الرئيسية » مقالات » سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام ( 14 )

سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام ( 14 )


قال لي أحد الأصدقاء المقربين : ما بالك تبدأ بالعزف على ألحانك من غير مقدمات ؟! تبدأ بها وكأنك على عجل من أمرك .. أجبته مازحا : نحن في عصر السرعة ..
كان قدري أني خططت للحن الذي أنا في صدده الآن مقدمة لابد منها ، ولو أني أميل إلى المقالة التي تبدأ من نهايتها .
دخل الإنسان عصر التطور من أوسع أبوابه ، وارتبط تطوره هذا بشكل أساسي في حياة الإنسان المادية من خلال استخدامه للوسائل المتطورة ، حتى أطلق على عصرنا أسام مختلفة، عصر التطور ، عصر السرعة ..
على أن التطور تجاوز حدود المادة إلى صناعة المشاعر والعواطف أيضا !! فالرجل الذي كان يرغب في الارتباط بفتاة ليتزوجها، أو ربما وقع في حبها لأول نظرة، كان يسعى جاهدا للبحث عن شريكة حياته بين الحدائق و الزهور، وطارقا أبواب العائلات المحترمة يستأذن أهلها في الدخول لطلب يد من استقرت مع حبها في قلبه، أو على الأقل للتعرف عليها عن قرب من خلال مجالستها في وجود محارمها ..
أما في عصر التطور يلجأ الكثير من الشباب للبحث عن الشريكة عن طريق وسائل الاتصال الإلكتروني وعلى رأسها شبكة الإنترنيت ، فبمجرد الضغط على زر واحد يصل إلى آلاف الفتيات اللاتي يجلسن وراء شاشات الكومبيوترات لعل فتى الأحلام يخرج منها كالعفاريت !!
ويبدأ بالتجول من واحدة – سواء ردت عليه أو أهملته – لأخرى ، حتى يعلق حظه بإحداهن ؛ ليبدأ معها قصة حب خيالية منسوجة من خيوط الكذب والتحايل والمراوغة !!
وفرق كبير بين حبيبين جمعهما الحب الحقيقي العفيف الطاهر ذو المشاعر المتبادلة من خلال التعارف الشرعي القائم على أساس الاحترام المتبادل في ظل علاقات أسرية وبين حبيبين اجتمعا لساعة على الانترنيت قضياها بالاحتيال في المشاعر والأكاذيب في المعلومات ابتداء من سنوات العمر ، والحالة الاجتماعية ، وانتهاء بإظهار مستوى عال من التفكير والعلم والعبقرية !!
الحب الإلكتروني عديم الطعم واللون والرائحة ، فارغ من معاني الحب الحقيقي التي تعطي في نهايتها ثمارا يانعة ، خاصة إذا عُلِمَ أن من يلجأ إلى هذا النوع من الحب الرقمي هو المحروم من الحب الحقيقي الذي لا يأتي بالجلوس أمام شاشة تحول الإنسان إلى صخر أصم!!
الحكم الشرعي :
سألتني إحدى الأخوات عن حكم كشف الفتاة وجهها لصديق لها على الإنترنيت ، تؤكد الفتاة على صدقه واحترامه، ورغبته في الزواج منها، هما – كما تقول الأخت – في مدينة واحدة، قلت لها: باعتبار أن الشاب يبدي رغبة الاقتران بها بنية حسنة وسليمة لتطلب الفتاة منه عنوانه بالتفصيل لتقوم بزيارة إلى بيته، أو لتعطي عنوانها له ليقوم هو بزيارة أهلها، ويرى الفتاة عن قرب !!
طلبت الفتاة منه ذلك فرفض صاحبها الفكرة مصرا على العلاقة عبر الإنترنيت فترة تتمكن له معرفتها على حقيقتها ورؤية جوهرها !! والله أعلم أي جوهر يريد !!
أما بالنسبة للحكم الشرعي، اعتقد – والله اعلم بالصواب – أن الفتاة التي تحاور شابا على الإنترنيت بمفردها دون أن يكون حولها من محارمها ترتكب إثما شرعيا، حكمها كالجلوس مع أجنبي في خلوة منهية عنها شرعا .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 🙁 من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان ) صحيح أخرجه أحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . بل وأجزم أن الخلوة الإنترنيتية اخطر بكثير من الخلوة الحقيقية بين الرجل والمرأة لأسباب عدة منها :
– في الخلوة الحقيقية ربما يكون روادع الخوف والحياء ، في كل من الرجل أو المرأة سببا في عدم وقوع كل منهما في خطأ لا يحمد عقباه .
أما في الحب الإلكتروني تكون الفتاة خاصة متحررة من هذه القيود والروادع ، فتأخذ حريتها أكثر ظنانة أنها في مأمن من أمرها ، غير متصورة أنها ربما تقع في الفخ من حيث لا تشعر ، عندما تضع رأس الخيط في يد المجرم الذي يبدأ بسحبها به إلى مهلكها ، حينها لا يفيدها خوف ولا حياء وتكون الكارثة عليها وعلى أهلها !!
– وفي الحب الحقيقي يكون ارتباط الشاب بمحبوبته فقط باذلا كل غال لإكمال مشواره معها، ليصلا إلى قمة هذا الحب في زواجهما زواجا ميمونا مباركا تشع منه روائح السعادة وتكون مصدر الابتسامات التي لا تنتهي عند الضفاف كما هي دوامات الجداول ..
أما الحب الإلكتروني فربما يكون الشاب في علاقة حب وهمية مع عشرات الفتيات، وربما يكون في بعض علاقاته تلك يهدم علاقة حب حقيقية لفتاة لها ارتباط مع حبيب آخر ، أو مع خطيب ينتظر محبوبته ، أو مع زوج يجمعهما دفء فراش الزوجية !!
– الحب الحقيقي يكون أرضية صلبة تقام عليها قصور مشيدة تمثل حياة زوجية سعيدة، تلك الأرضية التي يكتب ويرسم عليها الحبيبان صورة الحياة المستقبلية التي تجمعهما من خلال الحديث عن العش الزوجي ، الأولاد ، طاعة الوالدين ، حب الأهل ، وكيفية التعامل مع أصدقاء كل منهما ..
أما الحب الإلكتروني فيكون مستنقعا للحديث الفاحش ، الذي لا يخرج عن العورات وما يغطيها ، وما يرتبط بها !!
نتائج وخيمة :
يكفي لمن أراد أن يتعرف على مدى خطورة نتائج هذا النوع الهزلي من الحب أن يرى من خلال أي برنامج حواري الكم الهائل للموجودين من جميع دول العالم وهم يتحاورون بلغاتهم المختلفة، سيرى أن اغلب الذين يبحثون عن الجنس الأخر يطلبونها من باب التسلية، وفي قضاء الوقت بالحديث الذي ينتهي في النهاية بلا فائدة من كلا الطرفين !!
بل يتعدى الأمر في بعض الأحيان إلى الابتزاز المادي بين كل من الحبيبين .
كما أن الحب الإلكتروني قد يكون سببا في تدمير حياة أسر وعائلات ملتزمة يصعب على لصوص العواطف أن يخترقوها بأجسادهم فيفعلوها عن طريق الإنترنيت ، ويدخلون البيت من ظهورها ، إذ ربما تتساهل الفتاة في إعطاء حبيبها الوهمي دليلا سواء صورة فوتوغرافية أو أفلاما حركية أو حتى أصواتا تنسب إليها ، كل ذلك يكفي أن يكون سببا في تهديده لها !!
ولو عدنا إلى النتيجة النهائية لوجدنا أن الخاسر الأكبر في هذه الدراما الوهمية هي الفتاة بالدرجة الأولى ، كونها تعلق آمالا في الحصول على شاب يكون زوجا لها يحميها من قادم أيامها وهي خائفة أن تلتهم ربيع حياتها …
اتصل بي شخص من أوروبا يوما يشتكي من أحد المواقع الإلكترونية لنشرها مقالة لأحد الشباب يذكر فيها قصة ارتباطه بإحدى الفتيات، وبناء علاقة حب معها، وعندما وصل الشاب معها للمراحل الأخيرة قبيل الزواج منها اكتشف بان الفتاة التي تحاوره متزوجة تحت عصمة رجل أخر ولها طفلان !!
صعق الشاب المسكين من هول ما رأى، ويبدو انه كان صادقا نوعا ما في مشاعره، لأنه وكما قال في مقالته أنه تعب كثيرا ليحصل على فتاة تنتمي لبيئته مفضلا إياها على الأوروبيات !!
كيفية الحماية من فيروس الحب الإلكتروني ؟
وحتى يضع الإنسان سياجا حاميا لأسرته حتى لا ينتقل إليها هذا الفيروس المعدي، وبالتالي تسلم العائلة من الكوارث والمصائب الاجتماعية ، عليه أن يراقب تصرفات أفراد أسرته منذ بداية نشأتهم، وعدم وضع الكمبيوتر المرتبط بالإنترنيت في غرفهم الخاصة ، والإصرار على وضعها في غرفة المجلس للعائلة .
كل ذلك إضافة للتربية الأخلاقية الصحيحة القائمة على الحوار والتفاهم والإقناع ، وبيان أسباب ونتائج وأثار المنع ، وإعطاء مساحة واسعة للمناقشة حتى يسمع وجهة نظر أبنائه في المشكلة ليكونوا جزءا من الحل وخاصة الفتيات منهم ، وبذلك يكون الجميع مقتنعا بما يخططه الربان لمركب العائلة .
الحب الإلكتروني …. ماذا بعد ..
اعتقد في نهاية هذا اللحن أن مصطلح الإلكتروني غير صحيح من وجهة نظري المتواضعة، كما وأتصور أن المصطلح الصحيح الذي يحل مكانه في النهاية بحكم نتيجته هو الكره الإلكتروني ؛ لأن الخاتمة السوداء لمثل هذا الحب الرقمي الوهمي يكون حقدا ، وفقدان ثقة بين الجنسين بشكل عام، ليس من قبل كل من الحبيبين فقط، وإنما من الذات أيضا، فعندما يشعر الإنسان بالفشل الدائم في الحصول على حبيب في هذه الحياة ، يكون أشبه بالأموات ولو انه يمشي بين الأحياء !!
وقبل أن أختم لحني هذا لا بد من الإشارة إلى الفرق بين خدمة الإنترنيت في استخدامه من قبل بعض المؤسسات الاجتماعية التي تقوم بدور الوساطة بين الشاب الذي يبحث عن زوجة وبين الفتيات اللاتي يبحثن عن أزواج لائقين ، وبين خدمتها التدميرية والهدامة في نشر فيروس وعدوى بل ومرض الحب الإلكتروني بين جيل لا يعيش إلا في الأحلام والأوهام السرابية التي يظنها الظمآن ماء ..