الرئيسية » مقالات » العراق وعام جديد , فهل من أمل قريب بالأمن والاستقرار والسلام؟

العراق وعام جديد , فهل من أمل قريب بالأمن والاستقرار والسلام؟

مع بدء كل عام جديد يتبادل الناس المراسيل التي تحمل معها التهاني والتحيات والتمنيات وترجو لهم الحب والحنان والفرح والصحة المفورة والعمل والعيش الرغيد , فهل سيحمل العام الجديد بعضاً من ذلك لشعبنا العراقي؟ هذا ما يتساءل به الناس من عراقيين وغير عراقيين. وكثيرة هي الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه أو على الآخرين بشأن واقع واتجاهات تطور الأوضاع في العراق بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على سقوط الدكتاتورية الصدامية ورأسها الدكتاتور المقبور صدام حسين. إذ كان هذا الدكتاتور السبب الرئيس والمباشر في معاناة الشعب العراقي لعقود عديدة وسببت سياساته في تعميق وشمولية الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي عاش فيها العراق طيلة تلك العقود , ولكن بشكل خاص بعد أن فجر الحرب ضد النظام الإيراني الاستبدادي المتخلف , ثم غزو دولة الكويت وفرض الحصار الاقتصادي وحرب الخليج الثانية وامتدادات تلك السياسات العدوانية والشوفينية وعواقبها الوخيمة على المجتمع العراقي وعلى العلاقة بين مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية. فمن يتابع الوضع في العراق يواجه دون أدنى ريب وجود أزمة عميقة وشاملة تلف المجتمع العراقي كله , فهي أزمة متعددة الجوانب والأبعاد , أزمة سياسية – أمنية , واقتصادية – اجتماعية – ثقافية متشابكة ومتفاعلة في ما بين مكوناتها تنعكس عواقبها الوخيمة على المجتمع العراقي كله , ولكن بشكل أخص على الفقراء والكادحين والعاطلين عن العمل والمشردين والمهجرين قسراً في الشتات العراقي الدولي.
ليست الأزمة الراهنة التي يواجهها العراق نتاج السنوات الخمس المنصرمة , بل هي نتاج الفترة الصدامية وما قبلها أولاً , ولكنها نتاج الفترة الجديدة التي أعقبت سقوط النظام والطاغية. فهي في بعض أوجهها تراكما لعوامل سابقة , وخاصة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية , ولكنها في جوانب أخرى هي نتاج لعوامل سياسية جديدة وعوامل ثقافية ودينية تدفع بالأزمة السياسية والأمنية إلى التفاقم وتفرز عواقب إضافية تجد تجلياتها في الصراعات الجارية حالياً على مستوى العراق والمحافظات وكل بقعة من أرض الرافدين. إنها المأساة والملهاة في آن واحد.
الأزمة العراقية الراهنة هي من حيث المبدأ من صنع محلي وعواملها داخلية بالأساس وتراكمية , ولكنها تزداد احتقاناً وتتفاقم حدتها بسبب التدخل الإقليمي والدولي وتأثيرها المباشر على العوامل المسببة للأزمة وعلى القوى الفاعلة فيها وباتجاهات مختلفة وتبدو معها وكأن العراق أيل إلى الانهيار والتشظي.
إن أبرز العوامل المتسببة في تسعير الأزمة وتشديد لهيبها يكمن في الطائفية السياسية التي أخذت بخناق المجتمع وبدأت منذ سنوات خمس , دعْ عنك سياسات النظام السابق الشوفينية والطائفية المقيتة , تلتهم الناس من مختلف الأديان والطوائف الدينية بنيرانها المشتعلة , ثم بدأت تلتهم بنات وأبناء كل طائفة بسبب صراعات القوى السياسية الطائفية وميليشياتها المسلحة في ما بينها , إضافة إلى الأفعال الإجرامية الجبانة لقوى الإرهاب العديدة الأخرى.
نحن أمام واقع جديد لم يتفاقم فيه الصراع الطائفي كما هو عليه الآن. ولا ينطلق هذا الصراع من الناس البسطاء والطيبين في العراق , بل من القوى والأحزاب السياسية التي بنيت وأقيمت أساساً على أساس طائفي وتعمل لأغراض ومصالح طائفية سياسية وليست مذهبية بحتة , وكرست بفعل سياسات قوى الاحتلال منذ دخولها العراق , تلك السياسات التي نفذها بعقلية استعمارية وقحة بول بريمر.
ليس هناك من حزب ديني سياسي ينشأ إلا ويستند إلى أسس طائفية سياسية تميز بين أتباع المذاهب الدينية المتعددة , وتريد انتزاع السلطة لنفسها , وتريد فرض شريعتها على الدولة والمجتمع. هكذا كان في السابق , وهكذا هو اليوم وسيكون هكذا في المستقبل. وبالتالي فأن حصيلة وجود مثل هذه القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية هو الصراع في ما بينها الذي يمكن أن يتفجر باستمرار ليعم بنات وأبناء الطوائف كلها. وخير دليل على ذلك ما يعيشه المجتمع في العراق منذ سنوات خمس. أشير مرة أخرى إلى أن عوامل أزمة العراق كثيرة ومتعددة الجوانب والوجوه , ولكن الطائفية السياسية وسياساتها غير العقلاني , وهي التي تشكل اليوم مركز الثقل في الأزمة الراهنة وما ينجم عنها وينعكس على فئات المجتمع دون استثناء , مع فارق مهم هو أن آثار ها السلبية الحادة للأزمة ينعكس على الفئات الكادحة والفقيرة من فئات المجتمع.
ومن يتابع مواقف وتصريحات ونشاط رئيس الحكومة العراقية السيد المالكي يدرك بأن الرجل مأزوم تماماً ويعيش محنة متعددة الجوانب تزيد من أعبائه وأعباء الوضع السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي والثقافي المتدهور ومن أعباء المجتمع , وهي مرتبطة بوجوده على رأس الحكم في هذا العراق المتعدد القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية من جهة , ويقود حزباً سياسياً عقائدياً وطائفياً سياسياً من جهة أخرى.
دعونا نفكر بموقف السيد المالكي. الكثير منا عاش الحياة السياسية العراقية , وكثير منا ارتبط بهذا الحزب أو ذاك. وحين يلج أي إنسان في حزب ما فهو ناجم عن ثلاثة مواقف:
1. إما أن يكون الإنسان مؤمناً بذلك الحزب وبمبادئه وأسسه وسياساته ومواقفه , رغم احتمال وجود بعض الخلافات أو التباينات في بعض المواقف أو السياسات؛
2. وإما أن يكون هذا الإنسان انتهازياً ساعياً وراء مكسب ما , سواء مكسب وظيفي أ مالي أو امتيازات أخرى توفر له ما يشاء , وربما وغالباً ما يكون على حساب الآخرين والمجتمع.
3. وإما أن يكون الإنسان مجبراً على دخول هذا الحزب حين يكون هذا الحزب في السلطة , كما كان يحصل في العهد ألصدامي أو في هذه الأيام أيضاً.
فما هو موقف السيد المالكي من حزبه؟
لدي الثقة بأن السيد المالكي قد انتمى إلى حزب الدعوة بمحض إرادته وقناعته الفكرية والسياسية. وهذا يعني أنه من حيث المبدأ يقف في ذات الموقع الفكرية والسياسية الطائفية التي تأسس الحزب عليها ويمارسها , أي أنه يتبنى ذات المبادئ والأفكار والاتجاهات والسياسات والمواقف التي يمارسها حزبه الطائفي والذي تأسس وفق هذا المنظور وليس غيره منذ عقود. وكلنا يعرف ويعيش تجربة الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية , إذ أنها كلها دون استثناء قد تأسست في العراق , وكذلك في بقية الدول العربية والشرق أوسطية الأخرى , على أسس طائفية , والأمثلة على ذلك كثيرة , منها على سبيل المثال لا الحصر : جماعة الأخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي والحزب الإسلامي العراقي وهيئة علماء المسلمين وأحزاب إسلامية كردستانية وغيرها , وهي كلها أحزاب تدين بالمذاهب السنية (حنفي أو حنبلي أو شافعي ) مثلاً , من جهة , والأحزاب الإسلامية التي تأسست في العقد الثاني من القرن العشرين , والجماعة الفاطمية أو حزب الدعوة , ومنظمة العمل الإسلامي والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية أو المجلس الأعلى الإسلامي حالياً بعد أن غير اسمه أخيراً , أو التفرعات والانشطارات الكثيرة التي نشأت خلال الفترات المنصرمة , وهي كلها أحزاب تدين بالمذهب الشيعي (الجعفري) , من جهة أخرى.
ومن هنا تنشأ محنة السيد رئيس الوزراء فهو يتحرك بين مدينتي لا ونعم , ولا يستطيع الاحتفاظ باستقلالية الموقف إزاء حزبه والائتلاف الذي يرتبط به ومنه تم ترشيحه للمنصب , لأن كل طرف يحاول أن يجره إليه والمنطق العقلاني يجره إلى مواقع أخرى بعيدة عن هذا وذاك ولا يستطيع الوصول إليها. فهو يرى مثلاً أن جماعة الصحوة , وكلها عشائر وأفراد ينتمون أو هم من أتباع المذهب السني , تتسلح وتتقوى وتتعزز مواقعها في محافظاتها وتساهم في حفظ الأمن وحاربت القاعدة , وترتبط بالقوات الأمريكية وغير خاضعة للحكومة من جهة , ومطلوب منه أن يحل المليشيات الشيعية المسلحة من جهة أخرى , فما العمل؟ لا شيء! أنه غير قادر على التحكم بالطرفين , فما العمل ؟ لا شيء! إنها المحنة. لا يستطيع إخضاع تلك لإرادة الحكومة , كما لا يجرأ على حل المليشيات الشيعية لأنه يخشى أهل الصحوة! إنها ليست محنته وحده , بل هي محنة الواقع الطائفي في العراق ومحنة كل إنسان يعمل في حزب أو ائتلاف طائفي دون أدنى ريب.
إن العام الجديد يتطلب سياسة أخرى من أجل تحقيق الهدوء والاستقرار والسلام في العراق , يتطلب الكف عن السياسة الطائفية لا من أطراف الحكومة الإسلامية السياسية , شيعية كانت أم سنية , بل يتطلب ذلك من كل القوى السياسية الأخرى غير المرتبطة بالحكومة , وكذلك من القوى الأخرى التي يفترض فيها أن ترفض الطائفية بكل أشكال ظهورها ومشاريعها , بما في ذلك السياسات والبرامج الطائفية التي يراد لها أن تمارس في العراق.
أن الشعب العراقي المبتلى بالطائفية السياسية يتطلع إلى عام جديد أكثر هدوءاً وأمناً وسلاماً وأكثر حماية من القتل والتشريد والتهجير ومصادرة البيوت وأقل فساداً, وأكثر عطاءً للمحتاجين من الناس , سواء بفرص العمل والخدمات ومزيد من ساعات التمتع بالكهرباء والماء الصافي واللقمة الكريمة الهانئة , ومزيد من راحة البال والعيش الكريم بعيداً عن الموت اليومي على أيدي قوى الإرهاب المتنوعة , يتطلع إلى وجود حكومة جديدة ترفض الطائفية وتدين ممارسة السياسات الطائفية أو مشاريعها للعراق , فهل في مقدور المجتمع تحقيق ذلك؟ هذا ما يفترض أن نأمله لشعبنا في عامه الجديد. وإذا أراد السيد المالكي المساهمة في هذا الجهد فأنا والكثير من البشر العراقي معه , ولكن عليه أن ينزع عنه عباءة الطائفية السياسية قلباً وقالباً. لا نقول أنه غير قادر على ذلك , بل نتمنى أن يتمكن من ذلك , وأرجو أن لا ينتهي هذا التمني بما قاله الشاعر:
أتمنى في الثريا مجلسي والتمني رأي مال المفلس
30/12/2007 كاظم حبيب