الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة التاسعة والأربعون )الملك خَشْتريت الميدي

مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة التاسعة والأربعون )الملك خَشْتريت الميدي



رحلة الأسماء


تأسيس الدول بحاجة إلى جهود زعماء عديدين، وعلى مدار أجيال.


أما تهديم الدول فيكفي أن يقوم به شخص واحد، وفي جيل واحد.


ذلك هو التاريخ، وتلك هي المأساة.


وكذلك كانت حال الدولة الميدية؛ فالمؤسسون الأوائل كانوا ثلاثة: دياكو (ديوكو) هو الأول، وخَشْتريت (فراورتيس) هو الثاني، وكَيْ خسرو (كياكسار) هو الثالث. أما الهادم فكان أستياجس (أستياگز). وقد خصصت لكل من دياكو وكي خسرو وأستياجس حلقة خاصة، أما خشتريت (فراورتيس) فأوردت معلومات قليلة عنه في آخر الحلقة الثانية والأربعين الخاصة بالمؤسس الأول دياكو، ولم أفعل ذلك استصغاراً لشأن خشتريت، أو تقليلاً من جهوده التأسيسية، وإنما لأن المعلومات التي جمعتها عنه حينذاك كانت قليلة جداً، وبعد حين اطّلعت على معلومات جديدة خاصة بجهوده في تعزيز الحضور الميدي بغربي آسيا، وحصلت على معلومات إضافية حول الدولة الميدية بشكل عام، ورأيت من المفيد أن أضع تلك المعلومات بين أيدي القراء في حلقة خاصة، كي تصبح صورة قيام الدولة الميدية متكاملة في أذهانهم.


ولا بد في البداية من وقفة عند معضلة الأسماء في التاريخ القديم، بلى إنها معضلة حقيقية تواجه قارئ التاريخ كائناً من كان، وتصبح أحياناً معضلة ليست مزعجة فقط، وإنما مضلِّلة أيضاً، وإليكم بعض الأمثلة:


· الكرد: عُرفوا باسم (كُورْتَش Kurtash)، كورتي، كاردو، گردا Grda، كاردوخي، كوردوئين، چوردي، أكراد).


· الميتانيون: فرع كبير من جدود الكرد، ومن أسمائهم (حوريون)، والحوريون أنفسهم يسمّون (هُوري)، و(خُوري)، وفي التوراة (حُويِيم) و(حُورِيم).


· الگوتيون: فرع كبير من جدود الكرد، يسمون (جُوتي)، و(غُوتي)، و(جُودي)، وإلى هذه الصيغة نُسب جبل (جُودي) في القرآن الكريم، باعتبار أن ذلك الجبل كان من جملة المواطن التي استقر فيها الگوتيون.


· أذربيجان: من أسمائها القديمة )ألبانيا، وأتروباتيا(.


· الفرس: يسمون )پُرس، أخمينيون، عجم(.


· اليونان: يسمون )إغريق، هيلليني(.


· البحر الأحمر: كان يسمى )البحر الأرتيري(.


· حلب: من أسمائها القديمة )خَلَب، بَرهوَيه(.


والأمثلة في هذا الباب كثيرة جداً، بل إن قارئ التاريخ القديم، وكذلك الباحث في الجغرافيا القديمة، لا يتمكن من فهم الأحداث والشخصيات والأماكن على حقيقتها ما لم يقم برحلة مع الأسماء، ويعرف التغيرات التي طرأت عليها خلال القرون، وتحصل هذه التغيرات والتحولات نتيجة أمور أهمها:


· الاختلاف في الصوتيات بين اللهجات ضمن اللغة الواحدة (مثلاً: كُردي Kordi، كِرديKirdi ، چُوردي Chordi في العربية).


· الاختلاف في الصيغ بين اللغات (مثلاً: أخميني Akhmanish سمّوا  في العربية: عَجَم)، وأطلق هذا الاسم على سكان بلاد فارس، ثمّ عُمّم على كل من هو غير عربي (أعاجم).


· إطلاق اسم شخص أو قبيلة على شعب بأكمله، مثل إطلاق اسم (إسرائيل)- وهو لقب للنبي اليهودي يعقوب- على العبرانيين.


· إطلاق اسم جديد على مسمًّى سابق، مثل (جزيرة بُوتان، سماها العرب: جزيرة ابن عُمَر)، ومثل (آمدانو، آمد، سماها العثمانيون: دياربكر)؛ وقد اقتبسوا هذه الصيغة من اسم (ديار بكر) الذي أطلقه العرب ليس على مدينة آمد، وإنما على المنطقة التابعة لها، والدليل على ذلك أن كل الأعلام الذين نُسبوا إلى (آمد) قبل العهد العثماني كانت كنيتهم (الآمدي)، وليس (الدياربكري/ الديابكرلي)، وأبرز مثال على ذلك الناقد الكبير (أبو القاسم الآمدي) صاحب الكتاب النقدي الشهير (المُوازَنة بين شعر أبي تَمّام والبُحْتُري).


إرث ثقيل


ويصدق هذا في اسم خَشْتريت أيضاً، وقد تُنطق (خاشتريت)، وفي الحالين تعني بالكردية المعاصرة: (الأكثر سعادةً/ الأكثر حيوية)، مع الأخذ في الحسبان أن الكردية المعاصرة تشتمل على كثير من الصيغ والصوتيات الميدية القديمة. وبدءُ الأسماء بالمقطع (خاش) أمر شائع في الأعلام الميدية خاصة والكردية عامة، ومثال ذلك في الميدية: كَيْ خُسْرُو (بالعربية: كِسْرى)، فهو محرّف من: كَيْ خشرو/خاشرو/خاشْ- رُو (الملك السعيد)، أو (الميمون الطلعة) إذا نطقنا المقطع (رُو Ro) بصيغة Ru التي تعني (الوجه/المُحيّا/الطلعة). وفي الكردية الحديثة (خوشناف) Khoshnav، وكثيراً ما تتبادل صيغتا (خُوشْ) و(خاشْ) مواقعهما في صوتيات اللغة الكردية.


وسُمّي خشتريت في بعض المصادر (گشتريتي) أيضاً، وخشاثريتا Khshathrita، كما هو وارد في كتابات نقش بهستون التي دُوّنت في عهد الملك الأخميني الثالث دارا الأول (522 – 480 ق.م)، وسمّاه هيرودوت باسم (فرورتيس) Phraortes، وحُرّفت هذه الصيغة أحياناً إلى (فرورتيش)، وكتبه بعض المترجمين العرب بصيغة (فراورطيس)، وأورده أخرون بصيغة (براورتيش/ برا ؤرت)، وأورده دياكونوف بصيغة (فرِؤرت/ فرا أورت)، ورأينا من الأنسب أن ننطق اسم هذا الملك بالصيغة الميدية (خَشْتريت) لسهولتها وأصالتها.


وتفيد معظم المصادر التي تناولت سيرة هذا الملك أنه ابن الملك الميدي الأول (دياكو)، وثمة احتمال ضعيف بأنه حفيد دياكو؛ حسبما ذكر دياكونوف (دياكونوف: ميديا، ص 256). وبمتابعة التسلسل الزمني لعهد كلٍّ من دياكو وخشتريت، والمهمات الجسام التي قام بها خشتريت، يصبح راجحاً أن خشتريت هو ابن دياكو وليس حفيده؛ إذ من المنطقي أن يكون الذي قام بتلك المهمّات الخطيرة، على الصعيد الاجتماعي والسياسي والعسكري، رجل راشد ناضج متمرّس، وليس شابّاً غضّ العود وحديث عهد بأمور القيادة والسياسة.


وقد مرّ في الحلقة الثانية والأربعين أن الزعيم الميدي دياكو كان أول من جمع كلمة القبائل التي تسكن بلاد ميديا، وكان أول من كافح بصبر وذكاء للانتقال بالمجتمع الميدي من منظومة القَبيلة، ومنظومة (القرية- الدولة)، إلى منظومة الدولة الجامعة المانعة، وعمل بحزم لترسيخ الوعي المؤسسي في ذهنية الإنسان الميدي، إدراكاً منه بأن الذهنية القبلية الضيقة والمتعصبة لا تستطيع تكوين مجتمع حضاري، هذا عدا أنها، مهما أوتيت من بسالة وفروسية وروح الفداء، غير قادرة على مواجهة مؤسسات دولية (نسبة إلى الدولة) تمتلك سلطة اتخاذ القرارات، ولها في الوقت نفسه قدرة عالية على تنظيم القدرات المعنوية والموارد المادية، وتوظيفها في تحقيق الأهداف المرسومة.


ولن ندرك بدقة أهمية ما بدأ به دياكو من إنجازات، واستكمله بعدئذ ولده خشتريت، ما لم نلق نظرة على الخريطة الإقليمية في غربي آسيا خلال النصف الأول من القرن الثامن قبل الميلاد، فحينذاك كانت بلاد ميديا محاطة بأربع دول إقليمية قوية: هي دولة منّانيا (يسميها ديانوكوف: ميثانيا) في الشمال الشرقي، ودولة أورارتو في الشمال الغربي، والإمبراطورية الآشورية في الغرب، ودولة عيلام في الجنوب، إضافة إلى دولة أخرى كانت للسكيث في شمالي ميديا قرب القوقاز، وكانت بلاد ميديا هي وحدها التي تفتقر إلى الاستظلال بلواء دولة واحدة.


سلوك غريب


وقد لعب دياكو لعبة التوازنات الإقليمية المعقدة بذكاء ودهاء، واستطاع أن يتسلل من خلال تنافسات الدول المجاورة، وعبر تقاطعات المصالح فيما بينها، فيجمع قبائل بلاد ميديا في دولة واحدة، ويبدو أنه جعل نفسه في البداية تابعاً لدولة منّانيا في الشمال الشرقي (أذربيجان)، ليرد عنه اعتداءات الدول الأخرى، ولا سيما الإمبراطورية الآشورية، وبنى تحالفاً مع دولة أورارتو في الشمال الغربي، ولا ننس القرابة الثقافية والإثنية بين قبائل ميديا ومنّانيا وأورارتو، وتحت ستار تلك التبعية وذلك التحالف راح دياكو ينظّم أمور دولته الناشئة، ويعمل لمَأْسسة العلاقات في المجتمع الميدي، واتخذ إكباتانا عاصمة، ونصب نفسه ملكاً، وأسس جيشاً، وها هنا كان من الطبيعي أن تتوجّس القوة الإقليمية الكبرى (الإمبراطورية الآشورية) خيفة من ظهور هذه الدولة الجديدة، وخاصة أن تجربة الحكام الآشوريين في إخضاع القبائل الميدية كانت تجربة مريرة، فكيف إذا اجتمعت تلك القبائل تحت لواء دولة واحدة، وفي جيش واحد، وكانت بقيادة زعيم ذكي وشجاع وطموح مثل دياكو؟!


وكان من الطبيعي- حسب الذهنية الإمبراطورية- أن يعمل الحكام الآشوريون للقضاء على الدولة الميدية الناهضة المتاخمة لها، وكان من الطبيعي أيضاً– حسب الذهنية التحررية الاستقلالية- أن يتصدى دياكو للمضايقات والتحرشات الآشورية، ولم تدم فترة المناوشات الأولية بين الفريقين طويلاً، وحفاظاً على المجال الحيوي للإمبراطورية الآشورية سرعان ما قاد الملك سرجون الثاني جيشه القوي الشرس إلى جبال ميديا، فحطّم الحلف الميدي الأورارتي، وقضى على القوة الميدية، وأسر دياكو سنة (715 ق.م)، وفي رواية سنة (714 ق.م)، ونفاه مع أسرته وحاشيته الملكية إلى حماه (هامات) في سوريا.


والحقيقة أن هذا التصرف المرن بعض الشيء غريب على سلوك حكام آشور، فالمعروف أنهم كانوا يلجأون إلى البطش بالزعماء الذي يثيرون القلاقل ضدهم، وكانوا يقودونهم أسرى مهانين إلى العاصمة نينوى، وهناك كانوا يعرّضونهم لأبشع أنواع الإذلال، ولأشنع أشكال التعذيب، كانوا يقطعون ألسنتهم، ويبترون أعضاءهم، ويسلخون جلودهم، ويرفعون رؤوسهم على أسنة الرماح، ليكونوا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالثورة على السلطات الآشورية، فلماذا لم يقم سرجون الثاني بإعداد حفلة البطش والتعذيب إياها للزعيم الميدي دياكو وللقادة الذي قاتلوا الجيش الآشوري تحت لوائه؟! ولماذا اكتفى بنفيه بعيداً إلى سوريا؟ّ بل لماذا سمح الآشوريون له بعدئذ بالعودة ثانية إلى ميديا؟ّ


هذه وغيرها أسئلة تبحث عن إجابات مقنعة، ولعل السبب الأبرز أن الآشوريين وجدوا في دياكو زعيماً يساعدهم على تهدئة الأوضاع في ميديا، تلك البلاد المنيعة بجبالها، والتي يسكنها أناس بواسل يعشقون الحرية، ويأبون الانصياع، ويكون في الوقت نفسه حليفاً لهم ومؤيداً لسياساتهم، ولا سيما أن ميديا كانت تتوسط عيلام ومنّانيا وأورارتو، وسكيثيا، وكانت هذه الدول الأربع تسبّب، بين الحين والحين، بعض المنغّصات لراسمي السياسات الآشورية ومنفّذيها، وتتملّص من التبعية لآشور والتحالف معها كلما سنحت لها الفرصة.


وألمح وراء المرونة غير المعهودة التي أبداها حكّام آشور إزاء دياكو سبباً منطقياً آخر؛ ألا وهو أهمية بلاد ميديا- ولا سيما العاصمة إكباتانا- بالنسبة إلى الاقتصاد الآشوري، ولعلي أشرت في حلقة سابقة إلى أن الطرق التي يسلكها التجار هي الطرق ذاتها التي تسلكها الجيوش، وهي الطرق ذاتها التي يسلكها دعاة الأديان، أجل، إن للتاجر والكاهن والغازي المسارات نفسها، وإذا أخذنا هذه الحقيقة بالحسبان أدركنا حاجة الإمبراطورية الآشورية إلى السيطرة على طرق التجارة العالمية الموصلة من غربي آسيا إلى وسط آسيا وشرقيها، تلك الطرق التي كان (طريق الحرير) هو الشريان الأكبر فيها، وكانت إكباتانا تسمى (ملتقى الطرق) تارة، (ملتقى الطرق الكثيرة) تارة أخرى، (ول ديورانت: قصة الحضارة، 2/ 400. طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 40) وسميت بذلك الاسم لأن فرعاً رئيسياً من فروع (طريق الحرير) كان يمر ببلاد ميديا، وتحديداً من العاصمة (إكباتانا).


وهكذا فقد كان من الغباء السياسي أن يقود حكام آشور الجيوش للسيطرة على طرق التجارة في شرقي البحر المتوسط وعلى الموانئ هناك، ليحققوا الاتصال مع أوربا غرباً، ويهملوا في الوقت نفسه السيطرة على طرق التجارة العالمية التي توصلهم إلى أسواق وسط آسيا وشرق آسيا، ولو فعلوا بذلك لحكموا على إمبراطوريتهم بالاختناق اقتصادياً، وبالضعف عسكرياً وسياسياً، وهذا ما لا يفعله حكام إمبراطورية يحتاجون على الدوام إلى جيش كثير العدد، ومتسلح بأقوى الأسلحة، ليستمروا في فرض هيمنتهم المطلقة على الشعوب المجاورة.


ونعتقد أن حكّام آشور لم يفرجوا عن دياكو وأسرته وحاشيته، ويسمحوا بعودتهم ثانية إلى ميديا، إلا بعد أن اتفقوا معه على أن يكون تابعاً لهم، ومنفّذاً لسياساتهم، وحامياً لمصالحهم في المنطقة؛ وأبرز دليل على ذلك أن المصادر لا تذكر أي تمرد آخر قام به دياكو ضد الإمبراطورية الآشورية بعد عودته، بل لا نجد فيها أية أخبار عنه، وهذا يعني أن الرجل كان قد قطع وعداً مع الآشوريين، وكان ملتزماً ببنود الوعد الذي قطعه، وتلك هي أبرز سمات الشخصية الكردية، أقصد عدم النكوث بالعهود، حتى ولو كانت ضد المصلحة الشخصية أو العامة، وكم دفع الكرد من ثمن غال لقاء هذا النهج في عالم السياسة خاصة!


المشروع التحرري


وبعد أن توفي دياكو سنة (675/ أو 674 ق.م) وتولى الحكم ولده خشتريت، حينذاك كان الملك الآشوري سرجون الثاني (722 – 705 ق.م) قد توفي، وكان خليفته سنحاريب (704 – 680 ق.م) قد قُتل بيد أحد أبنائه، وتولّى الحكم أسرحدون Eserhaddon (680 – 669 ق.م)، ولعل خشتريت وجد نفسه في حِلّ من اتفاقية والده مع السلطة الآشورية، ولعل ما شجّعه على ذلك هو التحولات التي طرأت على العلاقات السياسية في الدول الإقليمية، وليس من المستبعد أنه هو نفسه كان عنصراً فاعلاً في صناعة تلك التحولات؛ إذ لا أعتقد أن خشتريت- وقد تربّى في أحضان والده دياكو، ذلك الزعيم القدير والذكي والشجاع، والطامح إلى تكوين دولة قوية- كان سيخلد إلى الكسل، ويتقاعس عن تنفيذ مشروع والده التحرري الاستقلالي.


ومعروف أن معظم المعلومات المتعلقة بقيام دولة ميديا، وحربها التحررية الاستقلالية، وتحوّلها بعدئذ إلى إمبراطورية كبرى في غربي آسيا، ما زالت مدفونة في أنقاض القلاع والمدن، وهذا أمر شكا منه تقريباً كل من بحث في تاريخ ميديا، ولذلك ليس أمامنا إلا أن نملأ الفجوات التي تعترضنا بتوقعات واحتمالات تتناسب مع منطق الأحداث في ذلك العصر، ومن تلك الفجوات أن المصادر تفاجئنا بالزعيم الميدي خشتريت وهو يعقد التحالف مع بعض زعماء المناطق المجاورة، ويعلن الثورة على السلطات الآشورية، في حين وجدنا المصادر نفسها، وخاصة (تاريخ هيرودوت)، يذكر بالتفصيل الخطوات والإجراءات التي اتخذها دياكو على الصعيد الداخلي، قبل أن يتحرك على الصعيد الخارجي، ويعلن الاستقلال عن آشور.


ولا نعتقد أن خشتريت- وهو الزعيم الفَطِن- ترك الأمور فوضى داخل ميديا، وتوجّه مباشرة إلى عقد التحالفات مع القوى المجاورة، تمهيداً لإعلان الثورة على قوة إقليمية بل عالمية كبرى هي الإمبراطورية الآشورية، إن منطق الأحداث يقتضي أنه وجد نفسه في مجتمع متماسك إلى حد كبير، بفضل المؤسسات الاتحادية التي أرسى والده دياكو دعائمها، فالمعروف أن الكيان السياسي الذي أقامه دياكو لم يكن كياناً مركزياً، وإنما كان كياناً اتحادياً بين القبائل التي تقيم على أرض ميديا (كيان فديرالي حسب مصطلحات العصر الحديث)، وكان ثمة مجلس اتحادي يضم زعماء تلك القبائل، وينتخب ذلك المجلس كل مرة الزعيم الذي يتوسّم فيه القدرة على القيادة الرشيدة.


والأرجح أن ذلك الكيان الاتحادي استعاد عافيته بعد عودة دياكو من المنفى، وممارسته لسلطاته في الحكم من جديد، بل لا شك في أن دياكو عمل لتعزيز ذلك الكيان بصمت ودون إثارة توجّسات السلطات الآشورية وغضبها، وبطبيعة الحال كان بقاء ذلك الكيان الاتحادي متماسكاً يصب في مصلحة السلطات الآشورية أيضاً، فما دام دياكو قد ضمن للسلطات الآشورية ألا يثير القلاقل ثانية- وهذا ما التزم به فعلاً- فالأفضل أن يبقى ذلك الكيان كما هو بدلاً من أن يتشرذم، ويتحوّل إلى (صندوق باندورا)، فتخرج منه الأفاعي بحسب رواية الأسطورة اليونانية، وتثير المشكلات في وجه السياسات الآشورية.


ولا ننس في الوقت نفسه أن دياكو لم يكن زعيماً عادياً، إنه كان زعيماً ستراتيجياً من الطراز الأول، وكان صاحب مشروع نهضوي توحيدي تحرري متكامل، وصحيح أن الظروف الإقليمية لم تساعده على تنفيذ مشروعه بشكل تام؛ أقصد الاستقلال عن السلطات الآشورية، لكن في التاريخ العالمي أدلة كثيرة على أن أصحاب المشاريع الكبرى، وخاصة إذا كانت تشتمل على تحوّلات ستراتيجية جوهرية، لا يتخلّون عن مشاريعهم عند أول إخفاقة، وإنما يعرفون كيف يركبون الموجة أو ينحنون لها عند اللزوم، ويستمرون في ترسيخ أركان مشاريعهم في عقول الجماهير وقلوبها، كما يستمرون في تطوير الهيكلية المؤسساتية الكفيلة بالحفاظ على تلك المشاريع، منتظرين الفرصة المواتية للذهاب بمشاريعهم إلى غاياتها القصوى.


توازنات إقليمية


وليس ثمة ما يمنعنا من أن نحسن الظن بالقائد الميدي دياكو في هذا المجال، وليس ثمة ما يمنعنا أيضاً من أن نحسن الظن بولده وخليفته خشتريت، بل لا نشك في أنه كان، في حياة والده وبرعايته، من المساهمين الأوائل في السير بالمشروع النهضوي الميدي قُدماً إلى الأمام، وأنه عمل بكل ما أوتي من جهد لتعزيز قوة الجبهة الداخلية في المجتمع الميدي، وإعداد الجماهير والدولة للانتقال بالمشرع النهضوي التحرري من طور التخطيط إلى طور التنفيذ، وكان يدرك- ولا ريب- أنه لن يفلح في ذلك ما لم يعمل في الوقت نفسه على ترتيب الأوضاع إقليمياً، وإقامة تحالفات إقليمية تحمي مشروعه، وتمكّنه من تنفيذه.


وهكذا باشر خشتريت توحيد القبائل الميدية تحت قيادته، واستطاع أن يضم معظمها تحت سلطته، بل إنه جذب إلى صفه قبائل أخرى أهمها السمّيريون (الكيمّريون) Cimmerians والسكيث Scythians، وجعل القبائل الفارسية التي استقرت منذ القرن الثامن ق. م في الجهات الشرقية الجنوبية من إيران، تابعة له أيضاً، وذكر هيرودوت أنه عندما استلم خشتريت الحكم في مملكة الميديين اشتبك مع الپارس (الفرس) في المعارك، وفسر هيرودوت ذلك قائلاً:


ولم يكن فراورتيس هذا ليرضى بمملكة من الميديين وحدهم، فأخذ بمهاجمة الفرس، ثم دخل بلادهم على رأس جيش عرمرم، وما زال يجدّ في قتالهم حتى استولى على كل أرضهم، وأخضعهم للميديين“. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 80).


ويبدي دياكونوف الشك في مسألة سيطرة خشتريت على الفرس، ولا يقدّم دليلاً على شكه (دياكونوف: ميديا، ص 262)، علماً بأن هيرودوت قد استقى معلوماته من (الفرس الثقات) حسبما ذكر، ونعتقد أن هيرودوت كان على صواب، فالفرس كانوا يتاخمون ميديا من الجنوب الشرقي، وبما أن خشتريت كان قد قرر الهجوم على آشور في عقر دارها غرباً، فكان من الطبيعي أن يطمئن إلى أنه لن يُطعن في الظهر من قبل الفرس، ووجد أن أفضل وسيلة لحماية ظهر مملكته هي إخضاع فارس لحكمه. ويقول هيرودوت:


وبات فراورتيس ملكاً على شعبين كلاهما قوي ذو بأس، فمضى بعد هذا النصر الذي تحقق له ليستولي على آسيا [المقصود: غربي آسيا]، وكان له النصر في كل حملة، فأخذت البلدان تتهاوى واحد بعد الأخرى أمام سطوته، ثم كان أن شن الحرب في النهاية على الأشوريين “. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 80).


كما أن حكم خشتريت لبلاد ميديا جاء بعد فترة تراخى فيها الضغط الآشوري على بلاد آريانا (إيران)، في عهد الملك سنحاريب (704 – 680 ق.م) خليفة سرجون الثاني، بسبب انشغاله بالقلاقل في بلاد بابل وعيلام وسوريا (طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 39). واستمر الميديون في قوتهم في عهد الملك الآشوري أسرحدون (680 – 669 ق.م) خليفة سنحاريب، بل حدث نوع من التحالف بين الدولة الآشورية وبعض الأمراء الميديين، وقد جاء ذلك في نص المعاهدة السياسية التي أبرمها هذا الملك مع رؤساء الأقاليم التابعة للإمبراطورية في أخذ ولاية العهد لابنه آشوربانيپال Ashurbanipal (طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 39)


الثورة


واستعداداً لإعلان الثورة الكبرى على السلطات الآشورية بدأ خشتريت بالتحالف مع زعيمين مجاورين لبلاده، هما (مامي تيارشو) صاحب ماداي، و(دوسانتي) صاحب بلاد ساباردا، وذكر ديانوكوف أن هذين الحليفين كانا ميديين، وهذا يعني أنهما كانا يحكمان منطقتين من ميديا، لكنهما لم يكونا ضمن الاتحاد الذي أقامه دياكو (دياكونوف: ميديا، ص 251، 257). وبدأ القادة الثلاثة العمل في وقت واحد، واستكمالاً لامتلاك أوراق ضغط إقليمية قوية أخرى اتفق الحلفاء مع مملكة السكيث، ومع مملكة منّانيا، اعتقاداً منهم بأنهم بذلك يضمنون القوة الكافية لمواجهة جيوش الإمبراطورية الآشورية المعروفة بقوتها وبطشها (دياكونوف: ميديا، ص 251).


وفي شهر نوروز/مارس من عام (673 ق.م) انتفض الميديون بقيادة خشتريت، وهذا يعني أن خشتريت كان قد أعدّ العدّة لتلك الثورة منذ أيام والده، والحقيقة أننا لا نعلم هل ظل دياكو هو الحاكم في ميديا بعد عودته من المنفى، أم أن السلطات الآشورية عيّنت ابنه خشتريت ملكاً؟ ومهما يكن فقد أعلن خشتريت الثورة على آشور، يقول دياكونوف:


حين كان الميديون يحاصرون القلاع الآشورية فإن هذا كان يدعو إلى جذب الانتباه؛ لأن هذا الحصار لم يكن على شاكلة المعارك، بل يدل على انتفاضة وثورة، قامت على أرضية ستراتيجية، وفنون حربية، مثلاً إن الجيش الذي حاصر مركزاً آشورياً مهماً مثل قلعة كيشسو لم يكن نفس الجيش الذي كان يترك القرى، ويلجأ إلى الجبال خوفاً من اقتراب الجيش الآشوري. وفي الحقيقة إن الخبرة التي اكتسبها الميديون من الحروب المتعددة مع الآشوريين ظهرت بوضوح في هذا الوقت، ومن المحتمل أن گشتريتي بتحالفه مع السكان الصحراويين [يقصد السكيث] طوّر تكتيكات الحرب، والرمي بالسهام، وتدرب الفرسان على الحرب والفروسية والسباق، وعلى مختلف فنون القتال الأخرى، بهذا الشكل هرب الآشوريون من القلاع، وأخفوا أنفسهم، بينما كان الجيش الآشوري في ذلك الوقت معروفاً بشجاعته وقوته، ومسلحاً تسليحاً جيداً “. (دياكونوف: ميديا، ص 250، 251).


وفي منتصف شهر نيسان وبداية أيار من عام (673 ق.م) تحررت جميع الأراضي الميدية الشاسعة، وثار المواطنون الميديون في ميديا المركزية، وبدأ الثوار بالهجوم على القلاع الآشورية وحصارها (دياكونوف: ميديا، ص 252.) وذكر دياكونوف أنه في عام (673 ق.م)، وأثناء نشوب المعارك الآشورية الميدية التي تلت ذلك بين عامي (625 – 615 ق.م)، لم تكن الدولة الميدية وحدها تعمل لتحرير نفسها، وإنما كانت الدويلات والممالك الصغيرة الأخرى في المنطقة التي عُرفت بعدئذ باسم ميديا تعمل للهدف نفسه، وانضمت إلى الدولة الميدية المؤسسة آنذاك (دياكونوف: ميديا، ص 258)، وهذا يعني أن دياكو وخشتريت كانا قد أفلحا في تعميم المشروع النهضوي التحرري بين سائر الأقوام الميدية، فصار مطلباً عاماً.


وبلغت جرأة الملك الميدي أنه قرر أخيراً الهجوم على نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية نفسها، وإزاحة التسلط الآشوري على شعوب غربي آسيا جميعها، لكن حكام آشور، بما كانوا يمتلكون من خبرة سياسية طويلة، عرفوا كيف يواجهون الخطر الذي يداهمهم، وأدركوا أن خير وسيلة لإجهاض الهجوم الميدي على عاصمتهم هي إسقاط التحالفات الميدية مع الممالك المجاورة، وإشغال القوات الميدية بعدوّ معروف بقوته وبشراسته، أقصد السكيث، وكان السكيث قد تحالفوا مع الكيميريين أعدائهم السابقين، ونشروا الدمار في بلاد آشور، ودمروا مدن آسيا الصغرى، وشمالي سوريا، وفينيقيا، ووصلوا إلى دمشق وفلسطين. (طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 40). لكن حكام آشور روّضوا السكيث، وجروهم إلى صفوفهم، وزوّج الملك الآشوري آشوربانيپال ملك السكيث ماديا بن بارتاتوا (بروتوتي) من ابنته، ليقوّي التحالف الآشوري- السكيثي. (دياكونوف: ميديا، ص 260).


الإخفاق


وقرر آشوربانيپال البدء بضرب التحالف الميدي- المنّاني، فأعلن الحرب على منّانيا، وكانت المملكة المنّانية تشكل قوة عظيمة حينذاك (دياكونوف: ميديا، ص 61)، ودار صراع آشوري- منّاني، وحاول الملك المنّاني (أخسيري) الهجوم على الجيش الآشوري ليلاً والقضاء عليه، لكن الهجوم فشل، وأُجبر على الانسحاب، واحتل الآشوريون إيزيرتا (سقز الحالية جنوبي بحيرة أورميا) عاصمة المملكة المنّانية.


ويفهم من كتابات آشوربانيپال أن المواطنين في دولة منّانيا قاموا بانتفاضة جماهيرية لتأسيس المملكة الميدية، لكن الملك المنّاني أخسيري رضخ في النهاية للابتزاز الآشوري، وخضع لآشوربانيپال، وأعلن التبعية له، لكن الثوار رفضوا نهجه، وقتلوه ورموا بجثته من على الجبل، وقضوا على جميع النبلاء المنضمين إليه، فتحالف ابنه أوالي (أُوآلي) مع آشوربانيپال، وأرسل له ابنته هدية تعبيراً له عن الولاء، وفرض بانيپال الجزية والضرائب على شعب منّانيا.


والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أين كان خشتريت حينما هاجم الآشوريون مملكة منّانيا؟ ولماذا لم يبادر إلى نصرة حلفائه؟ وطبعاً لا نجد في المصادر إجابات شافية عن هذين السؤالين، لكن لا ريب في أن الآشوريين كانوا قد أشغلوا خشتريت مع قواته بمعارك في الحدود الآشورية- الميدية، أو لعلهم سلّطوا السكيث على بلاد ميديا لإشغال الجيش الميدي، والمهم أن خشتريت خسر حليفاً قوياً بانتقال منّانيا إلى التبعية الآشورية، وبقيت ميديا وحيدة في مواجهة الإمبراطورية الآشورية وآلتها العسكرية المرعبة، وذكر دياكونوف أنه من المحتمل أن ملوك منّانيا تلقوا مساعدة عن طريق ملك السكيث (ماديا) صهر آشوربانيپال، وأدّى ذلك إلى عدم الارتياح بين السكيث والميديين الذين كانوا في جنوب منّانيا. (دياكونوف: ميديا، ص 264).


وهكذا أحكمت السلطات الآشورية قبضتها على الممالك التي كانت متحالفة في السابق مع خشتريت، وأعادتها إلى بيت الطاعة، ثم أوعز بانيپال إلى السكيث لمهاجمة الميديين من الخلف بقيادة ماديا بن بارتاتوا، وصارت القوات الميدية بين قوتين مقاتلتين شرستين ومتمرّستين، فخسر خشتريت المعركة، والأرجح أنه قُتل فيها سنة (653 ق.م)، بعد أن حكم ميديا اثنتين وعشرين سنة، وكانت النتيجة أن السكيث احتلوا ميديا حوالي ثمان وعشرين سنة (653 – 625 ق.م)، (طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 40)، ولا ريب في أن ذلك كان بموافقة حكّام آشور، ولعلهم قدّموا ميديا للسكيث مكافأة لهم على ما قدّموه من دعم لإنقاذ الإمبراطورية من الانهيار.


وكان على ميديا أن تنتظر زعيماً آخر يستكمل المشروع التحرري.


وكان ذلك الزعيم هو كَيْ خسرو (كياكسار) بن خشتريت.


المراجع


1. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت، رام للطباعة والنشر، دمشق.


2. الأستاذ طه باقر، الدكتور فوزي رشيد، الأستاذ رضا جواد هاشم: تاريخ إيران القديم، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1979 م.


3. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001م.


4. ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، الإدارة الثقافية، جامعة الدول العربية، الطبعة الرابعة، 1973، المجلد الأول، الجزء الثاني.


وإلى اللقاء في الحلقة الخمسين.


د. أحمد الخليل في 1 – 1 – 2008