الرئيسية » مقالات » من خزين الفكر الجاهلي……وأد البنات بالأمس….وقتل النساء اليوم

من خزين الفكر الجاهلي……وأد البنات بالأمس….وقتل النساء اليوم

ما يحدث من عنف ضد النساء في أوساط بعض المجتمعات الإسلامية والمُعَمَد في أغلبه بالفقه ألإسلامي والفتاوى الملائية ونقاوة التراث والحفاظ على شرف العائلة أو العشيرة , يضع المرء أمام كثير من التساؤلات التي تبحث عن أسرار هذه التصرفات الهمجية اللإنسانية ضد شريحة إجتماعية من البشر, وضعتها ألأديان , بما فيها ما نطلق عليه بالسماوية , موضع الإحترام باعتبارالإنسان خليفة ألله على ألأرض, حيث تجلى ذلك باصطفاء آدم وحواء سوية , وليس آدم فقط , ليضعوا أسس الحياة ألإنسانية التي أرادها ألله لعباده على ألأرض . ثم توالت تعاليم ألأديان السماوية التي نصت عليها كتبها المقدسة القاضية باحترام ألأبويين كليهما وليس الذكر منهما فقط . وأبرزت هذه التعاليم دور ألأم بالذات حينما أكدّت على ما تتحمله ألأم من وهن الحَمل ثم الرضاعة والفطام . وما تبع ذلك من إرشادات حملة الرسالات السماوية بجعل الجنة تحت أقدام ألأمهات , ومن إحترام الزوجة والحياة الزوجية التي ما هي إلا لخلق المودة والإلفة بين ألأزواج ونشر الحب العائلي الذي يشكل ألأساس الأول لبناء أي مجتمع متكامل . لقد جاءت ألأديان السماوية وخاتمها الدين ألإسلامي الحنيف بهذه التعاليم ألإنسانية بعد أن تهاوت المجتمعات , وخاصة المجتمع الجاهلي الذي سبق ألإسلام , في حضيض البدائية والوحشية في تعامله مع المرأة التي كانت تؤخذ كغنيمة من غنائم ألأسر وتباع في ألأسواق كما تباع البهائم وتخضع لإرادة الرجل في كل شيئ حتى تُسلخ عنها صفتها ألإنسانية التي وضعها ألله بها , فتصبح كأي شيئ من ألأشياء يتلاعب به الرجل ويحركه كيفما يشاء . وبعد أن تفاقم إمتهان الفكر الجاهلي للمرأة الذي ولَدَ بالقائمين به أنفسهم الخوف مما قد تتعرض له بناتهم بالذات حينما يقعن أسيرات بيد العدو أو حينما تشتد قسوة الحياة الإقتصادية التي يصعب معها توفير متطلبات الحياة للمرأة التي جعلها المجتمع في موقع ألمستهلك فقط , بعيدة عن أية مساهمة إنتاجية أساسية , هذا إذا ما تجاوزنا مساهمتها الرئيسية كأم وزوجة , هذه المساهمة التي لم يعرها ألمجتمع آنذاك أية قيمة يمكن إدخالها ضمن القيم المادية التي كان يحظى به إنتاج الرجل في الغزو والدفاع عن الأهل والعشيرة وغير ذلك مما يقع في عداد عملية ألإنتاج ألإجتماعي آنذاك . نقول بعد أن إزدادت هذه المخاوف لجأ المجتمع إلى محاولة التخلص من تبعات هذه المشاكل قبل حدوثها وذلك بالتخلص من الوليد الجديد بدفنه حيآ إذا كان هذا الوليد أنثى , فسادت في المجتمع ظاهرة وأد البنات التي حرمها ألإسلام . لقد أصبحت هذه الظاهرة من الظواهر التاريخية التي ترتبط بالمجتمع الجاهلي قبل ألإسلام , بحيث لا يُذكر هذا المجتمع إلا ويرتبط معه ذِكرهذه الظاهرة .
يشير المفكر العربي المعروف المرحوم هادي العلوي إلى هذه الظاهرة في مؤلفه القيم ” فصول عن المرأة ” فيقول ” وقد تعقدت كراهية ألأنثى بتأثير حالة الغزو السائدة في المجتمع الجاهلي مما يعكسه القرآن بهذه الآيات: ( وإذا بُشّرأحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودآ وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به , أيمسكه على هَون أم يدسه في التراب .) وظهرت بنتيجته عادة الوأد أي دفن المولودات عند ولادتهن. وسبب الوأد الهروب من عار السبي , إذ كان من المعتاد ان تؤسر المرأة صغيرة أم كبيرة وتصبح في حكم الجارية لآسرها. ورغم أن المرأة في الريف والبوادي العربية هي أكثر حرية من زميلتها في المدينة , فإن الشعور بالعار مما يجري عليها من الرجال يكون عند البدو والفلاحين أشد منه عند أبناء المدن . ولا تزال عادة غسل العار سائدة عندهم حيث يقدم ولي المرأة من أب أو أخ على قتلها إذا أتُهمت بعلاقة غير شرعية . والجاهلي يتحسس لهوان المرأة في علاقتها مع الجنس الآخر”
هذه العادات الجاهلية ضد المرأة يمارسها اليوم من يدعون إلتزامهم بالدين ألإسلامي , لا بل ويبررون جواز إستعمالها بتعاليم الدين ألإسلامي نفسه . إن إستمرار مظاهر الجاهلية هذه في القرن الخامس عشر على ظهور الإسلام , والقرن الحادي والعشرين في تاريخ البشرية الحديث له بعض الدلالات التي تشير إلى طبيعة وماهية العقول وألأفكار التي لا زالت تعيش في جاهليتها ألأولى .

إن أولى هذه الدلالات هي تحجر الفكر القائم بهذه الجرائم ضد النساء وبقاءه على مستوى الفكر الجاهلي واستمراره على نفس الأساليب التي إتخذها هذا الفكر في تعامله مع المرأة . إن الفارق الوحيد الذي يميز الفكر الجاهلي القديم عن الفكر الجاهلي الحديث الذي يريد البعض أن ينشره في مجتمعاتنا اليوم هو أن الفكر الجاهلي الحديث يستفيد من الوسائل الحديثة لتنفيذ جرائمه ضد النساء . إذ لم يعد ألوأد على قائمة وسائل تنفيذ الجريمة , وربما قد حلَّ محله السلاح كاتم الصوت أو السموم القاتلة أو إفتعال الحوادث المميتة كالحريق أو حوادث النقل وما أشبه . ومع إختلاف الوسائل إلا أن دوافع الجاهلية ألأولى والقائمين على تنفيذ الجريمة ظلت كما هي . وهذا يقودنا إلى الدلالة الثانية وهي أن إدعاء ألإسلام الذي دعى إلى نبذ الجاهلية ألأولى لم يتحقق لدى معتنقي الجاهلية الحديثة وذلك بسبب إستمرارهم على نفس ألأساليب في إضطهاد المرأة التي أراد لها ألإسلام أن تكون في موضع آخر يختلف عن ذلك الموضع الذي وضعتها الجاهلية ألأولى فيه . وعلى مثل هؤلاء يصدق نص ألآية القرآنية الكريمة التي تقول ” قالت ألأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ألإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا ألله ورسوله لا يَلِتُكم من أعمالكم شيئآ إن ألله غفور رحيم ) ( ألحجرات 14 ) . إن ما يجلب ألإنتباه هو أن منفذي جرائم القتل ضد النساء يتبجحون دومآ بمفاهيم الشرف والغيرة على العرض وإنقاذ سمعة العائلة والعشيرة ويربطون كل ذلك بالتعاليم ألإسلامية ويصرون على أن جرائمهم هذه ما هي إلا لتنفيذ اوامر الشريعة ألإسلامية . فما مدى صدق , أو بالأحرى , زيف هذه ألإدعاءات…؟
كثيرآ ما ترتبط جرائم قتل النساء للأسباب أعلاه بمسألة العلاقة الجنسية غير ألشرعية التي تُتهم فيها المرأة , دون الرجل , حيث يُستباح دمها على يد أحد أقاربها . لا نريد التطرق إلى مشكلة الجنس التي ظلت ولا زالت تشغل الحيز الكبير من فقه فقهاء السلاطين , بالدرجة التي يمكن أن تقود إلى القناعة بوجود عقدة الجنس لدى هذا الفقه . لا مجال للخوض في هذا الموضوع الآن , إذ أن حيثياته غير تلك التي نعالج بها موضوع اليوم . فلو نظرنا إلى النصوص القرآنية التي تعالج مسألة ممارسة الجنس غيرألشرعي لدى ألمسلم أو المسلمة لوجدناها لا تنص على أي من العقوبات التي يقررها وينفذها فقهاء الجاهلية الحديثة اليوم . لا بل لوجدنا أن مسألة إثبات ذلك تكاد أن تقع ضمن المستحيل الذي لا يمكن له أن يتحقق .
تنص الآية 15 من سورة النساء على ما يلي ” والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلآ ” وإذا ما تمعنا جليآ في هذا النص فإننا سنتوصل إلى ما يلي :

أولآ : إن إتيان الفاحشة الذي يُفسَر في أعلى درجاته الموجبة لقتل المرأة لدى فقهاء الجاهلية الحديثة هو ممارسة المرأة لعلاقات جنسية غير شرعية . فإذا إنطلقنا من الواقع العملي لممارسة العلاقات الجنسية بصورة عامة , خاصة في المجتمعات ألإسلامية التي غالبآ ما تُنفذ فيها أحكام قتل النساء , فإننا سنثبت بما لا يقبل الشك بأن مثل هذه الممارسات الشرعية منها وغيرالشرعية لا تتم إلا بعيدة عن أنظار الناس , أيٍ من الناس قريبآ كان أو بعيدآ , على إعتبار أن مثل هذه الممارسات تقع ضمن الممارسات الشخصية الخاصة جدآ والتي يحرص أصحاب العلاقة فيها على كتمانها حتى على أقرب الناس إليهم وحتى في حالة الممارسة الشرعية , فكيف باللا شرعية إذن. وهذا ما يقودنا إلى ألإستنتاج الثاني وهو:

ثانيآ : لإثبات هذه العلاقة غير الشرعية فعلآ يجب وجود أربعة شهود يشهدون بصدق وأمانة لا تقبل الشك على أنهم رأوا الممارسة الجنسية غير الشرعية عن قرب وبصورة مباشرة لا تقبل أي شك يمكنه إبطال تطبيق الحد , كما ينص على ذلك الفقه ألإسلامي العام , وإن أشخاص الشهود يجب أن يكون من الثقة بمكان لا يسمح بالطعن في مصداقيتهم أخلاقيآ وصحيآ , اي غير مجانين أو معتوهين . فهل يدلنا التاريخ على واقعة تمت في هذا المجال أمام أعين الناس بحيث يتوفر أربعة شهود عدول لتأييدها وإثبات وقوعها وذلك عن طريق رؤيتها مباشرة….؟ هذا أمر يكاد أن يكون في عداد المستحيل .
ثالثآ : أما ما نستنتجه في حالة وقوع هذا المستحيل فعلآ ألا وهو إثبات هذه العلاقة من أربعة شهود , فإن النص لا يشير إلى أية عقوبة دنيوية , كعقوبة القتل ألذي يمارسها الفقه الجاهلي الحديث , بل يفسح المجال أمام إمكانيتين للتعامل مع هذه المرأة . ألإمكانية ألأولى هي حجزها في دارها حتى تلاقي أجلها بالوفاة المحتومة . وهنا يشر النص صراحة إلى الوفاة وليس إلى أي سبب آخر للموت . أو , وهذه هي ألإمكانية الثانية , أن يجعل ألله لها سبيلآ, وليس ذلك على ألله بعسير, بأن يغير مجرى حياتها بشكل من ألأشكال .

إن مسألة توفر الشهود العدول مسألة ذات أهمية خطيرة في الفقه ألإسلامي المتنور والتي أهملها حكم الظلام الجاهلي الحديث إهمالآ متعمدآ لتمرير ضلالاته التي تنشد تحقيق مآرب فقهاء السلاطين وليس مآرب الدين الحنيف . ولم يأت تكرار هذا الشرط بأكثر من آية قرآنية جزافآ ( مثلآ في أكثر من موقع من سورة النور ) . إلا أن الواقع العملي يشير إلى غير ذلك تمامآ . فقد دأب المجتمع الرجولي على أخذ هذيان بعض متخلفي العقول من الرجال مأخذ الجد حينما أطلقوا العنان لمخيلاتهم المريضة برشق بعض النساء بمثل هذه التهم التي لم يثبتوا وقوعها حسب المنطوق الشرعي , إلا أن النتائج التي ترتبت على مثل هذه ألإتهامات الزائفة وُ ضعت بصيغة شرعية توحي ببعدها الديني , وما هي في الحقيقة إلا ذات أبعاد جاهلية قبل ألإسلام .

أما الحالة ألأخرى التي يمارس فيها المجتمع الرجولي في جاهلية القرن الحادي والعشرين أعمال القتل ضد النساء فهي الحالة التي يُطلق عليها الزنى من قبل المحصنات , أي المتزوجات , والتي يشير إليها القرآن الكريم أيضآ إشارة لا يغفل وضوحها إلا من عمي بصره وضاعت بصيرته . تنص ألآية 2 من سورة النساء على ما يلي ” الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ألله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخروليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ” فإذا ما أردنا إثبات الزنى لتطبيق حد الجلد أعلاه , فإن النص القرآني الكريم يكرر وجوب توفر الشهود الأربعة لذلك , وإلا فإن مُلفق التهمة سيعاقب بالجلد ثمانين جلدة عقابآ له على كذبه . وهذا ما ورد في الآية 4 من سورة النور والتي تنص على ما يلي ” والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدآ وأولئك هم الفاسقون ” . وفي هذه الحالة أيضآ لم يُشر النص إلى القتل كعقوبة ينبغي تطبيقها على الزاني أو الزانية . إلا أن فقه الجاهلية الحديثة يبيح لنفسه وللمتخلفين من أتباعه مخالفة النصوص القرآنية لتحقيق بعض الشهوات الأنانية التي يريد من ورائها المجتمع الرجولي سد النقص الفكري والتخلف الثقافي لدى قادته الذين أوصلوه إلى قعر التخلف , وليس بمستطاع عقولهم الضامرة أن تفكر بأي حل مُجدي لمثل هذه المآزق السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية التي أوقعوا أنفسهم وشعوبهم فيها .

أما ما يردده الفقه الجاهلي الحديث من تقولات حول السنة النبوية التي تُبيح ذلك , فما هو إلا محض إفتراء على شخص النبي الكريم محمد (ص) وتزوير للسنة النبوية الشريفة , وذلك للأسباب التالية :

أولآ : إذا إنطلقنا من هذا ألإفتراض فذلك يعني أن القرآن الكريم لم يأت على كل هذه المواضيع , لذلك كانت الحاجة إلى السنة لإكمال ما لم يتطرق إليه القرآن , وهذه هي الحماقة بعينها التي يتوصل إليها الفقه الجاهلي الحديث والتي تخالف النص القرآني مخالفة واضحة . فالقرآن الكريم يُشير إلى أنه لم يترك شيئآ إلا وتطرق له , كما يُشير إلى ذلك نص الآية 38 من سورة ألأنعام ” …..ما فرطنا في الكتاب من شيئ ….” . فهل يعني هذا أن السنة تطرقت لإثبات أحكام لم يتطرق إليها القرآن لأي سبب من ألأسباب….؟ هذا منطق لا يستقيم والتعاليم ألإسلامية الحقة .
ثانيآ : لا يمكن للنبي الكريم أن يأتي باحكام لا أساس لها في النص القرآني , خاصة في مثل هذا ألأمر الحساس . وإن صح القول بإتخاذ النبي محمد (ص) لبعض القرارات التي لم ترد في القرآن في حينه , فإنه إتخذها قبل نزول النص القرآني . أما بعد النزول الذي إكتمل قبيل وفاة النبي الكريم فإن واجب النبي كان شرح وإيضاح ما جاء به النص ليس إلا , حيث تشير الآية القرآنية الكريمة 44 من سورة النحل إلى ما يلي ” وأنزلنا إليك الذِكر لتبين للناس ما نُزل إليهم لعلهم يتفكرون ” وما خلاف ذلك مما يُنسب إلى النبي من أحكام مخالفة للنص القرآني فهي أكاذيب موضوعة من فقهاء جاهلية اليوم .

أما الدلالة ألأخرى , وربما ليست ألأخيرة ,على إستمرار مظاهر الجاهلية ألأولى في القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية والمتمثل بقتل النساء وربط هذه الجرائم بالدين والتراث والتقاليد والشرف وغير ذلك من ألأسباب , فإنها تعود ولا شك إلى سعة مساحة التخلف الفكري لدى الفقه الجاهلي الحديث وإبتعاده عن سمة العصر المتمثلة بالتواصل بين ألأمم والشعوب , بدون أو مع بعض الحكومات , التي تسعى اليوم إلى تحقيق ما طلبه الإسلام من البشر أجمعين , وليس من المسلمين فقط بأن يسعوا للتقارب مع بعضهم البعض , حيث نصت ألآية الكريمة 13 من سورة الحجرات على ما يلي ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبآ وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ألله أتقاكم إن ألله عليم خبير ” . فالنص القرآني لم يخصص مجموعة بذاتها من البشر هنا , بل أن الخطاب موجه لجميع الناس على إختلاف مشاربهم ومذاهبهم وأديانهم . وهذا ألإختلاف بين البشر والذي لا يريد الفقه الجاهلي الحديث ألإعتراف به هو من إرادة ألله التي أرادها للبشر, كما جاء في الآية الكريمة 93 من سورة النحل ” ولو شاء ربك لجعلكم أمة واحدة ” أو الآية 118 من سورة هود ” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ” وغيرها من الآيات القرآنية التي تربط إختلاف الأمم والشعوب بأديانها وتقاليدها وأساليب حياتها بالإرادة ألإلاهية التي يتنكر لها فقه جاهلية اليوم ويصر على تجاهلها لتمرير إطروحاته العقيمة التي يستوحيها من خزين فكر جاهلية ألأمس .

فما العمل إذن للحد من مثل هذه الجرائم ضد النساء والتي تتخذ من الدين ألإسلامي لباسآ لها تغطي به ألأسباب الحقيقية الكامنة وراء جرائمها هذه….؟ هناك كثير من المجالات الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية التي يمكن التعامل معها لكبح الممارسات الإجرامية بحق النساء في كثير من المجتمعات الإسلامية التي لا زالت تعيش حتى اليوم في غياهب الظلام الجاهلي شاءت ذلك أم أبت . إن التطرق إلى مثل هذه المجالات يعني أول ما يعني التطرق إلى معالجة كل مظاهر الحياة في المجتمعات الإسلامية والوقوف على طبيعة حياة ألإنسان في هذه المجتمعات , هذه الحياة التي تقود البعض إلى اليأس المؤدي إلى رفض هذه الحياة والتطلع إلى حياة أفضل بعد الموت , يوحي بها فقهاء ألإرهاب والتخلف وما المفاهيم التي ينشرها هذا الفقه عن الموقف من المرأة إلا مثلآ من ذلك . وهنا تكمن المهمة ألأساسية لرجال الدين المصلحين حقآ والحريصين حقآ على أن لا تقضي بعض العمائم على هذا الدين , كما تنبأ المصلح الإمام محمد عبده بذلك , والذين يجب أن يرفعوا أصواتهم دون أي تردد أو خوف والإعلان عن بطلان هذه ألأساليب الهمجية ضد النساء والتي يمارسها بعض الجهلة بأن يمنحوا أنفسهم الحق ليكونوا وكلاء على الناس في تنظيم أمور حياتهم , فيضعون أنفسهم بذلك فوق منزلة الرسول الكريم محمد (ص) الذي منعه ألله أن يكون وكيلآ على الناس في أمور دينهم ودنياهم ” ولو شاء ألله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظآ وما أنت عليهم بوكيل ” ( ألأنعام 107 ) . وغيرها من الآيات القرآنية ألأخرى التي تمنع صاحب الرسالة السماوية نفسه من أن يفرض على الناس أسلوب حياتهم وممارسة دينهم ومعتقداتهم , إذ أن ” كل نفس بما كسبت رهينة ” (المدثر 38) . أما ما يدعونه من واجبهم بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يصنفوه حسب تصورات عقولهم المتخلفة, فإن ذلك يجب أن يكون بالتي هي أحسن , إن صدقوا في دعواهم هذه , كما ينص القرآن على ذلك لا بالتي هي أسوأ كالقتل والتهديد والوعيد وكل ألأساليب البدائية التي يمارسها الجاهليون الجدد .