الرئيسية » مقالات » خيرُ سجينٍ في سوريةَ كتابُ

خيرُ سجينٍ في سوريةَ كتابُ

” للكتاب مجرى حياة يشبه الحياة عند البشر ”
المستشرق الفرنسي ” لوسيان بولاسترون ”

يوم 20 نوفمبر 2006 وحين دخلتُ الأراضي السورية عائداً من ” آمدْ ” عاصمة الشمال الكوردي, وتحديداً من أيامها الثقافية, صادرَ الأمنُ السياسي السوري على بوابة الحدود, مجموعةً كبيرةً من كتبي وكتب أصدقائي, لتبقى لديهم على ذمة تحقيقٍ ماراتونيٍّ إلى تاريخِ هذه الكتابة, فهي متهمةٌ حتى تَثْبُتَ براءتها, انتهت التحقيقات معي ولمْ تنتهِ مع كتبي, كما أنَّ الصديق ” إبراهيم محمود ” راجعهم مراراً مُطالباً بإعادتها, ولكن لم تُثْمِرْ مطالباته أيضاً, رغمَ أنَّ المُصادرينَ أعلمونا أنَّهمْ سيعيدونها ويطلقون سراحها فورَ التحققِ من مضامينها, فهل يحتاجونَ بعدَ عامٍ كاملٍ تُرجماناً مُحلفاً لا يُشقُّ له غبارٌ, ليفضَّ أختامَ تلكم الكتب, ويصلَ إلى يقينٍ أعظمَ ربما يكون مفاده أنَّ تلكم الكتب – بينها قصصٌ مصورة للأطفال – لا تطالبُ بالتغيير الديمقراطي, وأنْ لا علاقة لها لا بإعلان دمشق ولا بجبهة الخلاص ولا أمانة بيروت لإعلان دمشق ولا بفريقِ جنبلاطْ, ولم تدنو يوماً من تظاهرةٍ أو اعتصام, فهي كتبٌ غريبة, ويلزمها في أحسن الأحوال أربعون يوماً من معاشرة السوريين والاختلاطِ بهم حتى تتفهم الأوضاع في البلاد جيداً, كما أنَّها لمْ تطالب بالحريات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان, وهي غيرُ مقتنعةٍ – ربما – بالمقولة غير الدارجة : الشبعُ والعلمُ أعداء الحكمِ.
غريبٌ أمرُ السلطات الأمنية في بلدنا, فلو كنتُ أدخلتُ قمحاً مُسرطناً إلى البلاد, لانتهى الأمر من زمان, كانوا اعتقلوني وأفرجوا عن القمح.
لو كنت أدخلت نفايات نووية من مرفأ طرطوس, لأعادوها إلى إيطاليا, وانتهى بي المطافُ في جبهة الخلاص, ولم يكن الأمر انتهى.
لو كنت أدخلت لحم البقر المجنون, وبعته في علب مرتديلا, لما اُعْتُقِلَ ذاك اللحمُ ولا علب المرتديلا, ولا كان أصابني مكروهٌ.
لو كنت أدخلت كتب الفلك والسحر والتنجيم والشعوذة والدجل لما صُودرتْ, بل – ربما – كانوا ربتوا على كتفي, مُشيدينَ بعدائي للثقافة والتنوير وما إلى ذلك, فأوطاننا تخافُ من المعرفة والثقافة, وتصادقُ الشعوذة والدجل وكلَّ كتابة أخرى مُعادية للوعي الجميل والعقل.
لو كنتُ أدخلتُ دستوراً جديداً إلى البلاد, لحوكمتُ بـخمسِ سنواتٍ عجاف, وانتهى بي الأمرُ مُعانياً من جملة أمراض متفاقمة ومحاكمات إضافية.
لو كنتُ أعلمُ أن تلكم الكتب – وهي قصص وروايات ومجموعات شعرية وكتب فولكلورية – ستصيبُ المعدةَ الأمنيةَ بمشكلةٍ خاطفة مفاجئة, وتُصيبَ معدتي بقرحةٍ عمرها سنة حزناً عليها ما اصطحبتها معي.
لو كنت.. لو كنت .. لو كنت … لانتهى بي الأمر إلى ….
لم أفعلْ كلَّ ذلك, فلماذا هذه الفحولةُ الأمنيةُ مع كتبي الغريبة في برزخٍ غريب؟. هيّ حينَ وطأتْ صفحاتها وأغلفتها أرضَ سورية لم تقذفْ أحداً بالحجارة, وليسَ لها موقفٌ مسبقٌ من سوريا وسكانها, هي بريئةٌ وشفافة, لا تطأُ نملةً, ولا تأكلُ من خشاش الأرض حتى, فلماذا نهشوا لحمها الوضيءَ؟. وانهالوا عليها بخوفهم السيليكوني المُكَبَّرْ.
يمارسونَ سياسةَ نهش الكتب ومصادرتها واعتقالها ونتفِ ريشها أيضاً, ولا يكفُّون عن حقننا يومياً وعبر منابرهم الإعلامية ومناهجهم الدراسية بالمُخدِّر التاريخي, ومُناولتنا الحبوب المُنوِّمة التاريخية, من قبيل أن المغولَ حين دخلوا بغدادَ رموا الكتبَ في مياه دجلةَ, فالمغولُ في مناهجنا الدراسية وثقافتنا المواعظاتية جهلةٌ وأعداءُ كتابٍ, أما جهاتنا الأمنيةُ في هذه النهايات الجميلة للقرون, فهي صديقةٌ الكتاب, وهي خيرُ جليسٍ أكثرَ من الكتاب, إلى درجة مُصاردتها للكتاب والاحتفاء باعتقاله إلى أبد الآبدين!!!.
إذن فتوى أمنية مباشرة – من نوع إكسبريس – على الحدود صادرتْ كتبي, قد يكونُ مرجِعُ الفتوى اشتباههم في متون الكتب وما تتضمنه, خاصةً وأنَّها بلغةٍ مرمية إلى سلة محذوفات السلطة السورية – منذ نشوء الدولة السورية – إلى إشعارٍ ضوئيٍّ آخر, قد يكمنُ سبب تأخيرُ إعادةُ الكتبِ إليَّ / إلينا في عدم تمكنهم من قراءتها والإطلاع على مضامينها, ولا ألومهم على ذلك, فهمْ ليسوا أهلَ اختصاصٍ فيما يتعلق بالثقافة وتشعباتها ومجالاتها أولاً, وثانياً لأن دائرة الرقابة على المطبوعات نفسها في وزارة الإعلام السورية ليسَ فيها رقيبٌ يُجيدُ الكوردية, وهوَ أحدُ أسباب عدم الموافقةِ على طباعة الكتب الكوردية في سوريا إلا فيما نَدَرْ.
العنفُ المُوَّجهُ ضدَ الكتاب, عبرَ أوجه التحريم والمنع والمصادرة, يَشي بأزمةٍ بُنيويةٍ لدى السلطات في بلدان تقيمُ في المقصورة الأخيرة لعصرنا الموَّارِ, والعنفُ ضد الكتاب في صورته الراهنة, عبر مصادرته أو منع إدخاله إلى البلاد هو وجهٌ آخر لسياسات قديمة في التعامل مع الكتاب, حينها – أقصدُ في سالف العصر والأوان – كانت الدولُ ( بمسمياتها العديدة ) تُدمِّرُ المكتبات, وتُحرقُ الكتبَ, أو تَدفِنُها حيَّةً في التراب, أو تَرميها في مياه الأنهرِ, ولدى مقارنتنا بينَ ما يجري اليوم وما جرى بالأمس, نُلاحظُ أنَّ الحقدَ الأعمى الموُّجه ضد الكتاب لم يتغيرْ وإنْ تغيرتْ أساليبُ التعامل.
مفارقاتٌ كثيرةٌ صارخة يمكنني إيرادها هاهنا, في معرض الذكرى السنوية الأولى على مصادرة كتبي :
الأولى – اُعتقلتْ كتبي وكانتْ حلبُ عاصمةً للثقافة الإسلامية, وما تزالُ كتبي مُعتقلة بينما دمشقُ على وشك أن تصبحَ عاصمةً للثقافة العربية, فهلْ يُعقلُ أنْ تُصبحَ مدينتان كبيرتان في دولةٍ ما عاصمتين للثقافة, بينما تُعْمِلُ سلطاتُ ذلكم البلد المخالبَ والأظافرَ في الكتاب الذي هو رئةُ الثقافة؟.
الثانية – جلبتُ تلكم الكتب الكوردية المُصادرة من تركيا, وهي مطبوعةٌ في دور نشرٍ كوردية مرخصة قانوناً هناك, ويُمكِنُ للمرءِ اقتناءُ الكتب الكوردية من المكتبات ومن معارض الكتب التي تُقامُ في تركيا, وحينَ كنا في أيام ” آمد ” الثقافية كان هنالكَ معرضٌ للكتاب الكوردي, مُقامٌ على هامش الفعالية, وفي مبنى البلدية التي هي مؤسسةٌ حكوميةٌ تركية, فأينَ سوريا من تركيا اليوم فيما يتعلقُ بالتعامل مع الثقافة الكوردية, سيما وأنَّ تركيا من الدول التي أذاقت الكوردَ الأمرَّين عبر عقودٍ من السياسات التغييبية, ولا تزالُ تُراهنُ على البُعد الإقصائي في التعامل مع القضية الكوردية.
الثالثة – إخراجُ الكتب من سوريا أمرٌ يسيرٌ, بينما إدخالها إلى سوريا فأمرٌ عسيرٌ, فحينَ عبرتُ الحدودَ إلى أيام ” آمد ” الثقافية لم يُصادر الأمنُ السوريُّ النُسخَ العشر من مجموعتي الشعرية ” بحيرة الغبار “, وحين عُدنا جرى ما جرى رغمَ أنَّ الكتب كانت أدبية أيضاً.
الرابعة – منذ عام 2004 يقامُ في المراكز الثقافية التابعة لوزارة الثقافة السورية معارضُ كتابٍ, في شهر أيار من كل عام, هدفها تشجيعُ ما يمكن أنْ يسمى ” القراءة للجميع “, والكتبُ المعروضةُ تكونُ من منشورات وزارة الثقافة واتحاد كتاب العرب, وتلكم الكتبُ أقلُّ ما يقالُ عنها أنَّها سقطُ متاعٍ ليسَ إلا, فأيُّ تناقضٍ سافرٍ هذا في التعامل مع الكتاب, يصادرونه من جانبٍ ويروِّجون لفعل القراءةِ من جانبٍ آخر.
ماذا نفعلُ أيتها الأجهزة الأمنية؟. فنحنُ جيلُ الـ ” نسكافيه ” عصبيون, ونردُّ على الحروب والإيديولوجيات المتطاحنة وطوفان الهزائم اليومية بقراءة الكتب. نحنُ نتقدم في العمر .. في الشأن العام / الخطيئة .. في الاختلاف / الجريمة .. في المراثي, فماذا نفعل إذا كنا تقليديين بما فيه الكفاية, تماماً كقطارٍ بُخاري قديم, ونزاوجُ بين الانترنت والكتاب الورقي, ونفضِّلُ الورقَ على الانترنت, ونوجعُ رأسكم دائماً بتقليديتنا, فكلَّما خرجنا من البلاد نصطحب كتاباً, وكلَّما عُدنا اصطحبنا كتباً.
أتساءلُ اليومَ, بعد سنةٍ كاملةٍ أو يزيدُ على مصادرة كتبي الجميلة: هل قرأها عناصرُ الأمنِ تُرى واكتشفوا فيها أشياء مدخولة فقاموا بوأدها؟. أمْ أن مدفأة شعبة الأمن على الحدود تحتاجُ إلى إشعالها من ورق الكتب, سيما وأن هذا الشتاء هو الثاني على محنتها؟.
الأمنُ السوري إذْ اعتقل كتبي, إنما أسبلَ بذلك الظلامَ على الضياءِ.