الرئيسية » مقالات » اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران .. والمزايدات السياسية

اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران .. والمزايدات السياسية

تقفز إلى صدارة الحدث ,استحقاقات ستراتيجية مجمدة , وتنتقل لصيغة المواضيع المهمة والمستعجلة والتي تتطلب الحل السريع ! سابقة ماعداها من أمور تهم معيشة وحياة المواطن , كما الدولة والمجتمع , ولو قلبناها بوعي وعين المستفهم والفاحص نجدها من الأرشيف المغبر وغير المقدور على التعامل معه بايجابية عند حساب موازين القوى و كان للدولة و للحكومة برنامج عمل يستحق الانجاز , مطالبة بتحقيقه , وتجري محاسبتها عليه في مجلس النواب , فما بال هذه البالونات تنفخ ؟ حتى يظن السامع والقارئ , إن العراق كوطن وشعب قد انتقل تماما إلى بر الأمان وبدأ يرتب أوراقه , وفي المقدمة منها تأكيد وتوثيق مناطق الحدود بصورة ثابتة ونهائية مع الجيران .
– الحدث الجديد اليوم انطلق من مجلس الرئاسة العراقي , وتصريح أعلى مسؤول فيه السيد جلال الطالباني حول الوضع القانوني لاتفاقية الجزائر الموقعة في العام 1975 باعتبارها لاغيه حكما لأنها ضد مصلحة الشعب العراقي , ولم تعترف بها المعارضة العراقية سابقا,والحاكمة اليوم , عند توقيعها وإقرارها, , والكلام الحق لايزال للسيد الطالباني , ولكن ماالذي استجد بعدها ليصدر المكتب الرئاسي بيان نفي للتصريحات وتثبيت للاتفاقية , وهو تناقض غريب في المواقف يصلح لصغار متعاملي البورصة , لا اكبر سلطة يدار من خلالها العراق , ثم يأتي مؤتمر صحفي لاحق للسيد الرئيس , يوازن فيه بين الوجهين المختلفين ويدعو إلى اتفاقية ستراتيجية جديدة مع إيران, أي إن الطقس السياسي لبنود الاتفاقية يتحول من السلبي إلى الايجابي إلى المتعادل , وليختر المستهلك العراقي مايريد شرائه من هذه البالونات السياسية , وليتعود على المطاطية في تبديل المواقف , وكأنه اختبار للطرف المقابل وقياس رد فعله ثم تأتي وعلى الأغلب المقايضة ,(علما أن أهم سبب لعودة ذكر الاتفاقية هو التجريف المستمر والزحف لخط الثالوك إلى داخل الأراضي العراقية وهو مالم تسميه التصريحات الرسمية) وكأن ذلك هم المواطن صاحب الأرض والبساتين , بينما همهم في كل الأحوال بيع وشراء مواقف على مستوى القيادات والأحزاب وما تمثله من مصالح فئوية ضيقة لا علاقة لها يشؤون الوطن ككل متوحد , أو الشعب الذي ينطق باسمه من يجلس على الكرسي الفدرالي وليس الإقليمي أو المناطقي .
– ماننتظره ونود معرفته هو النتيجة ونسبة النجاح عند فتح ملف معقد وشائك المسالك , لحكومة وقيادة لاسيطرة لها , حتى على جانبهم من الأرض والمياه التي يعيدون النظر في اتفاقيتها , والحديث هنا عن شط العرب , فغيرهم له مركز الثقل والنفوذ ويقود مجموعات تهريب النفط , بينما (قوات الحكومة ) تتفرج من داخل ثكناتها وشعارها في التأني السلامة وفي العجلة الندامة , وهي محقة لضعف إمكاناتها الذاتية من العتاد والسلاح والمعنويات , مقابل مايتوفر للمهربين ومن ورائهم من أموال وأسلحة فتاكة , هذا مايدور في البصرة , وهو ليس استثناء للوضع العام في البلد , حيث سلطة مركزية ضعيفة مخترقة لاقرار مركزي لها , وإلا ماتفسيرالتداول الخجول للجهاز الحكومي وصمت رئيسه مثلا عن هذه المسألة بالذات أي اتفاقية الجزائر وملحقاتها ؟ , مادام رئيس الدولة قد فتح الملف , وهل صحيح مايراه البعض من إن طرح القضية حاليا هو لمجرد إحراج الحكومة أو أطراف رئيسية داخلها !
– ونعود للتكرار واستيضاح نسبة النجاح في فتح الملفات , وتقييم نتيجة خوض غمارها , وأمامنا دليل آخر غير بعيد هو قضية ديون الكويت وتعويضاتها وما استبشرنا به من خلال تصريحات الوفد الرئاسي والبرلماني وذهابه (لإطفاء) سعير تلك المليارات المستقطعة من واردات النفط العراقي سنويا , وقيام الكويتيون حتما بفرش سجادة التفاؤل العريضة لتنزل عليها طائرة الرئاسة العراقية , ماخرج به الوفد في ختام المباحثات هو الفشل التام وزيادة في طلبات البحث والتمحيص عن ماللكويت, ونسيت ذكره للجنة التعويضات داخل العراق ! ثم اعتراف متكرر رئاسي وزيادة في الكرم بحق الكويت على الأجيال العراقية من الأموال , رغم كل مانمر به من صعوبات وألم , جعلت معظم دول العالم ليس فقط تلغي ديونها بل تحاول مد يد المساعدة للشعب بما تستطيعه , ويعبر فلتر فحص مسؤولينا الميامين , هل جرى عند العودة تقييم لنتائج الزيارة ؟ وسبب تناقض تصريحات ماقبلها وما بعدها , وما يعكسه الإصرار على زيارات فاشلة النتائج وبدون تمهيد , مع ليونة مواقف ومجاملة ختامية , على مجمل التعامل الخليجي ودوله لمسألة التعويضات والديون العراقية , والتعامل المستقبلي بصددها عند بدء مباحثات فعلية .
– عودة إلى اتفاقية الجزائر , وغياب الوعي والشعور بالمسؤولية الوطنية , عند التعاطي والتعامل مع قضايا مصيرية وحاسمة ومؤثرة على المدى البعيد كما في حال تثبيت الحدود الدولية وما فقده ويخسره العراق من مناطق وأراض وحتى مياه إقليمية , بسبب تعاقب الأنظمة وانقلابها على بعضها والاحتراب الداخلي المستمر , وسعي دول الجوار الدائم للاستفادة من هذا اللا استقرار , للابتزاز والسيطرة والتدخل , فاتفاقية الجزائر 1975 عقدها النظام السابق مضطرا ولأسباب داخلية تتعلق ببقائه , ونقضها وألغاها في 1980 , انتقاما من ضعفه السابق وتنازلاته وشعوره بالزهو والقوة تجاه الجار الذي يمر بمرحلة حرجة , ثم عودته مضطرا ثانية للقبول بها في العام 1990 كمقايضة مع إيران كما يعتقد وثمن لسكوتها عن سيطرته على الكويت , يقابل هذا الاهتزاز السياسي , دهاء إيراني وحنكة وثبات على ستراتيجية واضحة أساسها المصلحة الوطنية , واستثمار التكتيك السياسي بما يخدمها بغض النظر عن تبدل النظام .
– مانفقده على الأرض يستثمره القادة لمصلحة تكتلاتهم أو تحالفاتهم ! وقضية كبرى كمسألة التعامل والعلاقة الحالية والمستقبلية مع إيران , واتفاقية الجزائر وبنودها فرع لها , تتطلب أولا اتفاق شامل وواضح داخلي , يناقش تفصيليا بين الكتل السياسية الموالية والمعارضة للخروج بجدول أعمال أو اتفاق , لايتم لويه أو استثماره في خلافات الأحزاب لتحقيق مكاسب ذاتية , ابرز تجلياتها وكمثال هو الاندفاع الغريب والمفاجئ والشديد اللهجة للسياسي السيد محمود عثمان في نقد اتفاقية الجزائر الخيانية حاليا في نظره ولا ندري إلى متى ؟ ونتمنى له دوام الموقف لانقضه كما هي العادة , كما نتمنى منه الاستمرار في (الصحوة ) والدفاع عن مصالح العراق الجنوبية ومنها حدود شط العرب , كما لو كانت كركوك وتطبيق المادة 140 من الدستور فورا , لنأمن حينها نحن المواطنين ونطمئن بان لنا رجال مدافعين عن الحق الوطني من الشمال إلى الجنوب , ونتمنى أن يشمل ذلك في تصريحات السيد عثمان (على قلتها)المطالبة بطرد مسلحي العمالي التركي من ارض كردستان العراق , لأنهم يدمرون علاقات العراق الوطنية مع الجارة تركيا .
– ختاما الستراتيجية هي الوطن ومصالحه المشروعة , والتكتيك هو مجموعة المصالح الذاتية لفروع المكون العراقي وما يدافع به ويحاجج به كل طرف عن مقدار حصته في ارض وموارد هذا الوطن .