واثنان وثلاثة و… والكل يدعي بأنهم سيحققون أحلام شعوبهم في الحرية والتقدم وزيادة حبهم لوطنهم وتحرير فلسطين. لقد تحولت قضية فلسطين ووحدة الأمة العربية كقميص عثمان في يدهم طوال القرن العشرين. وكانت النتيجة لهذا الصراع هو تبخر أحلام الأجداد والآباء والأبناء. فلا تقدم قد حصل، ولا رفاهية قد حصلت، ولا ازداد حب الوطن، وبدأ الناس في عهد الاستعمار الداخلي يترحمون على الاستعمار القديم ويتمنون أن يعود إليهم. لقد كان الاستعمار القديم كل همه أخذ الثروات الوطنية تاركاً للمواطن المستعمر كامل حريته في أن يتكلم باللغة التي يريدها ويغني الأغنية التي يحبها ويمارس الطقوس التي يريدها وينتقل إلى أي مكان يريده. ولكن الاستعمار الداخلي الذي هو من أبناء جلدته ووطنه، لم يترك حرية ولا حركة في حياة المواطن إلا وقيدها. لقد كان الاستعمار القديم له قوة تنفيذية واحدة وهو الجيش وكان جيشاً معروفاً ومكشوفاًَ بلباسه العسكري. وكان المواطنون يرون وجوههم عندما تحدث اضطرابات في منطقة ما. ولكن الاستعمار الداخلي زاد عدد وأنواع القوة التنفيذية حتى بلغ تسمياتها العشرات قوة تنفيذية مكشوفة وقوة تنفيذية سرية. ولم يترك أي متر من أرض الوطن إلا بوجود واحد من هذه القوة التنفيذية، وأصبح لكل مواطن مراقب في كل حركاته أين يذهب ومع من يتكلم وماذا يتكلم ومن يأتي إلى بيته وإلى أين يذهب ومتى يأكل ومتى ينام ومتى يحلق ذقنه وكم ولد عنده وما فصيلة دمه وأي نوع من الدخان يشرب وهل هو علماني أم روحاني وإلى أي حزب ينتسب وبماذا يحلم وكم عنده من المال وهل له زوجة جميلة أم قبيحة. لقد بدا الاستعمار الداخلي بنهب المال العام أولاً ثم الحفاظ على الكرسي ثانياً ومن أجل هذا قيد جميع حركات المواطن وحريته في وطنه. ولم يكتف بهذا بل حول الوطن بأكمله وأبنائه إلى مخبرين وجواسيس على بعضهم البعض، وبذلك حول الشعب بأكمله إلى شعب منافق لا أحد يثق بالآخر وكل واحد يعتبر الآخر ليس إلا مخبراً وجاسوساً جاء ليأخذ منه أسراره ويعد بها تقريره ويرسلها للجهات المرتبط معها أمنياً. إن هذا الوضع المأساوي الذي عاشه المواطن طوال القرن العشرين بعد أن رحل الاستعمار الخارجي وجاء الاستعمار الداخلي ليستلم الدولة القسرية التي خلفها الاستعمار الخارجي (القديم).
لقد تسبب هذا الاستعمار الداخلي في كره المواطنين لوطنهم. لقد تحولت حياة أي مواطن في وطنه إلى أزمات، فلا هو مرتاح في بيته مع زوجته وأولاده ومع جيرانه ومع زملائه في العمل ولا مع شعبه بالكامل. إن المال قد فقد وأزمة الفقر حولت تسعون بالمائة من أبناء هذه الأوطان يعيشون تحت خط الفقر. لقد فقدت فرص العمل كي يكسب المواطن بصورة مشروعة والقرش الحلال. ولم يبق أمام المواطن سوى العمل الغير مشروع لكسب المال الحرام… ولهذا تحولت السياسة إلى استرزاق وأفسدت كل الأجهزة التنفيذية وانفتح الباب على مصراعيه أمام العمل للقيام بتهريب الممنوعات وقد ظهرت في الحياة الاجتماعية برجوازية غريبة. فلو خطر على بال أي إنسان وسأل كيف أصبح ذلك الإنسان وبهذه السرعة برجوازياً يملك قصور ومزارع ومشاريع ولو دققت في مصدر ثروته لتبين الآتي: إما مصدر ثروته السياسة، وإما تهريب المخدرات أو الدخان، وإما مصدر ثروته سرقة المال العام عن طريق استغلال مركزه لعقد صفقات غير مشروعة. وهكذا الحال لحياة المواطن في الدولة القسرية. فهل يمكن لمثل هذا الحال أن يبقى مع المواطن ذرة من حب الوطن؟ وإن هذا الحال الذي عاشه في ظل هذه الدولة القسرية لم يكن أمام مواطني هذه الدول في الشرق الأوسط إلا باب الهجرة والهرب نحو الدول ذات النظم الديمقراطية ودولة القانون. ولم يجدوا أمامهم سوى أوروبا حيث هاجر الملايين من أبناء الشرق الأوسط سواء أكان عربياً أو تركياً أو فارسياً أو كردياً هرباً من الفقر والاستبداد تاركين أغلى ما يملكه الإنسان من عاطفة في قرارة نفسه، هو حب الوطن. لقد حدث هذا الوضع المأساوي لشعوبنا وذلك لسبب واحد وهو عدم وجود نظام حقوقي إنساني لحق المواطنة في هذه الدول.
النظام الحقوقي. وحقوق المواطنة وأهميتها للدول ومستقبل الشعوب:
الدولة وحقوق المواطنة علاقة جدلية لا يمكن الفصل بينهما. الدولة تعني مساحة جغرافية محددة حدودها بموجب مواثيق دولية ومعترف بها دولياً ومنضم لهيئة الأمم المتحدة وشعب ورمز لهذه الدولة. ولا يمكن أن يكون هناك دولة بدون حقوق المواطنة، حيث تنقسم الدول إلى نوعين:
1- دولة ذات نظام حقوقي قسري وتسمى بالدول المارقة. أي دولة بدون نظام حقوقي.
2- دولة ديمقراطية طوعية ذات نظام حقوقي طوعي.
1- النظام الحقوقي للدولة القسرية:
أ‌- نظراً لاختلاط الشعوب بعضها ببعض أثناء الإمبراطوريات الدينية أو الاستعمارية الحضارية العلمانية التي أتت من الغرب. ولدى ظهور الفكر القومي في الغرب وامتداده إلى كافة أنحاء العالم انحلت الإمبراطوريات وتحولت إلى دول قومية فأصبح لكل قومية دولة وأرض وشعب. ولكن لدى قيام هذه الدول القومية في الشرق الأوسط ارتكبت جرائم عن قصد وعمد من قبل مخططيها الانكليز والفرنسيون الذين كانوا سادة العالم الإستعماري العالمي. وهم الذين أنهوا الإمبراطورية العثمانية التي كانت قائمة على الفكر الديني. وأنشؤوا دول قومية على أنقاض هذه الإمبراطورية. لقد ضمت قسراً قوميات وطوائف ومذاهب إلى كيان هذه الدول رغماً عن إرادة هذه القوميات والطوائف والمذاهب والأقليات وسلمت القيادة السياسية لقومية معينة ومذهب معين وطائفة معينة دون ضمانات دولية لحقوق المواطنة لهذه القوميات والطوائف والمذاهب والأقليات. ولهذا خليت النظم الحقوقية لهذه الدول من أي حق سياسي أو ثقافي أو قومي. وانقسم البشر في هذه الدول القسرية إلى مواطنون من فئة ألف وفئة باء. الفئة ألف هم الأسياد والفئة باء هم العبيد. وبذلك خلقت الدول الاستعمارية هذه الدول القسرية في الشرق الأوسط عن قصد وعمد. وتحولت هذه القوميات المنضمة إلى الدول القسرية إلى فزاعة فلاح وأطلق على هذه الفزاعة اسم (الانفصال). وتم استغلال هذا الاسم كسلاح رهيب ضد هذه القوميات والطوائف والمذاهب والأقليات المخالفة للقومية السائدة ومذهبها. إن هذا السلاح قد قتل من أبناء هذه القوميات والأقليات والطوائف والمذاهب أضعاف ما قتل بالسلاح النووي وقنبلتي هيروشيما وناغازاكي. إن هذا السلاح كان تدميرها أكثر من جميع الأسلحة النووية والذرية التي استخدمت. إن قيام هذه الدول على مجتمع اجتماعي قسري لا يمكن أن يكون هناك نظام حقوقي إنساني. لأن النظام الحقوقي الذي طبق في جميع الدول القسرية التي تشكلت في الشرق الأوسط يعطي الحق القانوني للمواطنة على أساس قومي أو المذهبي أو الطائفي. فدولة إيران القسرية كل حقوق المواطنة هي للفارسي، أما الكردي والعربي والبلوشي والأزري بدون حقوق مواطنة. ومعرضون للطرد والذبح والقتل متى ما أرادت السلطة الحاكمة ذلك. وهكذا في دولة تركيا القسرية وجميع الدول العربية القسرية.
ب‌- النتائج الخطيرة لهذا النظام الحقوقي للمواطنة: لقد قلنا أن حب الوطن هو أسمى حب يشعر به الإنسان لذلك يضحي بأغلى ما يملكه وهو روحه عندما يتعرض هذا الوطن للخطر الخارجي. ترى لماذا يقدم الإنسان هذه التضحيات من أجل الوطن؟ لأنه ولد فوق أرضه، وعليه كبر وأنشأ أسرة وبنى بيته وزرع ومن سمائه استنشق الهواء ومن مائه شرب وربى أولاده وعلمهم وفوق أرضه يوجد أصدقاء الطفولة وذكرياتها، فلا غرابة أن يضحي الإنسان من أجل الوطن بأغلى ما عنده. ولكن كيف لإنسان يعيش فوق أرض وطنه ويحبه وهو محروم من كل الحقوق الإنسانية مهما تكن قومية، مذهبية، طائفية، جنسية. فعندما يشعر المواطن واقعاً يكون فيه كل خيرات هذا الوطن من المسكن الجيد والملبس والمأكل والحرية لفئة دون الأخرى! فليس أمام هذا المواطن سوى أن يحلم طوال حياته بحياة أفضل ولا يرى بارقة أمل إلى الآن ولا في المستقبل في تحقيق حلمه. عندها يتحول هذا الوطن إلى غابة تسود فيها شريعة الغاب ويتحول إلى سجن رهيب.
ت‌- النتائج الخطيرة على القومية الحاكمة: المصيبة الأكبر في هذه الدول القسرية ونظامها الحقوقي لحق المواطنة وقعت بالقومية الحاكمة أيضاً. حيث انقسمت هذه القومية الحاكمة ذاتها إلى قسمين: 1- الفئة المالكة لكل شيء -2- الفئة المحرومة من كل شيء. وهذا الانقسام حصل نتيجة تحول العامل السياسي إلى عامل استرزاق. فئة تحتل مكانها في السياسة وتكون مالكة لكل خيرات الوطن، وتحول الفئة الثانية المحرومة إلى حياة الفقر والبؤس والشقاء. وقد جرى طوال القرن العشرين صراع عنيف بين الفئتين على السلطة. ولهذا نرى أن في جميع هذه الدول القسرية وجميع الذين يستولون على السلطة السياسية يحتلون المراكز السياسية الحساسة والنافعة ويصبحون بين عشية وضحاها أصحاب قصور ومزارع وأرصدة هائلة معظمها في البنوك الأجنبية. ويحولون أفراد الفئة الثانية إلى حراس أمينين لشخصهم وبيوتهم وأموالهم. فالفئة الأولى التي بيدها السلطة السياسية لا تشغل بالها في هذا الوطن سوى الحفاظ على كرسيها ومكاسبها، أما التطور والتقدم ومعيشة مواطنيها لا يهمها في شيء. ولهذا نراهم يطرحون شعارات وأهداف ذات أبعاد بعيدة وهي تدرك أن تحقيق تلك الشعارات والأهداف لا يمكن وقد تحتاج إلى قرون. ويخصصون أموال هائلة على أبواق الدعاية كي يخدعوا الجماهير بها، ويعتبرون أن تحقيق هذه الأهداف ثوابت وطنية.
أما الفئة الثانية من القومية الحاكمة ونتيجة لفقدان المال بين أيديها تظهر بين هذه الفئة جميع الأمراض الاجتماعية الفتاكة نتيجة لجمود الحياة الاقتصادية والزراعية والصناعية والتجارية مما يؤدي إلى إفلاس الطبقة الوسطى وظهور جيش من العاطلين عن العمل عندها تكثر الأمراض مثل الرشوة والنصب والاحتيال وعادة تهريب المخدرات والدخان وظهور عصابات سرقة وإجرام وفقدان التعاطف والتآلف بين الناس والقتال العنيف لأتفه الأسباب وزيادة أزمات المواد المعيشية وأزمة امتلاك التكنيك الحديث وزيادة شعور الحسد بين الناس وخلاصة هذا يؤدي إلى الانقسام الوطني وفقدان الثقة بين الفئة الحاكمة والفئة المحرومة, عندها يصبح مصير الوطن في مهب الريح.
إن انعدام الحب الوطني بين الناس يفتح الباب أمام الحروب الأهلية فكثيراً من أصحاب الفئة الأولى الحاكمة يلجؤون إلى خلق صراعات خارجية بغية التخلص من هذا الوضع.
إن أفراد الفئة الثانية عندما يضعف عندهم الشعور الوطني يبدؤون بتدمير المجتمع والوطن معاً وإن جميع المبادئ والقيم الأخلاقية والعقائدية التي تم تلقيها تتحول إلى كذب ونفاق يرددها علناً وسراً يفعل شيئاً آخر تماماً.
إن الكثيرين من العقلاء والمفكرين أصحاب القلوب الطيبة والنوايا الحسنة والمحبين حباً صادقاً لأوطانهم يشكون من هذا الوضع وما آلت إليه حال الناس بهذا الشكل وكثيراً ما يضعون هذا اللوم على المواطن. ونحن في طريق الحقيقة نقول إن الحقيقة ليست هكذا.. إن كل الذي حصل كان سببه الدولة القسرية التي تعيش بدون نظام حقوقي إنساني لحق المواطنة.
2- الدولة الطوعية والنظام الحقوقي للمواطنة ونتائجها:
فإذا كانت الدولة القسرية ونظامها الحقوقي هذه نتائجها الخطيرة على المجتمع، ترى لماذا نستمر في هذا النظام الحقوقي؟ هل يظل شعوبنا في الشرق الأوسط بهذه الحالة وللأبد؟ وبدون أمل في العيش حياة إنسانية كريمة ودون الخوف من المستقبل؟
ترى ما هو البديل؟
ونحن في طريق الحقيقة عاهدنا على أنفسنا أن نشخص الداء ونحدد المرض ونكشف الحقيقة للعالم ونطرح الحلول كي تدرك شعوبنا كيف أصابها المرض وكيف يمكن أن تتخلص منه. ونترك الخيار لهم ولمن يريد الصحة والعافية لشعبه والتقدم والازدهار لوطنه. ونقول: إن الدولة القسرية دولة سرطانية لا يمكن الشفاء منها مهما حاول المثقفون الانتهازيون والسياسيون الجشعون أن يخدعوا أنفسهم ويخدعوننا.. لقد أنشأت عائلة سايكس بيكو لنا هذه الدول وزرعوا في جسدها كل الخلايا السرطانية لندمر أنفسنا بأنفسنا كي لا تنعم أوطاننا بالتقدم والإزدهار وتبقى مجرد سوق لتصريف يضاعتهم ولا يسود المحبة والتعاون والإبداع فيها. والحل يكمن في إزالة هذه الخلايا السرطانية من جسد هذه الدولة القسرية.
إن الاستحقاق التاريخي يطلب منّا أن ننتقل من الدولة القسرية إلى الدولة الطوعية. والدول الطوعية لا يمكن إقامتها إلا بتحقيق بعض الشروط.. ولما كانت مجتمعات هذه الدول القسرية التي بيناها سابقاً مختلطة القوميات والطوائف والمذاهب والأحزاب. إذاً لا يمكن إدارة هذه المجتمعات إلا بنظام سياسي فيدرالي أو كونفدرالي وحكم ذاتي بدون انفصال. إن الانفصال ليس في مصلحة أحد. لا في مصلحة القومية الظالمة ولا في مصلحة القومية المظلومة. وإن سوقاً اقتصادياً كبيراً مشتركاً للشرق الأوسط سيؤمن الحياة الحرة الكريمة الإنسانية لكل الناس في الشرق الأوسط.
إن المركزية نظام فاسد لا ينتج سوى الاستبداد والديكتاتورية والاضطهاد والفقر ولا يمكن التخلص من هذا الأسلوب السياسي إلا باستفتاء حر لموافقة إرادات كافة القوميات والأقليات التي ستقبل طواعية الحياة المشتركة. إن المركزية ستتحول إلى نظام أقاليم، وكل إقليم يجب أن يدير نفسه بنفسه وأن يكون له حصة في الثروة الوطنية. ومهمة المركز أن يوزع هذه الثروة بالعدل حسب حاجة كل إقليم.
من الناحية الحقوقية: إن الاعتراف بوجود القوميات والأقليات لا مفر منه، إن لم يكن اليوم فسيكون غداً. ولذا يجب إلغاء كافة السياسات والاستراتيجيات التي رسمت ومورست بموجبها خلال القرن العشرين.
في الدول القسرية إيران وتركيا والدول العربية يوجد القوميات والأقليات التالية: الأكراد والبلوشي والعرب والأزرية والأمازيغيين والأفارقة والأرمن والكلدوآشورية والأقباط و.. وهناك الطوائف والمذاهب والأحزاب المتعددة. إن سياسة الإنكار والإمحاء للقوميات الأخرى هي السبب في كل الأمراض والأزمات التي تتعرض لها ولا زالت تتعرض لها شعوب هذه المنطقة ودولها. وكانت سبب في تخلفها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي. إن جميع المواطنون يجب أن يكونوا متساوون في الحقوق الوطنية والواجبات. فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بحب الوطن. جميع بنود النظام الحقيقي يجب أن تكون وفق فلسفة حقوق الإنسان. حتى يأخذ الجميع مكانهم في جهاز دولة حسب كفاءته العلمية وليس حسب قوميته أو طائفته أو مذهبه أو رضا السلطان.
يوضع الدستور ونظام حقوقي للدولة بعيداً عن أي نزعة قومية أو طائفية أو مذهبية أو حزبية. وإن لكل إنسان كونه إنسان من أية قومية كانت أو طائفة أو مذهب أو حزب له أربعة: المأكل الجيد والملبس الجيد والمسكن الجيد والحرية البعيدة عن الرقابة. وضمن جهاز قضائي مستقل لا سلطان عليه سوى القانون. ويجب أن توفر إعلام حر يلعب دور السلطة الرابعة لمراقبة السلطة السياسية والمال العام.
الانتقال إلى الدولة الطوعية:
إن على الدولة القسرية أن تعلن الإرادة السياسية في الانتقال من الدولة القسرية إلى الدولة الطوعية بعد الاعتراف بوجود القوميات والأقليات وطرح نظام حقوقي يتضمن كافة الحقوق الإنسانية ثم يطرح هذا النظام عل الشعب بكافة مكوناته لأخذ مشروعية تطبيقها. وعندها ستطوى صفحة الدولة القسرية وتبدأ صفحة الدولة الطوعية.
ما هي النتائج التي ستحصل من هذا الانتقال:
سينطلق الملايين من أبناء الشعوب الإيرانية والتركية والعربية والكردية والأقليات المتعايشة معهم إلى الشوارع يرقصون ويغنون أناشيد الحرية والحياة الإنسانية الكريمة. وتبدأ براعم الأمل تتفتح أمامهم لان لا أحد سوف يشكي من الظلم والقهر والاستبداد.
ستتولد أخوة إنسانية رائعة في الشرق الأوسط والتي كانت يوماً ما مهد الحضارة الإنساينة وسيبدأ من جديد دولاب الحياة السعيدة الحرة بالدوران. وسيعود كل الذين هاجروا من أوطانهم مع العقول المبدعة التي تركت أوطانها لتضع عقولها في خدمة أوطانها ليقدموا للبشرية منتجات عصرية جديدة بدلاً من تصدير الإرهاب للعالم. وستختفي من قاموس الشرق الأوسط نهائياً كلمة الانفصال، لأن المسبب والمبرر لها قد زال. وبهذا المناخ لا خوف من حروب أهلية ولا انقلابات عسكرية ولا تطرف. ولا خوف من أي اعتداء خارجي. لأن الشعب بكل مكوناته الاجتماعية سيكون سداً منيعاً أمام أية قوة خارجية. إن الدولة الطوعية ليست بحاجة إلى جيش عرمرم يصرف عليه ثلاثة أرباع مال الثروة الوطنية. لأن الشعب بأكمله هو الجيش.
إن الدولة الطوعية ليست بحاجة إلى أجهزة أمنية داخلية تراقب حرية المواطن، لأن مشكلة تداول السلطة محلولة وفق آلية النظام الديمقراطي، وإن من يريد ممارسة السياسة يجد الباب مفتوحاً أمامه وليس هناك أية شروط سوى شرط واحد وهو أن ينال موافقة الشعب.
الدولة الطوعية في خدمة الشعب، بعكس الدولة القسرية التي يكون فيها الشعب في خدمة الدولة. وسيصبح الوطن وطن الحرية والعيش الكريم.



5- كلمة ختامية من طريق الحقيقة:
أخي الكريم العربي والفارسي والتركي والكردي: وكل الأقليات والطوائف في الشرق الأوسط.
لقد جرب التيار اليساري نفسه وقدم حلوله وطرح برامجه السياسية وفلسفته في الشرق الأوسط بغية خلق حياة إنسانية كريمة لشعوبنا. وكذلك قدم القومي حلوله وبرامجه السياسية وفلسفته. وأيضاً قدم التيار الديني برامجه السياسية وفلسفته. وكانت النتيجة لما نحن فيه اليوم من تخلف سياسي واجتماعي واقتصادي وعلمي وتكنولوجي بالإضافة إلى الحروب الأهلية المشتعلة في إيران وتركيا والدول العربية وتسعون بالمائة من شعوبنا وضعهم المعيشي تحت خط الفقر. والملايين من أبناء شعوبنا ومنهم الآلاف من العقول المبدعة الاختصاصية هاجروا أوطانهم. ونعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى ميكروسكوبات للتأكد من ذلك وما حل بنا.
إن الحل الوحيد هو الانتقال من الدولة القسرية إلى الدولة الطوعية وفق النظام الحقوقي للمواطنة على أساس فلسفة حقوق الإنسان.
أخي العربي والفارسي والتركي: باعتباركم تمثلون القومية التي تمثل هذه الدول القسرية وبينا نتائجها القاسية علينا. فمهما يكن موقعك سواء أكنت سياسياً على رأس هذه الدولة أو معارضاً أو مثقفاً أو عاملاً أو فلاحاً أو موظفاً وحتى رجل أمن أمامك خيارين: إما إنقاذ الوطن وإما أن نذهب جميعاً إلى الجحيم. إما التمسك بالدولة القسرية التي تجاوزها التاريخ وإما الانتقال بالدولة القسرية إلى الدولة الديمقراطية الطوعية التي هي الاستحقاق التاريخي المطلوب. هذه هي قراءتنا للتاريخ ولا ندعي أننا نملك الحقيقة. فإذا كنت غير مقتنع برؤيتنا وقراءتنا الإستراتيجية للتاريخ وفي طرحنا للمشكلة والحلول يمكنك أن تلقيها في سلة المهملات أو تحرقها وتنثرها في الهواء.
إن الحقيقة ليست ملكاً لأحد ولا تعطي ملكيتها لأحد مهما حاول. إن الحقيقة هي ملك للتاريخ. والتاريخ يسير ولا يمكن إيقافه. وإن من لا يقرأ التاريخ جيداً ويسير معه ويسبح في عكس تياره، فإن التاريخ سيسحقه ويزيله من الوجود. وإن نهاية هتلر وموسيليني وشاوسيسكو وشاه إيران وصدام حسين والاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا يجب أن تكون عبرة لمن يريد أن يعتبر. ونأمل أن يكون قد وفينا دين أبناؤنا وأبناء الأجيال التي ستأتي مستقبلاً ونكون قد جعلنا من قلمنا منارة ينطق ويشع صوت الحق والحقيقة مهما تكن مرة.
أخي الكريم لقد أشعلنا شمعة وكم نتمنى من الأقلام الأخرى أن يشعلوا شمعة بجانبها علنا ننقذ شعوبنا وأوطاننا من الجحيم الذي آلت إليه حالنا في الشرق الأوسط. ودمتم…

حلب في ___________________ محمد تومة
1/1/2008 ___________________ أبو إلياس