الرئيسية » مقالات » الأيزيدية خارج الدستور أو داخله ؟

الأيزيدية خارج الدستور أو داخله ؟

مكونات العراق الأساسية تلك الكلمة الجامعة والكبيرة الدلالة ، هل حقا أنها تشمل الأيزيديون في العراق ؟ وهل حقا أن الدستور العراقي أنصفهم بعد أن التفت إليهم أخيرا وأورد في نص المادة الثانية على أسمهم ضمن نص دستوري ، مايدل على الاعتراف بهم كديانة يؤمن بها أحد الكيانات العراقية ، ويفترض أن تلك الالتفاتة والنص الدستوري يحقق وضعا جديدا وزمنا مختلفا على الأيزيدية .

وإذا كان الأيزيديون حقا من مكونات العراق ، فماذا حقق لهم الدستور الاتحادي الذي يدعو الى عراق المستقبل الخالي من النعرات الطائفية والعنصرية والمناطقية ، والتي تنخر الجسد العراقي اليوم .

أن ما ورد ضمن الفقرة ثانيا من المادة الثانية لايكفي لضمان الحقوق الدستورية للأيزيدية ، لأن النص الدستوري يضمن الحقوق الدينية في حرية العقيدة والممارسة الدينية للأيزيديين .

الحقيقة أن الأيزيديين كانوا يمارسون طقوسهم الدينية طيلة العهود الغابرة بكل اعتبار ضمن مناطقهم الجغرافية ، وكانت شعائرهم الدينية تمارس بحرية لأن السلطات التي تعاقبت على حكم العراق لم تجد خطورة في تلك الممارسات ، كما لم تؤثر على وضعهم الإنساني والسياسي ، فقد كان الأيزيديون مهمشين وخارجين عن أطار الدساتير العراقية التي لم تذكرهم مطلقا، ويصاحب ذلك نومة أهل الكهف التي حلت على الأيزيديين بحكم سيطرة رجال الدين ، حتى لم يرتفع صوت يطالب بحقوقه الإنسانية في دستور لبلد هم أحد مكوناته الأساسية ، فهم كانوا متقبلين لهذا الوضع المأساوي الذي تعيشه هذه الشريحة الطيبة .

جميع الدساتير العراقية التي حلت بما فيها قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لم يكن جريئا فيورد أسم الأيزيدية حتى لايعترف بها كديانة قائمة يتبعها أكثر من نصف مليون عراقي .

عبارات جميلة وشاملة وعامة وردت ضمن القانون الأساسي العراقي لعام 1925 ، وهو أول دستور وضع بعد قيام الحكم الملكي في العراق ، فقد أشار القانون أن لافرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون وأن اختلفوا في القومية أو الدين أو اللغة ، ولنكن صريحين فالحقيقة غير ذلك فقد كان الاختلاف واضحا والعمل بموجبه عرفا ملزما ، ولاقيمة للإنسان الأيزيدي في إطار الدولة العراقية القائمة ، فلم يكن للأيزيدى مطلقا الحقوق التي يتمتع بها قرينه المسلم أو المسيحي أو اليهودي ، وهذا الدستور أسس معاني للحياة السياسية العراقية الجديدة في ظل حكم جديد بعد التخلص من الحكم العثماني البغيض .

وبعد زمن مرير وطويل يمتد منذ العام 1920 وحتى بعد سقوط سلطة الدكتاتور 2003 ، لم يجد الأيزيدي له جزء صغير من تلك الحقوق التي شملت حتى الأغراب عن العراق ، وبعد مخاض طويل وعسير ، وبعد أن تجرعت بعض الشخصيات العلقم في إدخال اسم الأيزيدية ضمن نص عام وواسع حول ضمان الحقوق الدينية للمندائيين وللأيزيديين ، حيث تم أدخالهم على مضض .

ويعود الدستور العراقي ليؤكد بأن العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الدين ، وان أتباع كل ديانة أحرار في ممارسة شعائرهم وإدارة أوقافهم ومؤسساتهم الدينية ، وتكفل الدولة لهم حماية أماكن العبادة وحرية العبادة .

غير إن الدستور لم ينصفهم ولم ينصف المندائيون حين غض النظر عن خصوصيتهم في قوانين الأحوال الشخصية ، والممارسة الفعلية في العراق تمنع أن يكون القاضي في المحاكم العراقية مندائيا أو أيزيد يا بعد أن حسرت وتضاءلت مساحة المسيحيين في المؤسسة القضائية دون منطق أو تبرير سوى التطرف والكراهية .

ومادام الواقع غير النصوص ، والممارسة غير التمنيات ، فلم يزل حتى اليوم مجتمع الأيزيدية مهمشا ومعزولا ولايمكن تطبيق النصوص التي تقضي بمساواته مع أقرانه وأخوته العراقيين من بقية المكونات الأساسية .

لاشك إن الأيزيديون يتحملون جزء كبير من أسباب هذا التهميش والإقصاء ، فقد أدمنوا الاختلاف فيما بينهم ، مثلما أدمنوا التبعية العمياء ، وأدمن الباقين نومة أهل الكهف التي صارت جزء مهم من حياتهم .

ولم يقتصر الأمر على ما ورد في الدستور الاتحادي ، إذ امتد حتى الى دستور إقليم كوردستان حيث كرر النص الذي يضمن الحقوق الدينية للأيزيديين في الإقليم . غير أن دستور الإقليم نص على أنه :

أولاً: لا يجوز فرض الأحكام الشخصية لديانة على أتباع ديانة أخرى.

ثانياً:لإتباع الديانات والطوائف غير المسلمة كالمسيحيين والايزيديين وغيرهم إنشاء مجالسها الروحانية وإتباع الأحكام الخاصة بأحوالهم الشخصية والتي تحدد بقانون وتنظر من قبل محكمة المواد الشخصية.

ثالثاً: تطبق أحكام القوانين النافذة في الإقليم بشأن الأحوال الشخصية لغير المسلمين لحين سن قانون ينظم أحكام الأحوال الشخصية الخاصة بها.

ولم يتم حتى اليوم تشكيل اللجان القانونية التي تقوم بتقديم مشاريع قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بتلك الديانات ،التي تضج المطالبات بها ، كما لم يتم تهيئة الأرضية الأساسية لتطبيق تلك القوانين بين أهل تلك الديانات ، في توظيف عدد من أبناء الأيزيدية والمندائية كقضاة يختصون بتطبيق أحكام قوانينهم الشخصية ، وتلك مهمة ليست بالعسيرة وتدخل ضمن معنى النص المذكور في دستور الإقليم .

الأيزيدي لايحتاج اليوم الى ضمانات لممارسة الطقوس الدينية ، مع أن الدكتاتور منع أنتقال الايزيدي من مناطق الى لالش بحجة تقسيم المنطقة قبل سقوط النظام ، إلا أننا اليوم لانجد ضررا أو منافسة لممارسة تلك الطقوس ، سواء التي تجري في لالش أو في قرى الأيزيدية .

الأيزيدي يحتاج اليوم الى بناء شخصيته الأساسية ضمن مفهوم المواطنة ورد الاعتبار له ليكون حقيقة أحد مكونات العراق الأساسية ، وان يمنح حقوقه الدستورية ( بالإقناع ) وليس للمجاملة ، وان يجري تثقيف الناس للتعريف بتلك الشريحة المسالمة والتي لم تعط إلا الخير والمشاركة في تنمية العراق ، كما يحتاج الى التفاتة منصفة الى واقعه المزري وقراه التي تعيش خارج الزمن .

ترى ماقيمة النص الدستوري إزاء التعامل والتعسف الذي يلقاه الأيزيدي في بقية مناطق العراق ؟ بل وإزاء ما يتهدد حياته في وطن هو أحد مكوناته الأساسية كما يقول الدستور .

أن حقوق المواطنة التي يفترض أن الدستور كفلها للأيزيدي متعددة ، ليس أولها حق الحياة والتنقل والعمل والمساواة ، ورعاية الدولة في الصحة والتعليم والأمن وحماية حقوقه الشخصية ، وكافة الحريات التي لاتتعارض مع النظام العام والآداب ، سواء منها في العراق الاتحادي الفيدرالي أو في إقليم كوردستان ، لكن الحقيقة أن الأيزيدي الفار بروحه داخل أو خارج الإقليم لم تعد النصوص الدستورية تحمي حياته وعائلته ولم تعد الممارسات تتطابق مع التمنيات ، وسواء كان خارج الدستور أو داخله ، فهو في كل المعاني مسلوب الحقوق الإنسانية .

الأيزيدي بحاجة الى تلك الحقوق الإنسانية ، الحقوق التي كفلتها الشرائع والأنظمة لأصغر مكونات الناس في أبعد بلدان الله ، وحتى أن شهداء الأيزيدية الذين ضحوا بأرواحهم ودفعت عوائلهم ثمنا باهظا من اجل إسقاط سلطة الدكتاتور ، لايتساوون مع بقية شهداء العراق مع أن القضية واحدة .

وتحت سمع وبصر كل مكونات العراق الأخرى تتم إبادة الأيزيدية بسبب ديانتهم ( لاسبب آخر يدعو الى قيام المجاميع الإرهابية المتطرفة ) ، وكانت قد توقفت تلك الحملات بعد سقوط الدولة العثمانية ، وحين يفر الايزيدي بروحه وينجو بجلده الى مناطق أقليم كوردستان يصطدم بصخرة الأحزاب الكوردية التي تريده رقما ، فيقع تحت ضغط وسطوة المتحزبين حتى العظم من إخوته الأيزيديين ، فيلزم الصمت مرة أخرى ويعود الى نومة أهل الكهف لعله يموت مرتاحا ومطمئنا على عياله على الأقل .

واليوم وبعد سنوات على سقوط سلطة الدكتاتورية وإقرار الدستور ، لم يزل الأيزيديون هدفا وشواخص للرصاص في عراق يعدهم من مكوناته الأساسية ، وفي إقليم يعتبرهم أهله الأصلاء ، وما يحز في نفوس الأيزيدية بعد كل تلك التضحيات والضحايا هل هم مواطنين في بلد لم يزل حتى اليوم يمنح المواطنة على درجات لأولاده ؟ لايعرف الأيزيديون هل أنهم ضمن هذا الدستور ام أنهم لم يزلوا خارجه ؟