الرئيسية » مقالات » موضوعات للمناقشة : هل من صراعات فعلية حول مستقبل العراق الديمقراطي الاتحادي؟

موضوعات للمناقشة : هل من صراعات فعلية حول مستقبل العراق الديمقراطي الاتحادي؟

1
مر حتى الآن 86 عاماً على تأسيس الدولة العراقية وتتويج الأمير فيصل بن الحسين بن علي في 23 آب/أغسطس من عام 1921 ملكاً على هذه الدولة المتعددة القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية , خاصة بعد أن ألحقت ولاية الموصل , وبضمنها منطقة ومدن إقليم كُردستان , بالدولة الفتية في العام 1926 وفق قرار عصبة الأمم. وقد أعدت سلطات الاحتلال البريطاني بالتعاون مع النخبة العراقية الجديدة الحاكمة دستوراً وطنياً وديمقراطياً بخطوطه العامة والأساسية , رغم اعتبار الإسلام دين الدولة الرسمي في دولة متعددة الأديان من جهة وطبيعة الدولة القانونية. ويمكن لمتتبعي هذه الفترة الطويلة نسبياً والقصيرة بعمر الزمن أن يشخصوا على الساحة الفكرية والسياسية العراقية بروز اتجاهين فكريين وسياسيين هما : الفكر المحافظ والفكر القومي العربي بكل تفرعاته وتشعباته وبرامجه من جهة , والفكر الديمقراطي بكل اتجاهاته وتفرعاته وبرامجه. لم يكن كل شيء في الاتجاه الأول سيئاً , كما لم يكن في الاتجاه الثاني كل شيء جيداً وديمقراطياً خلال العقود المنصرمة , رغم أن الأول يعود إلى الماضي ويتشبث به وكان في السلطة , في حين أن الثاني يتطلع إلى المستقبل ويسعى إلى التغيير والتجديد , ولكن في إطار الواقع الاجتماعي والسياسي العراقي ولم يصل إلى السلطة. وقد كان الدستور أكثر تقدماً وأبعد تطوراً من الواقع الذي كان العراق يحتضنه. وتجلت هذه الفجوة بين مضامين الدستور وواقع الحكم السياسي. وقد اتسعت هذه الفجوة كثيراً رغم التحولات النسبية المهمة التي حصلت في العراق طيلة فترة العهد الملكي , سواء أكان ذلك في تشويه ممارسة الدستور وفي تزوير الانتخابات وفرض الحكم غير الديمقراطي على البلاد بمظاهر شكلية مثل : وجود مجلس نيابي وانتخابات عامة وبعض الأحزاب وفي فترات معينة وبعض الصحف ومحاكم ومؤسسات أخرى. ورغم تأكيد الدستور على الفصل بين السلطات , فأن الفصل بينها كان غائباً , إذ كانت السلطة التنفيذية قد هيمنت فعلياً على السلطة التشريعية والسلطة القضائية حيثما كان ذلك مطلوباً ومتى شاءت ذلك , وغابت الحريات الديمقراطية والحياة السياسية الحرة عن المجتمع ومصادرة حقوق القوميات. وقد أطبقت السجون على جمهرة واسعة من المعارضين السياسيين والمثقفين الديمقراطيين وأصحاب الرأي الآخر الذين تعرضوا للاضطهاد والتعذيب والإعدامات والموت في مجزرتي بغداد والكوت. وكانت الفترة الواقعة بين 1955-1958 أكثر تلك الفترات قسوة وشدة في مناهضة الديمقراطية والشرعية الدستورية بعد أن أصدرت حكومة نوري السعيد عدة مراسيم منافية للديمقراطية وحقوق الإنسان وغير عقلانية , رغم كون العراق من الدول المشاركة في وضع وإقرار اللائحة الدولية لحقوق الإنسان والمصادقة عليها في العام 1948.
2
على امتداد الفترات المنصرمة عاش المجتمع العراقي تجارب وجود القوى المحافظة على رأس السلطة السياسية وعرف سياساتها وخَبِرَ أفعالها , ولكنه لم يعرف حتى الآن تجارب فعلية للاتجاه الديمقراطي في السلطة. وما يقال عن تجربة عبد الكريم قاسم فهي لم تكن فترة قصيرة حسب , بل وكانت ملتبسة حقاً وضاعت بين فوضى وعبثية السياسة والقوى السياسية غير الناضجة من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية وفردية عبد الكريم قاسم شعوره الطاغي وغير العادل والخاطئ بأنه المنقذ الفعلي والوحيد للعراق , وهي حصيلة منطقية لواقع الحال الذي عاش فيه العراق في تلك المرحلة الطويلة والتي ترتبط بعدد كبير من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقومية والدينية والمذهبية من جهة , وبسبب التدخل الخارجي , الإقليمي والدولي , الفظ في الشأن العراقي الذي ساعد على وأد التجربة منذ السنة الأولى على بدئها. وهذه الانتفاضة العسكرية كانت وستبقى هذه التجربة درساً ثميناً لكل من يسعى إلى السلطة عبر القوات المسلحة وباستخدام السلاح , غذ برهنت الحياة على خطأ هذا الأسلوب وعواقبه المحتملة والعديدة.
3
ويفترض أن تكون قد نضجت وتبلورت لدى الإنسان العراقي خلال الفترة الطويلة المنصرمة ما يكفي من المعرفة السياسية والاجتماعية وما يكفي من القدرة على الرؤية الواعية والتمييز بين ما هو نافع وما هو ضار لهذا المجتمع ولأفراده , بسبب ما عاناه في ظل نظم شوهت مفهوم الديمقراطية ومارست الاستبداد بكل أشكاله وعمقت عاقبه الوخيمة وصادرت حرية الإنسان وحقه في الحياة وحرياته الديمقراطية الأخرى وسرقت حقه في العيش بأمن وسلام , وتسبب في معاناة طويلة وكثيرة من النكبات المتلاحقة والحروب والحصار الدولي والقمع السياسي , إذ أجبر الشعب على تحمل أغلى التضحيات وتعرف على مختلف القيم والمعايير المشوهة وتلظى بالإخفاقات ولم ينعم بالنجاحات النادرة والمحدودة.
4
ولا شك في أن فترة استبداد حزب البعث وأيديولوجيته القومية الشوفينية المتطرفة وسلوكه الطائفي وسياساته العدوانية إزاء الداخل والخارج قد تجاوزت كل المظالم التي عاش فيها العراق قبل ذاك , وتسببت سياسات صدام حسين في تدمير اللبنات الأولى التي بدأت في فترة العهد الملكي بمحاولة إقامة مجتمع يدين ببعض قيم مدنية وإنسانية , كما تسببت في تعميق الصراع القومي وكادت تطيح بالأخوة والتضامن بين الشعبين العربي والكردي ومع القوميات الأخرى ومارست الطائفية السياسية بأسوأ صيغها وكافحت الآخر فكراً ووجوداً جسدياً. لقد كانت فترة حالكة الظلام واستثنائية في تاريخ العراق الحديث ومأساوية ازداد عدد الضحايا الذين تساقطوا وفقدوا حياتهم بأساليب وأدوات مختلفة على مليوني إنسان , إضافة إلى هجرة ما يقرب من ثلاثة ملايين عراقية وعراقي صوب دول الجوار وبلدان العالم الأخرى وشكلوا الشتات العراقي الجديد والكبير.
5
إلا أن ما نعيشه اليوم , ومنذ سقوط دكتاتورية البعث الصدامية الغاشمة , يؤشر إلى بروز اتجاه آخر ويؤكد أن الغالبية العظمى من القوى السياسية العراقية وخاصة قوى الإسلام السياسية , دعْ عنك الإنسان الاعتيادي , لم تستفد من تلك التجارب الغنية جداً والحزينة جداً والطويلة تماماً , والتي كانت هي ضمن ضحاياها , كما لم تتعظ بدروسها التي يمكن أن تساعدها على النهوض من الكبوة الطويلة التي عاشتها في ظل البعث وحكمه وخيمته الفكرية والسياسية الفاشية. إذ أننا نعيش اليوم محاولات جادة لفرض دكتاتورية أخرى لا ترتدي اللباس القومي العربي المهلهل الذي تلبس به حكم صدام حسين , بل ترتدي العمامة والجبة الدينية , جبة الإسلام السياسي الطائفي الأكثر تهلهلاً والأكثر إثارة للفرقة والتشتت والأكثر إشاعة للصراع والنزاع الدموي. بعضها يتحدث باسم الدين فقط , وهي بعض قوى الإسلام السياسي الشيعية , وبعضها يدمج الدين بالقومية , كما في حالة بعض قوى الإسلام السياسي السنية. وهي ظاهرة مرتبطة عضوياً بما عانى منه العراق وما نتج عنه من آثام وعواقب وخيمة من جهة , وعن طبيعة المجتمع ومستوى تطوره ووعيه وثقافته من جهة ثانية , وعن طبيعة الأحزاب الإسلامية السياسية القائمة على أسس طائفية وتنطلق من مواقع فكرية طائفية قائمة على سياسة تمييز خانقة ومدمرة بين المواطنين وبين المرأة والرجل من جهة ثالثة , وعن سياسة احتلال أمريكية ساهمت في تكريس الظاهرة الطائفية وعواقبها على مستوى الحكم دستورياً ولم تخلقها من جهة رابعة , إضافة إلى ظاهرة الحجب الجدي والصارم لدور المثقفات والمثقفين الديمقراطيين عن الحياة العامة والحياة السياسية والاجتماعية والثقافية العراقية. وليس من العدل بمكان أن نشير إلى أن ما يجري في العراق يتسم بالحرية والديمقراطية , فكلاهما غائب عن العراق الراهن بشكل عام , ومظاهره الشكلية لا تسمح حتى الآن بالعيش في ظل حياة حرة وكريمة. وما يجري في جنوب ووسط العراق تعبير وتجسيد صارخ يمكنه أن يقنع من لم يقتنع حتى الآن. فما تزال البصرة الحزينة والبصرة المستباحة تئن تحت وطأة المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة والحاكمة في آن.
6
ولا شك في أن قوى الإرهاب الدموي الذي تمارسه قوى القاعدة وبقايا قوى البعث ألصدامية المسلحة وقوى أخرى غير قليلة تلعب دورها في دعم الموت اليومي للعراقيات والعراقيين رغم تقلص عدد ضحاياه , إذ أن الأساس المادي لتصفية الإرهاب غير متوفرة حتى الآن , وبالتالي يمكن أن يتفجر الإرهاب بأشد مما كان عليه في كل لحظة لوجود قوى غير تلك التي ذكرت في أعلاه لها مصلحة في الفوضى ونشر الرعب والفساد المالي والإداري في البلاد , فالإرهاب والشوفينية والطائفية والفساد المالي هي أوجه مترابطة ومتشابكة لعملة واحدة , وأن الخلاص منها يتطلب سياسات أخرى غير المنتهجة حالياً في العراق. وسياسة الحكومة الراهنة التي تسمى بحكومة الوحدة الوطنية , هي ليست كذلك و وهي غير قادرة , كما تؤشر دلائل كثيرة , على إيصال العراق إلى شاطئ الأمن والسلام والاستقرار والمواطنة الواحدة.
7
إن ما سبق الإشارة إليه بكثافة شديدة يسمح لي بالادعاء بأن ملامح الصراع الطويل , الذي عاش فيه العراق على امتداد الفترة المنصرمة والتي عاش جلها من وُلدَ في العشرينات أو الثلاثينيات أو حتى الأربعينات من القرن الماضي ومن امتد به العمر حتى الآن ليعيش صراعات كل العقود التالية حتى الوقت الحاضر يمكنه أن يشهد على ما أقول , عادت اليوم من جديد إلى الحياة , ولكن بميزان قوى مختل وبمعايير مختلة تمارس أدوات مختلة ومختلفة وبقوى إقليمية ودولية مختلفة أيضاً وذات مصالح متصارعة على الأرض العراقية. وهذا يعني أن الصراع القديم في ظل العلاقات الاجتماعية السابقة يعيد إنتاج نفسه , ولكن بقوى أخرى أكثر تشوهاً وبحالة أكثر تعقيداً من السابق وأكثر قسوة ومرارة , حيث يبدو وجود مواقع قوة للقوى المحافظة من الطراز الجديد ومواقف ضعف للقوى الديمقراطية , ولكن ميزان القوى هذا غير ثابت ومتحرك ومتغير , إن قسنا العملية الجارية بعمر الزمن والتحولات التي تستغرق وقتاً طويلاً لأن التاريخ لا يتحرك ولا يتطور أو يتغير وفق إرادتنا الذاتية , ولكن وفق قوانين موضوعية ووفق مدى وعينا لتلك القوانين وسبل تعاملنا معها ونقوم به وما نستطيع التأثير عليه. والتغيير سوف لن يكون قفزة أو طفرة , بل سيكون طويلاً ومرهقاً وتدريجياً مع إمكانية تعجيلها حين يمكن تغيير ميزان القوى بالشكل المناسب. وإذا كان الصراع الراهن يحمل معه جوانب قوة واضحة للقوى المحافظة الجديدة الأكثر تخلفاً من القوى المحافظة السابقة وأكثر عنفاً وقسوة , فهي ناشئة عن ضعف في القوى الديمقراطية والعلمانية والعقلانية , بمن فيها الجماعات الإسلامية الديمقراطية والعلمانية من جهة , ويحمل في داخله بذرات تناقض شديدة في صفوف القوى المحافظة ومع الواقع الدولي المتغير من جهة ثانية , إذ تفتح بدورها الدرب المتسع تدريجاً للطرف الديمقراطي الذي يفترض أن يستفيد منه للملمة وتحسين أوضاعه وعلاقاته , رغم أن البعض لا يريد أو لا يستطيع أن يرى ذلك , وبالتالي , لم يستطع حتى الآن الاستفادة منه.
8
أن القوى الإسلامية السياسية المحافظة الجديدة في العراق بدأت ترتكب أخطاء فاحشة على مختلف المستويات والمجالات: الفساد المالي والإداري , التمييز وتغييب روح المواطنة , عدم إشاعة المواطنة المتساوية , العنف والقتل , مصادرة حرية الفرد وحرمانه من التمتع بحياته الخاصة , فرض الخيمة الفكرية الدينية والطائفية على الفرد والمجتمع , نشر المحرمات من مختلف الفنون الإبداعية …مصادرة حقوق المرأة وفرض معايير المجتمع الذكوري المتخلف , وجود عدد غفير من السجناء والمعتقلين السياسيين الذين يفترض إطلاق سراحهم , من النساء والرجال , تفشي الفقر ونقص شديد في الخدمات , وخاصة في مناطق الجنوب والوسط , وسيطرة الحزبية الضيقة في التعيين والتوظيف والامتيازات والزمالات الدراسية والقبول . . الخ , وهي بهذا السلوك تقيم جداراً يزداد سمكاً وارتفاعاً , رغم هشاشته , بينها وبين الفرد والمجتمع , مما ينَّفر قوى المجتمع منها ويبعد الناس عنها , إذ أن سلوك هذه القوى لا يتناقض مع طبيعة الإنسان وحاجاته اليومية وتطلعاته المشروعة حسب , بل ومع طبيعة المرحلة التي تعيش فيها البشرية على الصعيد الدولي , رغم الانحطاط الفكري والسياسي العام في الواقع الجاري في منطقة الشرق الأوسط ورغم السياسات الكونية للدول الكبرى , وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية , التي تمارس وتصادر إيجابيات العملية الموضوعية والتاريخية للعولمة.
9
العراق بحاجة إلى دراسة مستفيضة وواقعية للواقع الراهن وتشابكاته الداخلية والإقليمية والدولية , والقوى الديمقراطية العراقية بحاجة إلى تكوين رؤية أكثر عمقاً وأكثر وعياً وأكثر علمية وموضوعية لهذا الواقع وللقوانين الفاعلة فيه بعيداً عن الكليشهات القديمة , إذ أن التغيرات الاجتماعية الارتدادية الراهنة هائلة في المجتمع العراقي , بحاجة إلى فهم العوامل الرئيسية والثانوية الفاعلة في الوضع ومجرى التحولات المحتملة في حياة المجتمع والصعوبات والتعقيدات الجمة التي تكتنفها والتضحيات الكبيرة التي ستبقى تتطلبها. إن التركة ثقيلة وما أضيف إليها خلال الأعوام الخمسة المنصرمة يزيدها ثقلاً وصعوبة. ولكن لا مناص من العمل من أجل تغيير هذا الواقع غير السهل وغير القصير بأي حال. والتساؤلات المنطقية التي تطرح نفسها علينا جميعاً هي : ماذا تريد كل من قوى الإسلام السياسية الطائفية والقوى الديمقراطية العلمانية العقلانية إقامته في العراق ؟ وإلى أي وجهة يراد للسفينة العراقية غير الراسية حتى الآن أن تتجه وترسي ؟
10
كل دلائل الواقع العراقي تؤكد بأن صراعاً مركباً , متشابكاً ومعقداً جداً يدور اليوم , إذ يصعب وضع حدود مميزة للقوى المتصارعة فيه أو تحديدها بالشكل الذي يجعل هذا الصراع واضح المعالم والقوى , كما أنه ليس الصراعات الطبقية الاعتيادية التي نجدها في دول أكثر تقدماً وتطوراً وأكثر وضوحاً في بنيتها الطبقية , إذ أنها لدينا متداخلة في ما بينها. فالصراع يومي ولا يجري بين القديم والجديد حسب , بل هو أبعد من ذلك بكثير , كما أنه لا يدور بين القوى والأحزاب السياسية القائمة وحدها , بل في داخل المجتمع حيث تتم التعبئة له في ظل موازين قوى مختلة , إذ أنه يدور حول مستقبل العراق ويرتبط بالأهداف التي يسعى إليها كل طرف في هذا الصراع أساساً ويمس مضامين ووجهة تطور حياة الإنسان الفرد والمجتمع. كما ان التحولات في مواقف الأفراد والقوى والأحزاب كثيرة ولا يمكن الركون إلى شيء ثابت , بل متقلبة باستمرار , إنها في حراك دائم غير ثابت وجهة الحركة واتجاه الفعل والمواقف والنتائج.
11
وفي هذا الصراع يمكن أن تتبلور المهمات الفكرية والسياسية للفرد وتبرز مدى قدرته على رؤية وتشخيص كل أبعاد الصراع الجاري وتشابكاته والعوامل الفاعلة والمؤثرة فيه داخلياً وعربياً وإقليميا ودولياً ليستطيع من خلال ذلك تقدير اتجاه حركته ومضمون نشاطه وسياسته والأدوات والأساليب التي يستوجب عليه ممارستها. فنحن أمام قوى وأحزاب إسلامية سياسية متنوعة من ثلاث نواحي : من ناحية المذهب , ومن ناحية الأساليب والأدوات المستخدمة , ومن ناحية البرامج أو الأهداف التي يراد تحقيقها. ورغم الخطوط العامة التي تلتقي عندها هذه القوى , فإنها تختلف في ما بينها من حيث المذهب , ومن حيث أساليب العنف والقهر والإقصاء للآخر , ومن حيث البرنامج والأهداف. ولكنها تلتقي في الموقف من القوى الديمقراطية والعلمانية العقلانية.
12
ومع أن جميع هذه القوى تعمل على إقامة دولة إسلامية سياسية (دينية , ثيوقراطية) , فإنها تختلف في طبيعة التشريع الذي تريد ممارسته في ضوء المذهب الذي تعتمده من جهة , ووفق الأساليب التي يمكن أن تمارسها لا لتحقيق هذا الهدف حسب , بل وفي كيفية ممارسة حكمها وهي في السلطة السياسية , وكيف تواجه التيارات الفكرية والسياسية الأخرى غير الإسلامية السياسية والعلمانية والديمقراطية , وكيف تصفي حساباتها مع القوى السياسية التي تختلف معها في الرأي والموقف السياسي. وعلى المتتبع أن لا يغفل الإشارة في هذا الصدد إلى وجود البعض القليل جداً من الإسلاميين الديمقراطيين والعلمانيين الذي يختلف في دعوته ونشاطه الفكري والسياسي عن الغالبية المتحزبة , والذي لا يضع في برنامجه إقامة دولة دينية في البلاد , وهذا البعض يشكل جزءاً من القوى الديمقراطية العراقية. ولكن هذا البعض القليل والسليم قابل للنمو والتطور بفعل نشاطه الفكري والسياسي وحركيته الجيدة ومعقولية طروحاته الفكرية والسياسية من جهة , وبفعل أخطاء وتعنت وسلفية التيارات المحافظة اليمينية والمتطرفة لقوى الإسلام السياسية من جهة ثانية.
11
تريد مجموعة غير قليلة من قوى وأحزاب الإسلام السياسية العراقية إقامة دولة إسلامية, وهي لا تتردد في إعلان ذلك , رغم أنها تدعي استخدام الديمقراطية للوصول إلى ذلك , ولكن : ماذا بعد ذلك؟ هذا السؤال يجيب عنه الأدب الإسلامي الحديث القديم , ويجيب عنه أكثر من شخصية سياسية عراقية في المرحلة الراهنة وطرحه بوضوح كبير السيد على الأديب. والسؤال هو ما هي طبيعة هذه الدولة الإسلامية السياسية التي تريد تلك القوى إقامتها في العراق؟ إنها من حيث الجوهر لا تختلف كثيراً عن النظام السياسي الإيراني أو عن نظام طالبان المخلوع , أي أنها تعمل على وفق المذهب الذي تتبناه , فهي تعمل على سن دستور يتضمن في جوهره إقامة دولة إسلامية تخضع للشريعة الإسلامية , سنية أم شيعية , وتفرض ربط الدولة بالدين والدين بالدولة , وتتجلى في تشريعاتها الشريعة المذهبية المحددة بالقوانين والأنظمة التي تصدرها , وأكثرها مغالاة , يرفض الفنون الإبداعية والرياضة , وخاصة النسوية , يربط الديني بالشأن المدني العام ويخضع المجتمع والدولة لولاية الفقيه , إن كانت شيعية , والعودة إلى السلف إن كانت سنية , وشعارها المركزي : الحل هو الإسلام أو في الإسلام. وفي حالة الهيمنة الفعلية فلن يكون الدستور إلا الشريعة التي يقرها شيوخ هذا المذهب أو ذاك. فهم لا يريدون دولة مدنية ديمقراطية علمانية حديثة تسود فيها حرية الفرد فكراً وممارسة ولا حقوق الإنسان ولا حقوق القوميات ولا العدالة الاجتماعية , رغم الادعاء بالبعض منها أحياناً. يريدون دولة لا حكم فيها إلا حكم الله , ولا حزب فيها غير حزب الله , ولا فكر فيها غير فكر الله , ولا حل فيها غير حل الله الذي هو الإسلام ولا شريعة فيها إلا شرعيتهم المذهبية الخاصة. أن هذه الدولة التي يريدونها لا مكان للفكر الآخر والرأي الآخر والإنسان الآخر , إنها الشمولية بعينها , إنها الاستبداد الذي يعيشه المجتمع الإيراني أو الذي عاش فيه المجتمع الأفغاني في فترة طالبان, وكل ما يقال غير ذلك فهو للاستهلاك وتزيين الأمور التي لا تصمد أمام الفكر الذي يبشرون به يومياً ولا السلوك الذي يمارسونه يومياً وفي كل ساعة والكل شاهد على ما أقول.
15
أن ما يجري في البصرة أو ما تقوم به قوى الإسلام السياسي في محافظات الجنوب والوسط هو التعبير الأنصع والتجسيد الأشمل لما تريده للعراق كله وهو التعبير الأمثل عن شموليتها. هذه البصرة حزينة مستباحة , ولكن المساومة عل سلخها طائفياً جارية على قدم وساق. لم تتحمل قوى الإسلام السياسية موقف مدير شرطة بابل اللواء قيس المعموري حين اتخذ مواقف عراقية وطنية , إذ لم يميز بين الناس والأحزاب والقوى بل حاول تطبيق القانون , فقتل على أيدي المناهضين للقانون من هؤلاء الذين لا يريدون احترام القانون ولا يعترفون به فهو قانون وضعي وليس سماوي. ومن سمع احتجاجات ممثل التيار الصدري وتيار المجلس الأعلى لأدرك النتيجة التي سينتهي إليها مدير الشرطة الشهيد الراحل قيس المعموري , أو من يسمع الاحتجاجات والاعتصامات ضد تعيين مدير شرطة جديد من جانب ذات القوى وغيرها , يدرك ما يمكن أن تكون عليه عاقبة قائد الشرطة الجديد , الذي يتهم بالبعثية , وكأن كل البعثيين قتلة ومجرمين أولاً , وكأن صفوفهم خالية من البعثيين , بل ومن بعض البعثيين القتلة والمجرمين الذين لم تكشف أوراقهم بعد. أنهم يريدون دولة ذكورية لا مكان للمرأة فيها إلا من وراء حجاب وصوت لا يسمع , ومن شاهد جيش المهدي النسوي لأدرك ما يخبئ لنا هؤلاء البشر من مصائب وكوارث ومن سحق حقيقي لحرية المرأة والإنسان. من يتابع ما يقوم به الإسلاميون السياسيون المتطرفون الذين قتلوا في فترة وجيزة 50 امرأة في البصرة غسلاً للعار , كما يتذرعون , هو ما يخيف المجتمع البصري الحر والمتفتح والمنفتح على العالم. إنها المأساة التي يمكن أن تلحقها دولة من هذا النوع بالمجتمع. إنهم يريدون دولة تأخذ بأسلوب ديمقراطي للوصول إلى السلطة وعدم الأخذ بفلسفة الدولة الديمقراطية , فالديمقراطية غريبة عنهم ولا يريدون لها موقعاً في دولتهم. ليس هناك فتراء على هؤلاء الناس , بل على من يشك في ما اقول أن يعود إلى أدبياتهم أو إلى قناة الفرات أو قنوات أخرى ليعرف ما يراد للعراق.
16
وماذا تريد القوى الديمقراطية؟ إنها تريد دولة أخرى تماماً , دولة اتحادية حديثة وديمقراطية وعلمانية تستند إلى مؤسسات ديمقراطية وقانون ديمقراطي وحياة حرة , دولة توفر الحياة الحرة والكريمة لمواطناتها ومواطنيها , دولة تحقق الفصل بين السلطات الثلاث والفصل بين الدين والدولة وتحترم كل الديانات والمذاهب وتمنحها حريتها وتحرم عليها التدخل في شئون الدولة. دولة تستند إلى قاعدة المجتمع المدني الحديث الذي يعي أهمية ومضمون حرية الفرد وحقوقه الديمقراطية وحقوق المواطنة الحرة وعدم التمييز بين البشر , وخاصة بين النساء والرجال. دولة تنظم القوانين لاستخدام ثروة المجتمع لتنمية اقتصاد المجتمع وتغيير بنيته الاجتماعية المتخلفة الراهنة , دولة تعاقب من ينهب أموال الدولة والمجتمع والأفراد , وترفض ما يجري اليوم في العراق وتحت سمع وبصر الحكومة , دولة تكافح البطالة والفقر والعوز لدى العائلات الكادحة ..الخ.
إن الدولة التي يفترض أن تقام في العراق , يفترض أن تستند إلى أسس التعددية الفكرية والسياسية والتداول الديمقراطي الانتخابي السلمي للسلطة , وعلى أساس وجود أحزاب حاكمة وأخرى معارضة وإعلام حر ومستقل , دولة تعترف بحقوق القوميات وتنظمها بقوانين وتمارسها فعلاً. ومثل هذه الدولة التي نسعى إليها تتناغم مع العصر الذي نعيشه ومع التطور الحاصل في القوى المنتجة على الصعيد الدولي وإمكانية العراق على تسريع عملية التغيير الاقتصادي والاجتماعي , وخاصة مناهج التربية والتعليم والحياة الثقافية , وترفض الاستعارة من الماضي السحيق لتقيم دولة الماضي في الحاضر كما يريد لها السلفيون والأصوليون.
17
كلنا شاهد على الأخطاء الفادحة التي ترتكبها قوى الإسلام السياسية اليمينية والمتطرفة , إذ أنها كثيرة ويومية ومباشرة وستزداد في حالة تحقيق الهيمنة الفعلية على مناطق الوسط والجنوب من العراق. والمساومة المحتملة في ما بين أطرافها لن يقلل من أعباء المجتمع من سياساتها , بل سيزيد منها ويزيد من تطرفها , ولكنه في الوقت نفسه سيعزلها عن المزيد من الناس. إلا أن هذا الواقع المتنامي تدريجاً لا يمكن الاستفادة منه لصالح المجتمع وتطوره على وفق منظور الاتجاهات الديمقراطية والعلمانية العقلانية ما لم يسلك أولئك الذين يريدون إقامة دولة ديمقراطية سياسة أخرى وأساليب وأدوات أخرى كلها تبقى في الإطار السلمي والديمقراطي , ولكن تمارس بحيوية وتحرك نضالي يقرن سلوكه بما يطرحه في برامجه السياسية بحيث يسمح للناس إجراء مقارنة مع من يحكم المحافظات والأقضية والنواحي حالياً , وكيف يتعامل هؤلاء الحكام الجدد مع الناس وكيف يعاملون الناس , وكيف يتصرفون بأموال الدولة وحياة الناس وحقوق المرأة , وكيف يمكن تعبئة الناس من مختلف القوميات والأديان والمذاهب وراء الاتجاهات الديمقراطية. إن هناك قوى إسلامية سياسية تعي مخاطر التيارات الطائفية السياسية وعواقبها على المجتمع , فهل في مقدور القوى الديمقراطية أن تلعب دورها في بلورة هذه الاتجاهات وتعزيز مواقعها على حساب التيارات والمليشيات الطائفة المسلحة أو المدنية التي خبأت أسلحتها إلى حين والمنتشرة في أنحاء العراق.
18
إن هذا الصراع المكشوف سيكشف عن نفسه بقوة ووضوح كبيرين في الفترة الجارية والقادمة أكثر فأكثر , وستنشأ عن ذلك حالة جديدة تفرض اصطفافاً جديداً للقوى الداخلية , وعلى القوى الديمقراطية أن تعي هذه الحقيقة وأن تفكر منذ الآن بأساليب عملها الديمقراطية والسلمية وخطابها السياسي وتعاونها ووحدة عملها. لا يجوز القول بأن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا التفكير , كما قيل سابقاً , إذ أن من يأتي متأخراً يعاقبه التاريخ بقسوة بالغة. وها نحن نعاقب لتأخرنا في الماضي , فهل سنعيد تكرار الخطأ؟ إن ما أطرحه اليوم هو مجرد تحذير وتنبيه لما يمكن أن يحصل أولاً , ولكي لا تفاجأ القوى الديمقراطية بمختلف تياراتها وأجنحتها ومن جميع المكونات القومية للشعب العراقي , ولكي لا تتعرض إلى ضربات يمكن تجنبها والحفاظ على إمكانياتها وتطويرها ثانياً , ولكي تبدأ تفتش عن مواقع الخلل في عملها وأسباب ضعفها وعدم تعاونها وتحالفها , بغض النظر عن صدور بيان مشترك هنا وآخر هناك لا يعبر عن قدرة فعلية وإمكانية على استخدام ذلك لصالح التحول الديمقراطي المنشود في الساحة السياسية العراقية وخاصة في أوساط المجتمع.
19
إن من واجب الإنسان أن يطرح رؤيته بصراحة وشفافية ودون لف ودوران أمام الناس جميعاً حين يشعر بوجود ما هو مبيت للآخر. إذ كلنا يعرف أن قوى إسلامية سياسية طائفية مسلحة من أخمص قدميها حتى قمة رأسها , والتي تجد الدعم والتأييد من قوى إقليمية عديدة ومستمرة , تنتظر فرصة خروج القوات الأجنبية لتتوجه بضرباتها إلى القوى الأخرى وتثير البلبلة والفوضى وتدفع باتجاه تفكيك القوات المسلحة العراقية التي لا تزال محكومة بعوامل الصراع الداخلي والانتماء الطائفي. إنها ستتوجه صوب الديمقراطية والعلمانية لإنزال أقسى الضربات بها بعد أن تصفي بعض حساباتها مع قوى ضمن معسكرها الإسلامي السياسي من حيث المبدأ , كما ستتوجه ضد كل من يخالفها أو يختلف معها. ويبدو لي بوضوح إن القوى والأحزاب السياسية الكردية في التحالف الكردستاني على بينة من هذا الأمر , ولهذا فهي ترى مخاطر ذلك منذ الآن وتعد العدو لمواجهته من خلال بناء تحالفات جديدة دون أن تتسبب في إلحاق الضرر بما هو قائم من تحالفات , كما ترى ضرورة استمرار وجود قواعد عسكرية أمريكية في كُردستان العراق على سبيل المثال لا الحصر , لأنها ترى الشر والمخاطر في تلك القوى الإسلامية السياسية الطائفية المسلحة , المحلية والإقليمية , سنية كانت أم شيعية , وقوى بعثية صدامية وقوى أخرى داخلية وعربية وإقليمية , التي ترفض الفيدرالية الكردستانية وترى فيها تقسيماً للوطن والأمة العربية (!) وتقسيماً للأمة الإسلامية مرفوضاً منها , وهي لا تخشى الإعلان عن ذلك صراحة , بل في الغالب الأعم تعلنه صراحة , في ما عدا قوى إسلامية سياسية محدودة أيقنت صواب وجود نظام فيدرالي عراقي , مع رفضها لإقامة فيدرالية شيعية في جنوب العراق.
20
علينا أن ندرك جميعاً بأن فرج القوى الديمقراطية والعلمانية لا يأتي من السماء , بل هو قائم على الأرض وفي صفوف الناس والقوى السياسية القائمة والمحتمل نشوئها , وعليها تشخيصه والعمل من أجل الوصول إليه. عليها تقع مسئولية التحري عن أخطاء الماضي والحاضر وتجاوزها , وعليها إعادة النظر بخطابها السياسي وأساليب وأدوات عملها وتحالفاتها التي مورست خلال السنوات المنصرمة دون أن تحقق نتائج مهمة , عليها أن تتحرى عن أسباب تعثر تحالفها مع التحالف الكردستاني وسبل معالجته , إذ لا يمكن تجاوز التحالف الكردستاني في أي توجه لإقامة الدولة الديمقراطية الاتحادية والعلمانية المنشودة. إنها مهمات صعبة ومعقدة , ولكن لا مفر منها ولا يوجد أي طريق غيره. إذ علينا أن نتعلم فن الحوار والعيش المشترك ضمن مواقف متباينة مقبولة.
27/12/2007

كاظم حبيب