الرئيسية » مقالات » الإخلاص

الإخلاص

الإسلام دين الأخلاق الحميدة دعا إليها وحرص على تزكية النفوس بها، وقد مدح الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه فقال { وإنك لعلى خلق عظيم } القلم:4
وقد بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم لإكمال مكارم الأخلاق عندما قال عن نفسه ( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وكذلك تخلد الأمم بأخلاقها فلله در شوقي حين قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُ ذهبوا أخلاقهم ذهبوا
لذا على ابن آدم عامة و المسلم خاصة أن يتجمل بحسن الخلق ، وأن يكون قدوة المسلم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أحسن الناس خلقاً وكان خلقه القرآن.
وبحسن الخلق يبلغ المرء أعلى الدرجات وأرفع المنازل ويكتسب محبة الله ورسوله والناس أجمعين، فمن هذا الباب أحببت أن أذكِّر أفراد أمتي بهذه الأخلاق لعل وعسى أن تفيق الأمة من سباتها العميق، وسيدور حديثي في اللقاء الأول هذا حول الإخلاص الذي هو مسك القلوب وماء حياته ومدار الفلاح كله عليه.
إذاً فما هو الإخلاص؟
الإخلاص في الحقيقة تعددت معانييه عند العلماء ، ولكنها في نهاية المطاف تصب في مشكاة واحدة، فهو : أن يجعل المسلم كل أعماله لله سبحانه ابتغاء مرضاته، ولا يقصد ورائها السمعة والشهرة .
فالإنسان الذي يعمل بإخلاص لا يعمل ليراه الآخرون ويتحدثوا عنه، فقد قال سهل بن عبد الله التستري: نظر الأكياس – جَمْعُ كَيِّس – في تفسير الإخلاص، فلم يجدوا غير هذا: ( أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى، ولا يمازجه شيء لا نفس ولا هوىً ولا دنيا ) .
إذا فالإخلاص واجب في كل الأعمال ؛ لأن الله لا يقبل من الأفعال إلا خالصها ؛ لقول سبحانه :{ وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء }البينة:5 ؛ وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : ( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابْتُغى به وجهه ) .
ومما لا يدعو إلى الشك أن تخليص الأعمال من أدران حظوظ النفس من رياء وحب المدح والثناء، وما سواها من الأمراض والشهوات أمر يصعب على النفوس، وقد قيل: أشد شيء على النفس الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب ، وفي هذا يقول حجة الإسلام الغزالي رحمه الله : ( من سلم له من عمره لحظة خالصة لوجه الله نجا، وذلك لعزة الإخلاص، وعُسْر تنقية القلب عن هذه الشوائب.)
نعم … الإخلاص ليس بالأمر الهين، وقد يجول في خاطر أحدنا تساؤلا مفاده : إذن ما السبيل إلى الإخلاص ؟ أو بتعبير آخر ما هي الوسائل المعينة على تحقيق الإخلاص ؟
-إن أجل أسباب تحقيق الإخلاص هو إجلال الله عز وجل وتعظيمه في قلب المسلم،والإيمان بأن الله معه في كل مكان{يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}غافر 19
– ومنها إخفاء العمل عن الآخرين ، أي لا بد للعمل أن يكون بين العبد وربه ، قال الجنيد رحمه الله : ( الإخلاص سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله )، وأروع من ذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) .
– وكذلك يعين على ذلك الإكثار من الدعاء بأن يرزق الله أحدنا الإخلاص، ويبعده عن الرياء وهذا كان دأب السلف، فكان عمر رضي الله عنه يسأل الله ربه الإخلاص قائلاً: ( اللهم اجعل عملنا كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد من خلقك فيه شيئاً ) .
والمتأمل في الإخلاص ومدى صعوبة تحقيقه، قد يسأل أين ستضعني رحالي في رحلة الإخلاص ؟ سؤال في محله، ولكن لو علم السائل ما في الإخلاص لتريث قليلاً، فليعلم أن للإخلاص فضائل عظيمة، وآثار جليلة دعني أعدد لك بعضها :
1_ تعظيم العمل وتكثر الثواب، يقول ابن المبارك رحمه الله ( رُبَّ عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغيره النية ) .
2_ حفظ القلب من الخيانة والحقد، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلب امرئٍ: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم ).
3_ حفظ الأمة وتحقيق النصر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم ).
4_ حفظ العبد من الآفات المهلكة، فيقول الله عز وجل { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين }.
5_ النجاة من الشدائد، وأغلبنا قد قرأ أو سمع بحديث الثلاثة الذين انسد عليهم باب الغار عندما توسلوا إلى الله بخالص أعمالهم التي فعلوها ابتغاء وجه الله، ففرَّج الله عنهم.
6_ رفعة الدرجات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنك لن تُخلَّف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ) .
وهذا غيض من فيض ……. وأخيراً :
أخوتي الأحبة اعلموا أن تحقيق الإخلاص عزيز، لذا فإنه يحتاج إلى مجاهدة قبل العمل وأثناءه وبعده حتى يكون عمل العبد لله، يقول ابن القيم رحمه الله في المخلصين : (أعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاءهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لوجه الله وحده لا يريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكوراً ) .
نسأل الله بمنه وكرمه أن يجعل عملنا كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد من خلقك فيه شيئاً.