الرئيسية » مقالات » بين الثورية والتطرف والحوار المتمدن

بين الثورية والتطرف والحوار المتمدن

قبل أيام أدليت برأي في الحوار المتمدن،وركزت على نقطة رأيت أنها الأساسية،دعوت فيها للعمل على توحيد قوى اليسار،لمواجهة خصومه الموحدين في محاربته،ولكن يبدو أن بعض اليساريين لا يعيشون الواقع،ويهيمون في فضاآت واسعة من الخيال،فيجافون الحقائق على الأرض،ويتيهون في عالم من الأحلام الوردية،ويحاولون أثارة صراع داخلي لا ينفع اليسار أو قواه،ويسبب أذى فادح وخسارة كبيرة للقوى اليسارية،وتفتيت قواها بما ينفع الخصوم.
لقد كان في رد الأخ عبد العالي الحراك على ما طرحه الأخ صباح زيارة الكثير من الموضوعية والواقعية، فالحوار يعني طرح وجهات النظر المختلفة،لأطراف لها توجهاتها المتباينة،بأسلوب حضاري متمدن بعيدا عن الطعون والإثارة والعنف والتطرف،والعودة إلى الجدل البيزنطي وما عليه الحال في العصور السالفة من جدل لمحض الجدل وكلام لمجرد الكلام،وقد نتفق أو نختلف ولكن الجميع في معسكر واحد وجبهة واحدة عليهم الحفاظ على وحدته وتمتين أواصره ،فليس من مصلحة اليسار عموما والعراقي خصوصا هذا التشرذم والتشتت والضياع،والانصراف إلى معارك جانبية،فيما يترك العدو الحقيقي مهيمنا على الساحة الداخلية يعمل على هواه،ويعمق من وجوده في المجتمع،وليس من صالح اليسار ووحدته التهجم على رموزه مهما كانت وجهة نظرهم،فاليسار لا يعني التمسك بقوالب جامدة أو نظريات ثابتة أو الجمود على أفكار فقدت بريقها لأسباب ذاتية وموضوعية،وإنما هو فكر متحرر يتقبل الجديد ولا يتمسك بالقديم،ولا يؤمن بالأفكار الجامدة ،بل يؤمن بالحركة والتفاعل والتجديد ،والإبداع في المناحي المختلفة ولا يؤمن بالنصوص التي تأخذ مكان المقدسات،وعلى اليساري الحريص على وحدة اليسار ومستقبله،إيجاد السبل الكفيلة بإنمائه وتقويته وتجديده بما يواكب طبيعة المرحلة وما يتطلبه العالم الجديد،والعمل لتقويته وإعادة نشاطه الملموس في الساحة السياسية،وتقوية نفوذه بين الجماهير والأوساط الشعبية التي اتجهت اتجاهات شتى بسبب الضعف الواضح للقوى اليسارية،وعلينا التعامل مع الأحداث بديناميكية عالية بعيدا عن التصورات المسبقة التي تتعارض مع الواقع الجديد،وعلينا مخاطبة الجماهير باللغة التي تفهمها ،والنزول لمستواها للارتقاء بها إلى المستوى الذي نطمح إليه.
أن وحدة اليسار ،والعراقي منه بالذات تتطلب وجود جهات لديها الاستعداد والقدرة على الاضطلاع بمهمة التقريب بين الفرقاء،ومحاولة الخروج من التشرنق والضياع،والاتفاق على خطوط عامة توحد خطابها السياسي،ومواقفها من الإحداث،والنأي عن الاختلاف في الاجتهادات النظرية عن التأثير في اتخاذ المواقف مما يجري من حراك في الساحة السياسية،بالاتفاق على رأي موحد يجمع حوله الأطراف ذات التوجهات المتقاربة،والوصول إلى حد أدنى دون أن يعني ذلك التفريط باجتهاداتها،ولعل الموقف من الاحتلال الأمريكي هو أكثر المحاور اختلافا في وجهات النظر،علينا دراسته وفق الحاجة الفعلية لأسلوب النضال في مواجهته،فهل من المصلحة الوطنية في الوقت الحاضر الانحياز الى المعسكر الذي يدعي تبني أخراج المحتل باستعمال الكفاح المسلح،في الوقت الذي تعرف جميع الأطراف اليسارية طبيعة القوى التي تتبنى العنف طريقا لمواجهة المحتل،وتعلم أن أجنداتها لا تصب في المصلحة الوطنية بقدر ما تصب في مصالح أطراف بعيدة عن الهم العراقي،فالقاعدة على سبيل المثال معروف للجميع أجندتها وأهدافها والجهات الكامنة خلفها،فهي صنيعة أمريكية فرضتها ظروف الصراع مع المعسكر الاشتراكي،وبعد الانهيار المريع تحولت هذه القوى إلى مهام أخرى لم ولن تخرج عن مصالح الامبريالية العالمية،وما يجري في الساحة العراقية حاليا هو تخطيط امبريالي لتمزيق وحدة العراقيين تحت عناوين جانبية لا تلتقي مع المصلحة العليا للبلاد،استغلت فيه أطراف مختلفة تلتقي أهدافها مع المصالح الغربية في المنطقة ولا تخرج عن التصور الاستعماري الجديد للولايات المتحدة الأمريكية،فيما يدفع الشعب العراقي ثمنا باهظا من أبنائه وثرواته جراء الصراع الدامي بين هذه الإطراف التي ترتبط بطريق أو آخر بالمصالح الأمريكية في المنطقة،فهل من المعقول أن يقف التيار اليساري إلى جانب القاعدة في صراعها الكاذب مع الأمريكان،أو يقف إلى جانب البعث الذي يحاول استعادة مواقعه عن طريق العنف وهو الصنيعة الأمريكية والمنفذ لمخططاتها منذ إنشائه ولحد الآن،أو يقف إلى جانب القوى الظلامية التي تمثل أجندات مختلفة تصب في النهاية بمصلحة أعداء العراق،أن جميع العراقيين المخلصين الشرفاء ضد الاحتلال ولا يمكن لهم مصافحته أو السير في ركابه،ويمارسون النضال السلمي من أجل التعجيل بإخراجه بعد بناء الدولة الوطنية السليمة.
أن اليسار العراقي بتوجهاته المختلفة بعيد عن هذا الأطراف،وليس من مصلحته الالتقاء معها بأي شكل من الأشكال،لذلك علينا أن نسلك طريقا آخر في النضال الوطني،من خلال تهيئة الأجواء لانقلاب جديد على الواقع المرير الذي يمر به الشعب العراقي الغارق في متاهات الفكر الظلامي بتلاوينه المختلفة،ومحاولة بناء الركائز القوية في المجتمع من خلال العمل المثابر لأحداث توجه جديد يدفع بالصراع الجاري لأفاق جديدة بعيدة عن الطائفية السياسية،وذلك بإعطاء البديل المناسب لفكر جديد يتواءم وطبيعة المجتمع العراقي،بعيدا عن النظريات الجامدة،ووضع أسس نظرية جديدة لا تخرج عن ثوابت المجتمع ومثله التي عاش عليها لآلاف السنين،،وعلينا تحديد الخطاب السياسي بالتركيز على الجانب الوطني الذي يحاول الآخرين إنهائه من خلال العزف على أوتار بعيدة عن الوطن والوطنية.
أن اليساريين اليوم بحاجة إلى بناء وطن ومواطن جديد،وعليهم أيجاد السبل الكفيلة بتمتين دعائم البناء،وترسيخ أسسه،وذلك يحتاج إلى آليات وبرامج لا يستطيع الاضطلاع بها طرف واحد،وتحتاج إلى وحدة هادفة نحو التغيير،فمنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية والفلاحية بدأت تهيمن عليها قوى طفيلية تسيرها الوجهة التي تريد،في الوقت الذي يقف اليساريين الذين كانوا سابقا السباقين لإنشائها دون حراك،يتفرجون على ما يجري دون أن تكون لهم القدرة على المشاركة الفاعلة في الأحداث،في الوقت الذي تحاول أطراف يسارية لا تدري بما يجري في الساحة العراقية القفز على الواقع ومغازلة الأطراف التي تقف وراء هذه الجمعيات في محاولة لإثبات وجودها وبيان موقعها،في الوقت الذي تتوجه مسيرة الأحداث لصالح أطراف أخرى معادية لليسار،لذلك علينا بناء الركائز التي تجعلنا في قلب الأحداث،والمشاركة الفاعلة بها من خلال ثقلنا الجماهيري،الذي بدء بالانحسار أو التلاشي لعدم وجوده على الأرض،وانصراف رموزه للصراع النظري ،فيما تحتاج الأمور إلى معالجات عملية يمكن من خلالها أيجاد القواعد الراسخة لمنطلقات النضال الوطني،وعلينا العمل ضمن الواقع الراهن وترك الأمور الأخرى للمستقبل بعد أن نوجد الأرضية الصالحة للبناء،فليس من المجدي وضع خارطة لبناء دار فاخرة إذا كنت لا تمتلك الأرض التي تشيد عليها تلك الدار،أو تتصارع على السمك الذي لا زال في النهر.
ويتناسى بعض اليساريين العدو الحقيقي لقوى اليسار،بالتركيز على الجانب الامبريالي منه،متناسين أن الساحة العراقية فيها من هم أشد خطرا من الامبريالية العالمية،أولئك الذين اتخذوا من عداء الامبريالية طريق لتحقيق مآربهم الدنيئة في الاستحواذ والهيمنة،وهؤلاء هم الأعداء الحقيقيين الذين بدءوا بالتنامي والتمهيد لاحتلال دونه الاحتلال الأمريكي حقدا ومضاء،وعلينا التفكير بمواجهة هؤلاء قبل مواجهة الإمبريالية التي لا تحضا بالقبول بين الجماهير لمعرفتهم بحقيقتها بفضل الفكر اليساري الذي رسخ في العقل العراقي العداء لها،والتنبيه لشرورها،لذلك علينا مواجهة الاستعمار الجديد الذي أخذ أوجه فكرية مؤثرة لا يمكن مواجهتها إلا بطرائق وآليات جديدة لا يمكن لغير اليسار الحقيقي العمل على إيجادها،وهذه هي المهمة الآنية في مواجهة الاحتلال الجديد ذي الوجه المقنع الذي تزيد شروره على الاحتلال البغيض،مما يحتم علينا السعي لمواجهته بتوحيد الصفوف وإيجاد الخطاب المناسب للمواجهة الكبرى مع الاحتلال الجديد.