الرئيسية » مقالات » في وداع عام!

في وداع عام!

في حياة كل منا لحظات وداع وتوديع، لحظات قد تكون مليئة بالحزن والمرارة، أو بالمسرة والحنين لكي يتكرر ما فات.
في حياتي الطويلة ودعت أحبابا كثيرين، ودعتهم بالحزن الممتزج بذكريات عزيزة رحلت معهم ولكنها حية في كياني؛ أقرباء كانوا، أو أصدقاء، أو زملاء كفاح.
لقد ودع الشاعر العباسي ابن زريق حبيبته البغدادية في الكرخ، فقال وهو يقطر حزنا:
“ودعته وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه”
بمثل هذا الشعور ودعت الوالدين، وأشقاء وشقيقات، وزملاء سجون، وحبا عاطفيا منحني الأمان والبهجة فترة من الزمان، كما ودعت بشعور من الألم حيوانا أليفا هو [ريمي]، عاش معي 11 سنة كان يغمرني فيها بالحنان، ويساعدني على تحمل الهموم، وقد يتوهم البعض أن رثاء حيوان من الشذوذ ولكن الأدبين العربي والعالمي زاخران بتوديع حيوانات أليفة عاشت مع المودعين.
ها نحن اليوم في عشية توديع 2007 واستقبال خليفته. إن وقفتنا هنا لا يمكن أن تقتصر على محطات خاصة وشخصية، بل على المحطات السياسية الكبرى في حياة شعبنا والعراق، وفي المنطقة، وفي العالم.
إن العام الذي ينصرم لم يحمل للعراق أي أمل بالخلاص من محنته وآلامه، بل استمر تخبط الحكام، وصراع مليشياتهم الدموية الطائفية، ونهب المال العام، والانقطاع التام للكهرباء في العاصمة، واستمر وقوع الضحايا البشرية الغالية على أيدي التكفيريين المجرمين، وقوى بعثية لا تزال تحلم بالعودة بسفك الدماء، وعلى أيدي المليشيات الحزبية العاملة على تحويل البلاد إلى دولة دينية خامنائية، وهو ما يتحقق في الجنوب، وخاصة في البصرة حيث تقام طالبانية شيعية، تقتل النساء، وتضطهد المسيحيين والصابئة المندائيين، وتقوم بتهريب النفط، وتواصل تصفية حساباتها مع بعض، وإيران داخلة فيهم “عرضا وطولا” حتى تكاد البصرة أن تكون إمارة إيرانية. إننا نفكر بكل حزن بالضحايا المتساقطة يوميا، من عراقيين ومن زهرة الشباب الأمريكي الذين يقتلون، مع المدنيين العراقيين، بسيارات مفخفخة، وأحزمة ناسفة قاعدية، وعبوات إيرانية الصنع؛ نفكر بالمسيحيات والمسيحيين المطاردين المضطهدين على أدي عناصر مجرمة منحطة لا علاقة لها بالعراق، الذي ساهم مسيحيوه بنشاط في حياته السياسية، والعلمية، والفكرية، والفنية، والاقتصادية.
في 2007 فقدنا فنانين كبيرين أحدهما في بغداد هو الموسيقار الكبير سلمان شكر، وراسم الجميلي في المغترب. الفقيد سلمان كان موسيقارا معروفا على نطاق دولي، توفي منعزلا في بيته مع عائلته، وراح يحتضر بسرعة دون أن تقوم أية جهة عراقية رسمية وأي طرف، كرديا، او عربيا، شيعيا أو سنيا، بالعمل لإنقاذه من الموت. وفي المغترب توفي راسم الجميلي، الذي لن أنسى دوره في تمثيلية “تحت موسى الحلاق”، التي كنا نشاهدها بشغف واستمتاع ونحن في البيوت الحزبية السرية. شخصيتا “أبو ضوية” و”عبوسي” [حمودي الحارثي] في البال دوما.
مجدا للجميلي، وسلمان شكر، ولابد أن يأتي يوم يجري فيه الحفاظ على إبداعهما ونشره على أوسع نطاق.
إن الظاهرة الوحيدة، في نظري، التي تبعث على الارتياح هي التحسن الجزئي في الوضع الأمني في بغداد والمناطق الغربية، وقيام “مجالس الصحوة”، غير أن هذا التحسن يظل هشا جدا، لأن خطر القاعديين موجود مع استمرار تسلل الإرهابيين، ولأن هناك مناطق منتهكة ومستباحة، ولأن ثمة قضايا مزمنة ومعقدة هي كالقنابل الموقوتة.
أما إقليميا وعربيا، فهناك قضايا ساخنة جدا وهي، عدا العراق، أزمة لبنان المتواصلة بفعل إيراني – سوري وعملاء محليين لهما، ومخاطر النووي الإيراني مع تنشيط التخصيب الذي هو العنصر الحاسم في صنع القنبلة النووية، والدعم الروسي العسكري لحماية هذا المشروع بتزويد إيران بصواريخ أرض جو متطورة. إن إيران تظل الخطر الأول على العراق والمنطقة، ويخطئ حكام الخليج إن انخدعوا بالمناورات والزيارات الإيرانية المتعاقبة. أما في القضية الفلسطينية “الأبدية”، فإن مؤتمر أنا بوليس كان حدثا هاما لدعم الشعب الفلسطيني وحكومة أبو مازن، ولكن عقبات حماس وتخريباتها مستمرة، وأيضا بدعم إيراني وسوري مفضوح. أما أزمة دارفور، فإن الأنظمة العربية لا تزال صامتة عن الانتهاكات السودانية الكبرى وحرب الإبادة في دارفور، إنه صمت هو بمثابة تشجيع وتواطؤ.
وهكذا، فليس في المنطقة ما يفرح ونحن نودع عام 2007.
نعود الآن للوضع الدولي، حيث تبرز أحداث هامة وقعت خصوصا في فرنسا، وروسيا، وأيضا في بلدان ومناطق أخرى.
إن فوز سركوزي في رئاسة فرنسا كان انعطافا هاما في السياستين الخارجية والداخلية لفرنسا، وخصوصا في إنهاء سياسة التأزيم المفتعل مع الولايات المتحدة، وفي الموقف الأكثر حزما من النووي الإيراني، والتحرك النشيط في لبنان، ودعم الوجود العسكري الفرنسي في أفغانستان في الحرب ضد الطالبان، والإرهاب الإسلامي العالمي.
أما في روسيا، فقد برز بوتين بأقصى قوته، وكالرجل الذي يهيمن على جميع مفاصل الدولة وأجهزتها. بحيث لو جاء خليفته فإنه وحده يبقى مسيرا لروسيا وسياساتها، وفي الوقت نفسه راح بوتين يعود تدريجيا لخطاب ومواقف الحرب الباردة في التعامل مع الولايات المتحدة، وفي دعم أنظمة خطرة كالنظام الإيراني. إن روسيا تستعرض كل يوم عضلاتها بحجة أن واشنطن تهددها رغم علم بوتين بأن هذا هراء، حيث انقضى عهد الحرب الباردة وإن بين الدولتين لا تزال اتفاقات ونقاط مشتركة.
وأخيرا لابد من لفت النظر مجددا لظاهرة الشعبوي الفنزويلي شافيز، وهو ما عالجناه في مقال سابق تحت عنوان أممية شافيز.
الخلاصة: أن الوضع الدولي لا يزال مضطربا، والعام الجديد سيكون عام رئاسة أمريكية جديدة ستقرر مسار الدولة الكبرى، وتأثير ذلك على مجمل الأوضاع سواء في الولايات المتحدة ،أو العالم، أو العراق.
هكذا ينقضي عام 2007، الذي لا يمكن، في نظري، الأسف عليه، فلننتظر خليفته!
27 ديسمبر 2007