الرئيسية » مقالات » بينظير بوتو..ضحية الغلو والتطرف الديني

بينظير بوتو..ضحية الغلو والتطرف الديني


بينظير ذو الفقار علي بهوتو
21حزيران 1953- 27 كانون الثاني 2007


هناك الكثير من أوجه التشابه بين المصير المأساوي للسيدة أنديرا غاندي، رئيسة وزراء الهند السابقة، وعائلتها وبين مصير بينظير بهوتو وعائلتها. فقد كانت كل من السيدة أنديرا غاندي، أول أمرأة تتقلد منصب رئاسة الوزراء في الهند ورئاسة حزب المؤتمر الهندي، وبينظير بهوتو أول أمرأة مسلمة تتقلد نفس المنصب في الباكستان إضافة إلى ترأسها لحزب الشعب الباكستاني العلماني التوجه. ويضاف إلى ذلك إن الأثنتين تعيشان حالة الأمومة، بما يعني ذلك من رقة وحنان وشعور بالمسؤولية تجاه فلذات أكبادهن، وهي مشاعر قد لا تتوفر بذاك القدر عند النصف الآخر من مكونات المجتمع الإنساني.
كما راحت كلتا السيدتان ضحية التطرف الديني، الهندوسي في الهند بالنسبة لأنديرا غاندي، والتطرف الديني الإسلامي في باكستان الذي أودى أخيراً بحياة السيدة بينظير بهوتو. كما لحقت بهاتين الشخصيتين النسائيتين البارزتين فواجع عائلية تمثلت في إغتيال أولاد أنديرا غاندي في الهند، وإعدام ذو الفقار علي بهوتو والد الفقيدة بينظير بهوتو على يد قطب الديكتاتورية العسكرية الباكستانية ضياء الحق، وهو الشخص المسؤول أيضاً عن ترويج التطرف الديني وإشاعته في الباكستان وبأموال من بلدان الخليج النفطية بعد تسلطه على الحكم إثر إنقلاب عسكري أطاح بالفقيد ذو الفقار علي بهوتو. كما تم في وقت لاحق إغتيال شقيقي بينظير بهوتو علاوة على سجن الفقيدة لمدة خمس سنوات مع زوجها في عهود الديكتاتورية. وتشترك السيدتان الضحيتان بموقف واحد إزاء التطرف الديني وإرهابه في كل من الهند والباكستان. فقد أقدمت التيارات الهندوسية المتطرفة على إزهاق روح أنديرا غاندي بعد أن بادرت الأخيرة إلى تطبيق إجراءات للحد من الإنفجار السكاني الذي يعد العقبة الرئيسية أمام أي حل لمشكلة الفقر والتنمية والإستقرار في البلاد. وتبع ذلك إغتيال أولاد أنديرا غاندي على التوالي لدوافع الحقد على هذه العائلة الكريمة من قبل أنصار التطرف والغلو الديني الذي قام بإغتيال شخصية كبيرة في تاريخ البشرية الحديث ومؤسس الدولة الهندية الحديثة وهو المهاتما غاندي. وعلى يد نفس المتطرفين الدينيين، ولكن بلونهم الإسلامي، جرت عدة محاولات لإغتيال السيدة بينظير بهوتو، والتي نجحت آخرها في تغييب هذه السيدة الشجاعة عن عالمنا الذي يهدده أخطر إرهاب ديني شهده تاريخنا متمثلاً في تنظيم القاعدة الإرهابي. ويعود إستهداف هذه السيدة الشجاعة إلى كونها كانت المبادرة إلى عملية اصلاح المدارس الدينية في باكستان والسعي إلى إبعادها عن نفوذ المتطرفين والوقوف بوجههم وبوجه إرهابهم، إضافة إلى كونها من المكافحين الثابتين من أجل إرساء أسس الديمقراطية والنظام الدستوري البرلماني في بلادها. ولعل كون السيدة بينظير بهوتو إمرأة، فإن ذلك يشكل عاملاً أضافياً لتعاظم حقد المتطرفين وقوى التخلف في الباكستان وإندفاعهم نحو إغتيالها بسبب من النظرة الدونية لأصحاب ديانة التطرف المشوهة إزاء المرأة.
هنا لابد لنا من إلقاء نظرة على نشأة هذه السيدة الجليلة وتكوينها كي ندرك سبب إستهداف هذه الشخصية الفريدة في التاريخ الباكستاني. فقد وُلدت بينظير في عام 1953 في إقليم السند من عائلة هاجرت من وسط الهند لتستقر في حدود دولة الباكستان الحالية. وإنخرط أجدادها وأبوها في العمل السياسي سواء قبل الإستقلال أوبعده ضمن تيار ديمقراطي ليبرالي يدعو إلى إرساء نظام برلماني في البلاد. تزوج أبوها الفقيد ذو الفقار علي بهوتو من سيدة كردية –إيرانية هي نصرت بهوتو، وكانت بينظير أولى ثمرة لهذا الزواج. أنهت دراستها الأولية في الباكستان في مدرسة ليدي جينينغ ثم مدرسة يسوع وماري في كراجي. ثم غادرت إلى الولايات المتحدة لتلقي العلوم السياسية في أشهر جامعات الولايات المتحدة وهي جامعة هارفارد، حيث حصلت على الدرجة العلمية في الفترة بين 1969-1973. وإنتقلت لتتلقى العلوم في كبريات الجامعات البريطانية وهي جامعة أوكسفورد لتدرس الفلسفة والإقتصاد والعلوم السياسية في أعوام 1973 – 1977. هذا التكوين العائلي والأكاديمي أضفى على هذه السيدة الضحية مزيجاً من نبذ التعصب الديني والقومي والعنف مع النظر إلى البشر ليس كأخوة في الدين فحسب، بل أخوة في الخلق كما تقول حكمة الإمام علي بن أبي طالب.
عادت إلى بلادها بعد نجاح والدها في تولي زمام الأمور في البلاد عبر إنتخابات برلمانية، وكان من المؤمل أن تنخرط بينظير بهوتو في سلك وزارة الخارجية. إن المنحى الديمقراطي للفقيد بهوتو وشروعه بإقامة علاقات سلمية مع الجارة الهند، إضافة إلى بوادر التحولات العاصفة التي بدأت تهب على المنطقة وخاصة بوادر تحولات ديمقراطية في أفغانستان، وبوادر التململ الشعبي ضد إستبداد الشاه في إيران في منتصف وحتى نهاية السبعينيات، إستثارت قوى العسكر والردة والمتطرفين الدينيين في الباكستان مما دفعهم إلى الإقدام على تدبير إنقلاب عسكري يميني متطرف برداء ديني بقيادة الجنرال ضياء الحق. وحظي الإنقلاب بدعم أمريكي،ضمن العمى السياسي أيام الحرب الباردة، وصيني وخليجي ومن شاه إيران من أجل تفادي أي تحول لصالح قوى الحداثة في المنطقة. وكان من أول تدابير الإنقلابيين هو إجراء محاكمة صورية لرئيس الوزراء المنتخب ذو الفقار علي بهوتو والحكم بإعدامه، ونفذ الحكم لاحقاً في عام 1979. وإثر ذلك أقيم نظام عسكري ديني متطرف، مما فرض على السيدة الشابة الهجرة خارج البلاد.
عادت بينظير بهوتو إلى الباكستان بعد مقتل ضياء الحق في حادثة جوية. وأعيد للعملية الديمقراطية البرلمانية قدر من حيويتها لتنتخب بينظير بهوتو كأول أمرأة لمنصب رئاسة الوزراء في الباكستان في عام 1988. ولكن سرعان ما تم إزاحتها من منصبها بتهم الفساد بعد 20 شهراً من الحكم. إلاّ إنها عادت من جديد في عام 1993 لتشارك في الإنتخابات وتفوز بنفس المنصب إثر إنتخابات برلمانية. ولكن ما لبث أن تم من جديد حرمانها من هذا المنصب بعد إنقلاب عسكري وبنفس الحجج السابقة لتضطر، بعد أن أمضت أعواماً في السجن، إلى الهجرة خارج البلاد والإستقرار في إمارة دبي. و بعد أن أجبرت المؤسسة العسكرية الحاكمة بفعل الأزمة العميقة في المجتمع وتزايد الضغط الشعبي، وخوف الطغمة العسكرية من تهديدات المتطرفين الذين حولوا الباكستان إلى بؤرة للتطرف الديني والإرهاب في العالم، وبفعل الضغط الدولي، عادت بينظير بهوتو في 18 تشرين الأول عام 2007 إلى البلاد، وعاد زعماء سياسيين آخرون بعد العفو العام كي يشاركوا من جديد في إنتخابات برلمانية. وكان من المتوقع أن يعاد إنتخاب حزب الشعب الباكستاني وزعيمته من جديد لتولي مسؤولية الحكم وإنهاء مظاهر الحكم العسكري في البلاد ثم الشروع بتصفية بؤر الأرهاب الدولي في الباكستان والوقوف بوجه من يحاول تحويل البلاد إلى ميدان لتدريب المجاميع الإرهابية.
من هذا السرد، تتضح لنا الدوافع وراء إصرار قوى التطرف ومن يساندها في التركيز بالأساس على هذه الشخصية المتميزة في الساحة السياسية الباكستانية. فالسيدة بينظير بهوتو هي الشخصية التي تكاد الوحيدة التي تتزعم حركة سياسية ترفض دمج الدين بالسياسة أو تسييس الدين خلافاً لكل الحركات السياسية العاملة على الساحة الباكستانية ومنذ أن تسلط ضياء الحق على السلطة بعد إنقلابه في منتصف السبعينيات. فهذا الدكتاتور أمر وبالإكراه بأن ترفع جميع الأحزاب السياسية لافتة “الدين”، وهذا مارفضه حزب الشعب الباكستاني. كما كان حزب الشعب ورئيسته بينظير بهوتو من أشد المناهضين للنشاطات الإرهابية في الباكستان، وأدركوا خطورة تحول البلاد إلى قاعدة لأخطر مظاهر الارهاب الديني شراسة في العالم وما يترتب عن ذلك من آثار سلبية على الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية ومستقبل البلاد وعلاقاتها الدولية. أما بقية الأحزاب فكان موقفها من هذه الظاهرة الخطيرة يتراوح بين التأييد والتشجيع العلني والمبطن بما في ذلك أجهزة حساسة في الدولة، أو السكوت على هذا السرطان الذي إستشرى في البلاد وتحول إلى شبكة “بيزنس” متشعب وخطير ومصدر إفساد لوسط إجتماعي غير قليل خاصة في المناطق القبلية المحرومة والمتخلفة من البلاد. وأمتدت أذرع هذا الأخطبوط وفساده وتشابك وتغلغل مع أكثر أجهزة الدولة حساسية وخاصة القوات المسلحة وجهاز المخابرات الخطير خاصة في الفترة التي رافقت الأزمة الأفغانية والحرب الداخلية فيها وما تلاها من أحداث. كما تحول هذا الأخطبوط إلى قوة عسكرية فرضت سيطرتها على مناطق واسعة على الحدود مع أفغانستان وذلك من أجل توفير الملاذ لشبكة القاعدة الإرهابية ورموزها. وأصبح هذا الأخطبوط قوة مالية ضخمة بفعل عوائد النفط من بلدان الخليج وعوائد المخدرات وشبكة المؤسسات الإقتصادية سواء تلك العاملة في باكستان أو في دول المنطقة إضافة إلى بلدان أوربية.
إن حادث إغتيال السيدة الشجاعة بينظير بهوتو بيد قوى الإرهاب الدولي لم يكن ميسراً بدون مشاركة المخابرات الباكستانية التي تشابكت مصالحها مع كل قوى التخلف والإستبداد والتطرف الديني في عروة فكرية وإقتصادية وثيقة، وهذا هو سر قدرة هذا التيار الخطير الذي بات يهدد بشروره العالم أجمع. بالطبع لايملك هذا التيار برنامجاً إقتصادياً وإجتماعياً للبناء وحل المشاكل المستعصية في مجتمعاتنا وخروجها من دائرة التخلف والفقر والركود بقدر ما يملك برنامج محدد للقتل والهدم والفوضى وإثارة النزاعات الداخلية بدون نتيجة. ففي أفغانستان التي حكمها هذا التيار المتطرف لفترة غير قليلة لم نر من حكمه سوى إعادة البلاد إلى الوراء لقرون دون أن يبني مدرسة أو مستشفى أو مرفق إقتصادي أو تطوير للزراعة بإستثناء دعمه أو تغاضيه عن زراعة المخدرات التي تجلب لهذا التيار موارد مالية ليصرفها على خلاياه الإرهابية المنتشرة في بقاع شتى من عالمنا. ولم تقم فلول هذا التيار في الجزائر مثلاً إلاّ بنشر حمامات الدم لتقتل الأبرياء أطفالاً ونساء وشيوخ وبوحشية بالغة. وينطبق هذا السلوك على العديد من بلدان العالم بدون إستثناء والتي إكتوت بنار التطرف اديني. ولا يحتاج العراقيون إلى دلائل كي يدركوا حجم ما قام به هذا التيار وبمذاهبه المتعددة من قتل طال عشرات الألاف من العراقيين وما رافقه من قتل متبادل على الهوية الطائفية على يد المتطرفين السنة والشيعة على حد سواء، إلى جانب التدمير الذي طال كل مرافق الدولة وتعطيل الحياة العامة خلال السنوات الخمس المنصرمة بحجج طائفية بالية أو قومية ودينية متطرفة وتحت لافتة مقاومة كاذبة من مقاومة الإحتلال.
ومن الملاحظ أن هذا التيار العبثي المدمر الذي إمتد إلى كل بقاع المسلمين بغض النظر عن مذاهبهم قد ركز في كل فتاوي شيوخه على المرأة والتفنن في ذلها وإضطهادها وتجهيلها ووضعها على هامش الحياة مستنداً إلى أقوال محرفة منسوبة كذباً، ولا يعرف مدى مصداقيتها، إلى رموز تاريخية بارزة، بحيث إن المرأة بنظر هؤلاء لم تعد كالسيدة خديجة سيدة تجارة وأعمال أو نساء بلاغة وأدب وشعر وشجاعة كالكثير من النساء في تاريخنا الغابر، بل إنهم ينظرون إليها كمجرد عبد ذليل ومفرخة ومصدر يلبي غرائز حيوانية لهؤلاء المهوسين. وإقتصر الأمر بهؤلاء إلى وصف المرأة كناقصة في العقل أو الدين أو عقرب بلبوس حلوة أوشر لابد منه. كما فُرض عليها التخفي بأردية سوداء يخفي النور والتنوير عنها، والإبتعاد عن الحياة العامة والتعليم والعمل. هو ذا حصيلة تفكيرهم المريض أزاء نصف المجتمع الإنساني إن لم يكن أكثر من نصفه. لقد برع هذا التيار والتيارات المشابهة له فقط في إشاعة القتل الوحشي لآلاف النساء سواء في العراق أوأفغانستان أوالباكستان، بحيث يتم معاقبة المعتدى عليهن من النساء من ضحايا الزنا مقابل الإفراج عن الزاني بشكل يتعارض مع القيم الدينية والإنسانية، كما حدث في مثال فتاة القطيف في العربية السعودية أخيراً. وتتعرض المرأة العراقية الآن إلى أشد أنواع التنكيل على يد مختلف الواجهات المتطرفة الدينية. فقد كشف مسؤول امني في محافظة البصرة أخيراً أن عام 2007 شهد مقتل 133 امرأة في المحافظة مسجلا زيادة عن العام الماضي الذي قتلت فيه 85 امرأة ،لأسباب وصفها ناتجة عن الموروثات الاجتماعية، فيما عزا قائد الشرطة تلك الظاهرة إلى دوافع دينية تقوم بها جهات متشددة.


المرأة العراقية في ظل ما يفرضه المتطرفون “الطالبانيون” حالياً ضدها في العراق الديمقراطي!

وقال باسم الموسوي، عضو اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة، خلال مؤتمر عقد في البصرة لمناقشة ظاهرة العنف ضد النساء أن”عدد النساء اللواتي تعرضن لعمليات القتل في محافظة البصرة بلغت (133) حالة منذ الأول من كانون الثاني 2007 ولغاية تشرين الثاني من نفس العام. وأضاف الموسوي قائلاً:”بلغت حالات قتل النساء خلال العام الماضي 2006 (96) حالة، وفي عام 2005 تم تسجيل ( 85) حالة قتل في البصرة.”
إن إغتيال السيدة الشجاعة بينظير بهوتو بهذا الشكل البشع، بقدر ما يدل على وجود تيار قوي جسور يقف بوجه القوى الظلامية والإرهابية في بلادنا وتقف في المقدمة منه السيدة الشجاعة بينظير بهوتو، إلا أنه في نفس الوقت يشير إلى القدرات الكبيرة والمصادر الضخمة التي بحوزة تيار التخلف والإرهاب والردة، مما يفرض على المجتمع الدولي ورموز التنوير والثقافة التفكير بعلاج فكري ثقافي لهذا الوباء المدمر الذي يهدد بحرق الأخضر واليابس. إنه يهدد بالأساس مجتمعاتنا التي ترنو إلى قيام أنظمة دستورية ديمقراطية تحترم القانون وتزيل كل أشكال التمييز في العنصر والجنس والدين والمعتقد. وإذا ما بقيت مجتماعتنا تتفرج على هذه الظاهرة الخطيرة أو ينجرف البعض مع هذا التيار الفوضوي أو يبررها بذرائع مواجهات خيالية للأجنبي أو غيره دون الحساب لخطر تيار التطرف، فإننا سوف نبقى في دائرة التخلف، ولا نستطيع وضع يدنا على الداء، ولا نستطيع اللحاق بركب التقدم العلمي والتقني والحضاري الجارف الذي يحيط بالعالم المعاصر.
1/1/2008