الرئيسية » مقالات » بين الدكتورة كاترين ميخائيل وحبيب تومي حول عودة الملكية

بين الدكتورة كاترين ميخائيل وحبيب تومي حول عودة الملكية

طالعت ما كتبه الأخ الكريم حبيب تومي في رده على ما نشرته الدكتورة الفاضلة كاترين ميخائيل عن عودة الملكية إلى العراق في مقالها المنشور في العديد من المواقع الإلكترونية،والمقال الذي كتبته الدكتورة بناء على طلبي للمشاركة في ملف الأهالي حول عودة الملكية وما دار من سجال حولها بين وبين السيدين الفاضلين الدكتور عبد الجبار الملا صالح والأستاذ فيصل عبد الحسين،ولو كان الأخ الكريم قد رجع إلى نصوص المساجلة التي نشرت في الأهالي والمواقع الإلكترونية الأخرى،لما أجهد نفسه في كتابة رده هذا لما في تلك المقالات من توضيح لتساؤلاته واعتراضاته على ما كتبته الفاضلة كاترين،لذلك سأحاول الاختصار في الرد داعيا الأخ الكريم لمراجعة المقالات السابقة.
يقول:ـ(( ورد في الفقرة ” 1 ” من المقال ((.. كان العراق مقسماً إلى عدة أقسام وقد دمرهم الفقر والجهل .. الخ)).أجل أن العراق كان مقسماً ، لكن هذا التقسيم لم يكن في العهد الملكي لقد كان في الزمن العثماني حيث كانت هنالك كما هو معروف إمارة البصرة وإمارة بغداد وإمارة الموصل ، وجاء العهد الملكي الوطني ووحد هذه الولايات فكّون الدولة العراقية )) وكان على النظام الجديد السعي لبناء وحدته على أسس وطنية ثابتة،ولكن المشكلة أن العهد الملكي سار على ذات التقسيم الذي فرضته الإمبراطورية العثمانية وعمق الاختلاف بين أبناء الشعب الواحد باستثمار الطائفية السياسية غير المنظورة،مما خلق ثغرة واسعة بين الشعب العراقي كانت غير ظاهرة بسبب المواقف الدينية البعيدة عن التدخل في الشأن السياسي، مما لم يجعل ظاهرة التمييز ظاهرة بوضوح،وكانت إدارة الدولة العراقية لا تعتمد التقسيم السليم في الوظائف فكان الاعتماد على رجال العهد العثماني من عراقيين أو عرب لإدارة الدولة الجديدة وبالتالي لم يخلق الأرضية المناسبة لبناء الدولة الوطنية التي تعتمد العدالة والمساواة.
ويقول( أما تفشي الفقر والجهل فهذه نتائج طبيعية للحرب الكونية التي استمرت بويلاتها إلى 1918 م . وهذا التأخر في معظم نواحي الحياة كان متفشياً في كردستان العراق كما في جنوبه ووسطه . ثم إن العراق لم يكن لوحده بؤرة فقر وجهل ومرض ومحاطاً بدول يسودها التقدم والعلم والازدهار ، إنما الدول المحيطة بالعراق في إقليمها في الشرق الأوسط ، برمتها ، كانت ضحية الفقر والجهل والعراق لم يشكل استثناءً لتلك القاعدة السائدة )
إن الدولة التي ترث تركة ثقيلة عليها العمل لإصلاح الثغرات التي تجدها في تلك الدولة،ولكن الحكومة الجديدة اعتمدت أسس للبناء زادت وعمقت من التردي والتخلف الذي عليه المجتمع آنذاك،وحاولت ما وسعها الجهد التأسيس لبناء دولة تعتمد على الإقطاع في ترسيخ وجودها،فقد كانت العشائر في العهد العثماني تمتلك الأراضي بالتساوي مع جميع أفرادها،ولم يكن لشيوخ العشائر سلطة في الهيمنة على مجموع أراضي العشيرة،ولكن الذي قام به العهد الجديد هو تثبيت ملكية الأراضي لرؤساء القبائل الموالين له،وإبعاد الرؤساء الذين حملوا راية الكفاح ضده مما حول المجتمع العراقي من مجتمع عشائري إلى مجتمع أقطاعي عشائري وبذلك فاقم من حدة التمايز الطبقي بين أبناء الشعب،وكان بإمكان العهد الملكي توزيع الأراضي على الأغلبية من الفلاحين بدلا من توزيعها على المرتبطين به من شيوخ العشائر الذين وقفوا إلى جانب السلطة في ثورة العشرين الخالدة،ولو أحصينا المدارس والمستوصفات والمرافق الخدمية الأخرى لوجدنا إن العهد الملكي،لم يكن جادا في إنشائها لأن ذلك يؤدي إلى نشر الوعي والثقافة في الأوساط الشعبية وهو ما يؤثر على بقائه على رأس السلطة في العراق.
ويقول:(وتمضي الزميلة الدكتورة كاترين ميخائيل في نفس الفقرة إلى القول :
(( .. لأن الحكومة حينها لم تهتم بالشعب بقدر ما كانت تهتم بطبقتها الغنية الدائرة حوالبها فقط لا غير)) في الحقيقة لم نقرأ عن وجود طبقة غنية مستفيدة من الوضع ، فالملك نفسه حينما يقوم بشراء سيارة بالأقساط سيكون من المتعذر إثبات إن الطبقة الحاكمة كانت تهدف الغنيمة من الانخراط في الدولة) أن ما ذكرته الدكتورة كاترين لا يتجاوز الواقع،والذين عايشوا تلك الفترة يعلمون مدى الظلم الذي كانت تعاني منه الطبقات الشعبية في العراق،وأن قلة قليلة من شيوخ العشائر كانت تمتلك الأراضي التي منحتها الدولة لهم بأجور رمزية،أو باعتها بأسعار بخسة،في الوقت الذي يعمل الملايين أجراء وأقنان لهؤلاء،فأين هي العدالة في توزيع الثروة بين الشعب،وكان للبلاط ورجال الحكم ملكياتهم المعلومة وأموالهم المودعة في الخارج،نعم أن حجم الفساد قليل إذا قيس بالفترة الصدامية أو الحكومة الحالية،ولكن هذا لا يعني أن أولئك الحكام ملائكة من السماء كما يحاول أن يصورهم البعض،فأبناء الأسرة المالكة لا زالوا يعيشون على ريع الأموال التي جنيت بالطرق غير المشروعة ومن الخطل بمكان أعطاء صفة النزاهة لأي حاكم عراقي باستثناء عبد الكريم قاسم الذي ثبتت نزاهته حتى لدى أعدائه،ولم يؤثر عنه أنه أستمتع بما أستمتع به الآخرون من جاه السلطة وامتيازاتها،وكان حتى آخر أيامه يعيش على راتبه العسكري دون أن يأخذ مخصصات منصبه كزعيم للبلاد،رغم تصرفاته الفردية وأخطائه الكثيرة التي قادت البلاد إلى آتون نار مهلكة لحكم البعث المجرم.
وقول قول الكاتب المحترم “فإن الإصلاح الزراعي الذي تحقق بعد ثورة 14 تموز 1958 لم يحقق أي نتائج ملموسة على الصعيد الاقتصادي فالعراق كان من الدول المصدرة للحبوب أصبح بعد الإصلاح الزراعي والى اليوم دولة مستوردة لها” فأن لذلك أسباب كثيرة لا يسع المجال لإيرادها لعل أهمها إن القانون المذكور أصطدم بعقبات كثيرة وضعتها القوى المتضررة منه،وأدت إلى إفشاله وإفراغه من محتواه بسبب هيمنتها على مفاصل الإدارة العراقية،فجل المحافظين ورؤساء الدوائر هم من الطبقة المتعاونة مع رجال الإقطاع في إفشال القانون،وكان حق الخيار الممنوح لرجال الإقطاع وراء فشل القانون ،لأن الجهات القائمة على تنفيذه لا تمتلك المصداقية لإنجاحه وبالتالي سعت لعرقلته وإفشاله بالتعاون مع جهات كثيرة تضررت من القرار في مقدمتها الجهات الرجعية وذيول النظام وبعض الموجهين الدينيين الذين لا يمتلكون رؤية واضحة لطبيعة الدين في انحيازه لجانب الفقراء والطبقات الشعبية،أضف إلى ذلك مؤامرات دول الجوار والدول الغربية التي أفزعها تغيير النظام فحاولت إفشاله ومهدت الطريق لمجيء أذنابهم البعثيين في قطارهم الأمريكي الذي حمل البؤس والدمار للعراقيين.
و موقف العهد المباد من القضية الكردية لا يختلف عن موقفه العام من الشعب العراقي،ومن التمحل والقفز على الحقائق تصوير نوري السعيد على أنه حمل وديع في تعامله مع قضية الشعب الكردي،وهذا من الأعذار غير المقبولة ألقول انه أعد خطط لمنح الكورد حقوقهم القومية وفشلت خططه بتولي الباججي لرئاسة الوزراء،فالمعروف إن السعيد سواء كان في الوزارة أو خارجها هو اللاعب الأكبر في رسم السياسة العراقية وتوجهاتها،للثقة المطلقة الممنوحة له من أسياده الانكليز.
أما ما أشار له الأخ الكريم- في معرض رده عن الرواتب التي تمنحها شركة النفط لموظفيها فالمعروف للجميع أن هذه الشركة كانت وراء كارتل كبير من العملاء الذين ينفذون سياستها،ويعملون لتحقيق مصالحها،ولها التأثير الكبير في الأحداث الجارية في العراق،مما جعلها عرضة للتصفية بعد الثورة لمواقفها المعادية للشعب العراقي،وتدخلها السيئ في السياسة العراقية،وهي تمنح الإعانات لكبار رجالات الدولة لتمرير مشاريعها والحصول على تراخيص طويلة الأمد في العراق،وهو الذي حد منه القانون رقم 80 الذي سلب منها حق الاستثمار للآبار غير المكتشفة في العراق.

أما تعليقه على ما أوردته الأخت كاترين حول ممارسات النظام البائد وقتلها الآلاف ،فهو مبالغة أؤيد الكاتب عليها ولكن ذلك لا يعني أن النظام المذكور لم يمارس القتل والجريمة اتجاه أبناء الشعب والقوى السياسية المعارضة له فقد تناسى الأخ الكريم عمليات القتل والاعتداء على المتظاهرين في بغداد والنجف والكوت وغيرها،وتناسى قتل السجناء السياسيين في مذبحة الكوت وسجن بغداد،وقتل الطلبة الصغار في مدرسة الخورنق في النجف،وما يقوم به زبانيته من رجال الإقطاع من جرائم قتل لا يطالها القانون ،نعم أنه لم يصل بأجرامه إلى ما وصل إليه العهد الصدامي ولكن هذا لا ينفي عنه صفة القتل لأن من قتل نفسا بدون ذنب فكأنه قتل الناس جميعا،ولعل العهد الملكي هو أول من سن قوانين إسقاط الجنسية وتسفير الكورد الفيلية،ومارس التعذيب البشع بحق المعتقلين،وحرم النشاط السياسي ومارس التزوير والتزييف في الانتخابات وربط البلاد بمعاهدات جائرة مع الأجانب ،وشارك في التآمر على الحكومات العراقية،وعمل الأحلاف العسكرية الموجهة ضد حركات التحرر،ولكن العين الواحدة لا ترى الصورة كاملة فتغيب عنها الكثير من الأمور.
والمقارنة بين ما حدث في مجزرة كاور باغي وما يجري الآن فهي مقارنة ظالمة الغرض منها خلط الأوراق فأن ما يجري من أمور مدانة في الوقت الحاضر لا يبرر ما جرى في العهد المباد،لأن ما كان يجري بإيعاز من السلطة القائمة وما يجري الآن إرهاب ترفضه الدولة وتسعى لمحاربته،والخطأ لا يبرر الخطأ.
أما أن فشل الحركة الدستورية في الانتخابات بسبب الشحن العاطفي،فليس من المعقول أن تفشل هذا الفشل الذريع ولا تحصل على ما يؤهلها للحصول على مقعد واحد لو كان لها تأييد شعبي ملموس،ولكن إفلاسها الشعبي وراء هذا الفشل الذي جعل الشريف يطوي خيامه ويرحل إلى البلد الذي جاء منه بعد أن ضيع ملايين الدولارات في الدعاية الانتخابية.
أما أن النظام الملكي كما يقول أخي الكريم قد تمكن من بناء دولة المؤسسات على أساس الفصل بين السلطات فهذا رأي مردود جملة وتفصيلا،فلم تكن الديمقراطية المزعومة للعهد الملكي قادرة على قيام برلمان منتخب ،لان جميع أعضاء البرلمان كانوا يصلون عن طريق التزكية وموافقة البلاط ونوري السعيد الحاكم الفعلي للعراق،والقضاء لم يكن بتلك النزاهة التي تتيح له إصدار الإحكام وفق الأسس القانونية لأنه مرهون بإرادة السلطة الحاكمة التي استعملت أبشع الأساليب في قمع المعارضين،ومارست القهر والتعسف في قمع المعارضة،وكانت القوانين النافذة في البلاد لا تتيح للشعب ممارسة حقوقه الدستور كما هو الحال في الأنظمة اللبرالية المعروفة
وكون النظام الملكي كان يستعمل الثروة في منفعة البلاد وأقام المشاريع العملاقة ،فهذا هو واجب الحكومات في التصرف بثروات الشعب،ولكن طبيعة الحكم جعلت الثروات الوطنية تصب في صالح الشركات النفطية التي كانت ترتبط بالشلة الحاكمة،وكانت تلك السلطة وراء الاتفاقيات الجائرة التي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد الوطني،ولم تخلق مجتمع الكفاية والعدل لهيمنة أسر وأشخاص على مقدرات البلاد في الوقت الذي يعيش الشعب دون خط الفقر،وكان الاستغلال المباشر لرجال السلطة آنذاك وراء الكثير من عمليات السمسرة التي استفادت منها العوائل المتنفذة آنذاك،بحيث تمكنوا من استثمار أموالهم المهربة في تكوين الشركات التي لا يزال أحفادهم يعيشون بفضلها حتى الآن،وهذا لا يعني أن الأنظمة التي جاءت بعدهم وفرت الحياة الأفضل للجماهير ولكن ثورة تموز رغم ما رافقها من أخفاقات كانت أفضل بكثير من النظام البائد،في النواحي العمرانية والإسكانية وتشييد المدارس،ولو رجع سيدي الكريم لمنجزات الثورة في أعوامها الأربع لوجد البون الكبير بين نظام ونظام،تحياتي لسيدي الكريم وأمل إلا أكون قد تجاوزت في تعقيبي هذا الذي أردت من خلاله إظهار وجهة نظري وربما يكون للأخت كاترين رأيا أخر في الرد والتعقيب.