الرئيسية » مقالات » ملامح الدور الكردي في المعادلة الإقليمية المضطربة : تمكن في العراق تهدئة في تركيا وتحفز في إيران وسورية

ملامح الدور الكردي في المعادلة الإقليمية المضطربة : تمكن في العراق تهدئة في تركيا وتحفز في إيران وسورية

التجربة الديموقراطية في كردستان العراق خط أحمر لا يمكن تجاوزه وتخطيه لعل الجملة المذكورة أعلاه تلخص فحوى الموقف الأميركي الواضح والثابت الذي تبلغه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن ولقاءه مع الرئيس الأميركي جورج بوش فعلى عكس ما كان يطمح إليه أردوغان من الرغبة في الاستحصال على ضوء أخضر أميركي لاجتياح كردستان العراق بحجة ملاحقة ثوار حزب العمال الكردستاني أو أقله مقايضة وقف الاجتياح بحث الإدارة الأميركية على محاولة إلغاء ووقف قانون إبادة الأرمن على يد العثمانيين الذي تم تأجيل التصويت عليه في الكونغرس الأميركي وليس إلغاءه كما تطالب أنقرة وعليه يمكن القول أن غنائم وانجازات السيد أردوغان قد اقتصرت في واقع الحال خلال زيارته تلك على مجرد وعود وتطمينات بتبادل أكبر للمعلومات الاستخبارية حول حزب العمال بين واشنطن وأنقرة وربما بغض طرف أميركي عن بعض الغارات الجوية التركية المحدودة على مناطق جبلية وعرة في كردستان العراق تدعي أنقرة أنها تضم قواعد لحزب العمال وما تزامن مع ذلك من شروع حكومة إقليم كردستان العراق في اتخاذ سلسلة إجراءات عملية تدحض المزاعم والاتهامات التركية لحكومة الإقليم برعاية وتحريض حزب العمال الكردستاني وقد تمثلت هذه الإجراءات في تكثيف نقاط المراقبة والتفتيش العسكرية على الطرق المؤدية إلى المناطق الجبلية الوعرة والنائية التي يتحصن فيها حزب العمال مع تشديد الرقابة على حركة العابرين عبر المطارات وإغلاق مقار حزب الحل الديموقراطي الذي يعتبر واجهة لحزب العمال في كردستان العراق وهذه الخطوات هي بطبيعة الحال أقصى ما يمكن لحكومة الإقليم القيام به لجهة التأكيد على حقيقة كونها ليست طرفا في الصراع بين أنقرة وحزب العمال ورفضها القاطع لنقل هذا الصراع إلى كردستان العراق وبما ينسجم مع موقفها المبدئي المشدد على عدم التورط مطلقا في أي اقتتال كردي – كردي مع حزب العمال .
وعليه فقد تم إلى حد كبير احتواء الأزمة التركية – الكردية الخطيرة التي كادت أن تشعل حربا أخرى في المنطقة رغم أن لازال ثمة تحشدات عسكرية تركية على الحدود مع كردستان العراق مترافقة بين الفينة والأخرى مع غارات جوية تنفذها الطائرات الحربية التركية في أجواء كردستان العراق إلا أن خطاب المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم أردوغان وتحديدا بعد عودته من واشنطن أخذ شيئا فشيئا ينحو نحو التهدئة وإطلاق الوعود الإصلاحية مجددا للأكراد في تركيا داعيا حزب العمال إلى ترك السلاح والانخراط في العمل السياسي في تركيا وان عاد أردوغان بعد بضعة أيام ليناقض نفسه ويعطي الجيش التركي الضوء الأخضر بالتوغل خارج الحدود التركية وليقوم بعدها الطيران والمدفعية التركيان بقصف قرى آمنة واستهداف مدنيين أبرياء في كردستان العراق وبغض النظر عن هذا العدوان الجوي والمدفعي التركي الهمجي العشوائي لحفظ ماء وجه العسكريتاريا التركية عبر سفك الدم الكردي طبعا كما جرت العادة الكمالية فان تفويض أردوغان للجيش هو في حقيقة الأمر بمثابة خطوة للاستهلاك المحلي فضلا عن اندراجه في سياق التجاذبات والمزايدات بين الحكومة والعسكر التركيين نقول أن التحولات ولو الطفيفة التي أشرنا إليها أعلاه في لهجة المسؤولين الأتراك نحو نزع فتيل الأزمة التي هم من افتعلوها ورغم أنها قد تندرج في إطار التلاعب بالكلمات إلا أنها تعتبر بطبيعة الحال تطورا ايجابيا مهما كان ضئيلا قياسا إلى خطاب الحرب التركي المتشنج الذي شهدناه مؤخرا إبان الأزمة التي افتعلتها أنقرة مع الأكراد والذي كان بعيدا كل البعد عن العقلانية والحكمة والمسؤولية ولا شك أن للتغير النسبي في نبرة المسؤولين الأتراك التصعيدية صلة وثيقة بما تشهده المنطقة من تفاعلات وتموجات خطيرة وعاصفة على وقع الملف النووي الإيراني بتشابكاته الأخطبوطية مع ملفات أخرى عديدة متفجرة في المشهد الإقليمي المحتقن بدءا من العراق ولبنان وفلسطين وليس انتهاء بأمن الخليج وإمدادات النفط فكل المؤشرات تدل إلى أن الخيارات الدبلوماسية وصلت إلى حائط مسدود بفعل التعنت والإصرار الإيرانيين على المضي في تطوير الأسلحة النووية وعليه فان خيار الضربة العسكرية بات هو السيناريو الوحيد أمام المجتمع الدولي لكبح الجموح النووي الإيراني الخطر فالمنطقة برمتها منقسمة والحال هذه بين محور إيراني – سوري مع ملحقاته من قوى وحركات ممانعة صامدة متصدية كحزب الله وحركة حماس وبين جل دول الإقليم والمجتمع الدولي عامة فتركيا ها هنا أمام مفترق طرق مصيري وكم تبدو لافتة وغنية الدلالة تلك الحماسة السورية المعلنة والإيرانية المضمرة في توريط تركيا عبر حثها على غزو كردستان العراق واجتياحها حتى أن الرئيس السوري بشار الأسد تمايز بموقفه “العروبي جدا” الداعم صراحة لتركيا في غزو العراق عن سائر المواقف العربية والإقليمية والدولية المشددة جميعها على رفض ومعارضة أي اعتداء عسكري تركي على سيادة العراق بما كان سيؤدي إلى نشوب حرب طاحنة تخفف الضغط على محور طهران – دمشق وتقود إلى خلط الأوراق أكثر فأكثر في العراق بما يهدد كل أمل في إصلاح العطب العراقي الذي وان شهد العراق تحسنا نسبيا ملحوظا في الأشهر القليلة الماضية على الصعيد الأمني إلا أنه في الواقع صورة مصغرة عن العطب والفشل العامين في منطقتنا البائسة لجهة الدمقرطة والاندراج في العصر وتمثل قيمه ومبادئه ومفاهيمه الحداثية الحضارية والمدنية .
والمأمل في هذا الصدد أن لا تنزلق تركيا إلى الهاوية السورية – الإيرانية وأن تدرك حجم الخسائر الإستراتيجية التي ستحصدها في حال مضيها في الاصطفاف مع محور متهالك وخطر في آن يستعدي العالم بأسره ويهدد بإدخال المنطقة برمتها في جحيم حروب متناسلة طاحنة عبر تحريك شبكة الجماعات والحركات الإرهابية والعنفية الراديكالية التي يرعاها ويسيرها وعليه فمن مصلحة تركيا الابتعاد عن هذا الخيار الكارثي الانتحاري والركون بدلا من ذلك إلى خيارات حضارية عقلانية وبراغماتية عبر اعتماد الحوار سبيلا لحل القضية الكردية التي لا شك أن أنقرة أدركت هذه المرة من خلال الأزمة الأخيرة بان هذه القضية قد خرجت فعلا عن القمقم الإقليمي وكفت عن كونها مجرد قضية شعب لطالما كان سابقا ضحية اتفاقات الدول المقتسمة لبلاده ولتحالفاتها ضده وعليه فتحريض طهران ودمشق لأنقرة على الأكراد والحال هذه ليس سوى محاولة لتوريط تركيا في السباحة المغرقة ضد التيار الدولي الجارف ما يوفر لكل من إيران وسورية حليفا ولو موضوعيا لهما وسط عزلتهما الخانقة إقليميا ودوليا فالقضية الكردية هي الآن فاعل حيوي ورقم أساسي في معادلات الحرب والسلم في الشرق الأوسط وحسبنا الإشارة هنا إلى أن ثمة ما يفوق العشرة ملايين كردي في إيران وما يزيد على الثلاثة ملايين كردي في سورية فضلا عن قرابة الثلاثين مليون كردي في تركيا نفسها .
وغني عن القول أن أي ضربة عسكرية لإيران سيتمخض عنها بالضرورة تغيير جذري وكلي في المعادلة الداخلية الإيرانية لجهة إنهاء الاستحواذ والاستئثار القومي الفارسي والمذهبي الشيعي على مقدرات الحكم والبلاد في إيران ولا ريب أن الصيغة المثلى لحل مسألة التعدد القومي والمذهبي التي ستعتمد حينها في إيران ما بعد الملالي هي الصيغة الفيدرالية مع ما يعنيه ذلك من قيام لإقليم كردي إيراني في محاذاة الإقليم الكردي العراقي القائم والمزدهر الأمر الذي يشكل حافزا قويا لحل القضية الكردية في تركيا أيضا بصورة سلمية ديموقراطية إذ أن الاستمرار في نفي القضية الكردية والالتفاف عليها ومعالجتها عسكريا وأمنيا لا يقود كما ثبت في التجربة العراقية وكما سيثبت في التجربة الإيرانية إلا إلى نتائج كارثية مدمرة فعلى تركيا والحال هذه استيعاب هذه الحقيقة الموضوعية والمبادرة إلى الشروع في حل سلمي عادل للقضية الكردية بعيدا عن لغة السلاح والتهديد والوعيد التي ثبت مرة أخرى عقمها ولا جدواها الكاملين على ما تبدى خلال الأزمة الأخيرة التي افتعلتها أنقرة مع أكراد العراق وهنا فان على حزب العمال الكردستاني المضي في الالتزام بوقف النار الذي أعلنه في 1 / 10 / 2006 ولازال قائما من جانب الحزب مع احتفاظه طبعا بحقه في الدفاع عن النفس ضد هجمات الجيش التركي وحملاته التمشيطية الواسعة التي كانت سببا في اندلاع المواجهات الدموية الأخيرة بين الطرفين ما شكل شرارة لتلك الأزمة الخطيرة على الحدود العراقية – التركية التي كان للقيادة الكردية في كردستان العراق وفي مقدمها رئيس الإقليم السيد مسعود البارزاني دور محوري في تذليلها عبر مقاربته العقلانية والمبدئية المسؤولة للأزمة والقائمة على نبذ العنف والدحض المنطقي لخطاب الحرب التركي وتفنيد مبرراته المتهافتة الذي كان سائدا إبان الأزمة والدعوة الصادقة إلى الحوار والسلام والتشديد على الحل السياسي للقضية الكردية في تركيا وعلى عقم الحل العسكري وعبثيته المطلقة . والحال أن مبادرة حزب العمال السلمية التي طرحها قبل أيام قلائل تمثل خطوة ملموسة وهامة جدا في اتجاه التجاوب مع بوادر التهدئة التركية ولو الكلامية الصادرة على لسان أردوغان والتي وصلت إلى حد دعوة حزب العمال إلى الانخراط في الحياة السياسية التركية ورغم أن هذه التصريحات والمواقف التركية المهادنة هي على الأرجح وكما أظهرت التجربة مرارا قد لا تتعدى إطارها اللفظي المعزول عن أية ترجمة واقعية على الأرض لا بل أن الهجمات الجوية والمدفعية الأخيرة للجيش التركي ضد كردستان العراق والمناقضة لتلك المواقف في حال استمرارها وتوسعها فإنها ستنسف حتما تلك الإرهاصات الايجابية التي ذكرناها أعلاه لجهة تبلور مقاربات سياسية وتوجهات سلمية في تركيا للتعاطي مع القضية الكردية إلا أنه مع ذلك لا بد من المضي كرديا في تشجيع هذه التوجهات “السلمية” التركية ولو المواربة والضبابية لجهة دعوة حزب العمال إلى ممارسة العمل السياسي في تركيا بما يكرسها كسياسة مبدئية وعملية معتمدة للتعاطي مع الشأن الكردي في أنقرة إذ لا مناص من التعامل بمهارة وحنكة مع مختلف المعطيات المعقدة والأبعاد المتشابكة المحيطة بالقضية الكردية ككل فمن الحكمة الآن العمل على تحييد تركيا قدر المستطاع عن الانغماس الكامل في الحلف الإيراني – السوري إذ أن المصلحة الكردية العليا تقتضي التهدئة على الجبهة التركية – الكردية خاصة مع هبوب رياح العاصفة الدولية القادمة التي ستضرب إيران السارية قدما في الطريق النووي متحدية العالم بأسره وهنا فان لحزب العمال دورا كبيرا على الساحة الكردية الإيرانية عبر حزب الحياة الحرة الكردستاني ( pjak ) الذي هو بمثابة فرع لحزب العمال في كردستان إيران فالمفترض بحزب العمال فرز الأولويات جيدا في هذه المرحلة التغييرية الكبرى التي تمر بها المنطقة وعليه فان الأجدر بالحزب الآن تصعيد وتيرة حراكه المطلبي السياسي والعسكري في كردستان إيران جنبا إلى جنب كل القوى والأحزاب الكردية الإيرانية وفي مقدمها الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني بما يزيد من أهمية وفاعلية العامل الكردي في أي مشروع تغيير ديموقراطي في إيران ذاك المشروع الذي سيكون بالضرورة مدعوما من المجتمع الدولي الأمر الذي سيرفع في المحصلة من أسهم حزب العمال الكردستاني في الحسابات الإستراتيجية للقوى الدولية الكبرى المعنية بدمقرطة الشرق الأوسط والتصدي لخطر التوتاليتاريات الاستبدادية القومية والدينية وفي مقدمها نظام الملالي الإيراني الساعي حثيثا إلى امتلاك السلاح النووي لفرض نفسه كقوة إقليمية عظمى وهذا بالتالي ينعكس إيجابا على القضية الكردية في تركيا التي يمثلها حزب العمال الكردستاني ويدعو إلى حلها وتسويتها سلميا وديموقراطيا كما تبدى في مبادرته السلمية الأخيرة التي عرض فيها التخلي عن السلاح مقابل سبعة بنود تضمنتها تلك المبادرة وأبرزها الإقرار بالقومية الكردية في تركيا والاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية ثانية وضمان مشاركة الأكراد في الحياة السياسية في إطار تحقيق مصالحة وطنية شاملة كردية – تركية مع سحب القوات العسكرية من كردستان تركيا بما يمهد للشروع في تنفيذ برامج ومشاريع إصلاح وتنمية اقتصادية واجتماعية كبرى في المناطق الكردية مع إصدار قانون بتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية فكما أن إيران وسورية سارعتا إلى تحريض تركيا وحثها على اجتياح كردستان العراق بما يؤدي إلى حرب كردية – تركية طاحنة وبما يجهض النموذج الديموقراطي الكردي العراقي في ظل التلكؤ كي لا نقول الفشل في انجاز عملية التحول الديموقراطي في باقي أرجاء العراق ما يوجه ضربة قوية مربكة لسياسات واشنطن وحساباتها في المنطقة فان على الأكراد بدورهم تحييد تركيا واحتواء الأزمة معها بعد تراجعها عن تهديداتها العنجهية بغزو كردستان العراق ذلك أن ضبط إيقاع العلاقة التركية – الكردية يبقى في المحصلة في يد الولايات المتحدة الأميركية ما يشكل ضمانة لعدم إقدام تركيا على اجتياح كردستان العراق الأمر الذي يفشل المراهنة الإيرانية – السورية على ضرب التجربة الكردية في العراق على يد تركيا وعلى زعزعة وتوتير الرقعة الوحيدة الآمنة المستقرة والواعدة في العراق التي سيقود أي مساس بها إلى تفجير الوضع العراقي برمته ويغرق الولايات المتحدة في حال من التخبط والحيرة والعجز حيال تصارع حليفيها التركي والكردي العراقي ويقضي نهائيا على أية آمال متبقية في إخراج العراق من دوامة العنف والاضطراب والاستعصاء الديموقراطي المزمن وها هنا يكمن لب المراهنة الإيرانية – السورية الآنفة الذكر .
والراهن أن على حزب العمال الكردستاني تقدير وتثمين موقف القيادة الكردية العراقية برئاسة السيد مسعود البارزاني إبان الأزمة الأخيرة الرافض بحزم للابتزازات والتهديدات التركية الهادفة إلى نقل الصراع مع حزب العمال إلى كردستان العراق والى الدفع باتجاه اقتتال كردي عراقي -كردي تركي وعليه ينبغي على حزب العمال الذي أخذت بعض أوساطه تصعد مؤخرا بعض الشئ إعلاميا ضد أكراد العراق عليه عدم الوقوع في الفخ وعدم صب الماء في الطاحونة التركية لجهة إحداث شرخ كردي – كردي لن يستفيد منه سوى أنقرة وغيرها من عواصم الدول الغاصبة لكردستان وعليه ينبغي على حزب العمال تفهم حراجة موقف حكومة إقليم كردستان أكثر فأكثر ومراعاة وضعها الحساس والدقيق وسط تربص تركيا وإيران وسورية بها وحتى تربص أطراف وقوى عراقية ممثلة حتى في الحكومة العراقية بها وحسبنا الإشارة هنا إلى مواقف وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني الإيراني الهوى الذي ليس خافيا أن ثمة أصابع إقليمية وراء احتجاجاته الدون كيشوتية واعتراضاته غير الدستورية على شروع حكومة إقليم كردستان في إبرام سلسلة عقود نفطية مع عدد من الشركات العالمية المختلفة للتنقيب عن البترول واستخراجه بما يوسع وينوع القاعدة الاقتصادية للإقليم وللعراق تاليا ويجذب المزيد من الرساميل والاستثمارات الدولية ويفتح الآفاق واسعة أمام الاندراج في دورة الاقتصاد العالمي ما ينعكس إيجابا على القيمة والأهمية الإستراتيجيتين لإقليم كردستان خاصة وللعراق عامة وبما يوفر لهما مزيدا من الضمانات والالتزامات الدولية .
ففي ظل تراجع بل وانتفاء احتمالات الاجتياح العسكري التركي لكردستان العراق خاصة وأننا قد دخلنا فصل الشتاء حيث أن الظروف المناخية القاسية في جبال كردستان لا تحفز أبدا على الدخول في أية مغامرات عسكرية معطوفا على المبادرة السلمية التي طرحها حزب العمال لحل القضية الكردية فان الأجدر بتركيا التقاط واستيعاب كل هذه المؤشرات والعوامل والشروع في التجاوب مع المبادرة العمالية التي هي بمثابة فرصة تاريخية لوقف نزيف الدم وللشروع في حل سلمي ديموقراطي يكفل تعايش الشعبين التركي والكردي ويحقق مصالحهما المشتركة في دولة ديموقراطية تعددية وبما يجنب تركيا من تبعات وتداعيات العاصفة القادمة على المنطقة لجهة تعاظم احتمالات الحسم العسكري الدولي للملف النووي الإيراني وما ينطوي عليه ذلك من صعود بالضرورة للدور الكردي في إيران أثناء وبعد أي عمل عسكري يقدم عليه المجتمع الدولي ضد طهران فالعامل الكردي سيكون بطبيعة الحال فاعلا وحيويا في حسابات وترتيبات ما بعد الإطاحة بحكم الملالي الكهنوتي ونظرا إلى كل ذلك فان الأجدى بأنقرة كما أسلفنا الانخراط الفوري في طريق الحوار والتفاوض مع حزب العمال ومجمل الحركة الكردية على قاعدة البنود السبعة لمبادرة الحزب التي تشكل خارطة طريق متوازنة ومعتدلة جدا لحل سلمي شامل وعادل للقضية الكردية خصوصا وأن أكراد العراق وبدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هم على أتم الاستعداد للإسهام الجدي الفاعل في بلورة هذا الحل وتعبيد طريقه وتذليل العقبات والحواجز التي تعترضه بما ينتشل تركيا من مستنقعات الحلول والمقاربات العسكرية الدموية الفاشلة للقضية الكردية وبما ينعكس إيجابا على علاقاتها مع إقليم كردستان العراق ويوسع آفاق التعاون والتكامل بين الطرفين وبما يبعدها تاليا عن الغوص والغرق في أوحال المحور الإيراني – السوري المأزوم الذي يراهن على إشعال المنطقة وتوريط شعوبها ودولها في أتون حرب شاملة ما آنفك ذاك المحور يبتز العالم بها في حال التصدي لطموحاته وسياساته التوسعية العدوانية الخطرة على حاضر ومستقبل هذه المنطقة التي تعيش حالة مخاض عسير وهي مقبلة على حروب وتحولات وتغييرات كبرى ستكون القضية الكردية بطبيعة الحال في قلب كل هذه الأحداث الإقليمية الجسام ففي حال قيام مواجهة دولية مع إيران وسورية فان الأكراد كما كان لهم دور محوري في عراق ما بعد صدام فإنهم سيلعبون الدور نفسه في إيران أيضا التي باتت مرشحة أكثر فأكثر لتلقي ضربة عسكرية قاصمة ستطيح حتما بنظامها المتهالك داخليا والمعزول شعبيا خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الفرس بالكاد يشكلون نسبة 40 في المائة من مجموع سكان إيران البالغ عددهم قرابة السبعين مليون نسمة فالآذريون في إيران يبلغون العشرين مليون نسمة وأما الأكراد في إيران فيبلغون بدورهم العشرة ملايين نسمة فضلا عن ملايين البلوش والعرب والتركمان وغيرهم من القوميات الإيرانية غير الفارسية أي أن نظام طهران شأنه شأن باقي الأنظمة الاستبدادية القائمة على التسلط والتلفح بشعارات قومية ودينية منتفخة وكاذبة هو في حقيقته نظام أقلوي مهلهل وفاقد للشرعية تماما .
فأي تبدلات وترتيبات جديدة في المنطقة بعد الحرب على إيران والتي ستقود قطعا إلى إسقاط نظام الملالي المتزمت لن تكون أبدا على حساب الشعب الكردي مرة أخرى كما جرت العادة إذ أن ما تشهده منطقتنا من استعصاءات ديموقراطية واحتقانات متفجرة ليس سوى نتيجة سيادة الوعي الآيديولوجي بشقيه : الأصولي الظلامي المحنط والقوموي العنصري المتخلف المعادي لكل ما هو حداثي عصري والرافض لكل ما هو تنويري سوي هذا الوعي المأزوم الذي يسميه حازم صاغية اختصارا “الوعي الفلوجي” والأكراد بطبيعة الحال هم الضحية الكبرى لهذا الوعي المريض القاتل ولهذه المنظومة الإقليمية البائسة ولنتذكر هنا أن الأكراد مقسمون بين كل من تركيا وإيران والعراق وسورية وهذه الدول الأربعة كما لا يخفى تشكل بؤرة ومصدرا دائما للأزمات والقلاقل والنزعات الإمبراطورية التوسعية العدوانية .
من نافل القول أن المرحلة القادمة ستكون حبلى بتطورات وتحولات عاصفة في هذه المنطقة شديدة الاضطراب وعليه فان أنقرة نظرا إلى ما تتمتع به من حد أدنى من الحصافة السياسية والمسؤولية المؤسساتية عليها المبادرة إلى النأي بنفسها عن الاندراج في جبهة الخاسرين المتمثلة في المحور الإيراني – السوري الذي يسعى جاهدا إلى ضم تركيا إليه على قاعدة الالتقاء معها في قاسم الهم الكردي المشترك فالكرة في ملعب أنقرة لجهة التجاوب مع الدعوات والمبادرات الكردية السلمية الصادقة والجادة وآخرها مبادرة حزب العمال الكردستاني التي أتينا على ذكرها سالفا والدخول تاليا في الحوار والتفاوض مع الحركة الكردية وفي مقدمها حزب العمال بغية التوصل إلى حل سلمي حضاري للقضية الكردية بما يحصن تركيا ويعيد تأسيسها كدولة مدنية ديموقراطية تعددية ما يعزز تاليا فرص انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي ويجنبها من التورط في أتون الصراع الكبير القادم في المنطقة على خلفية التصادم بين المجتمع الدولي وبين المحور الإيراني – السوري المتداعي .
وكالعادة فان الأكراد محكومون بالوقوع في عين العاصفة لكنهم هذه المرة لاعبون فاعلون في المشهد الإقليمي وهم يملكون تجربة واعدة في العراق الجديد فضلا عن تناغمهم وتوافقهم مع المناخات والسياقات الإستراتيجية الدولية لجهة نبذ العنف والإرهاب والتطرف والتعصب وتبني قيم الحرية والديموقراطية والمساواة والسلام فهم ولا شك سيكون لهم إن في إيران أو في سورية دور كبير وفاعل لاسيما في حال تطور المواجهة الدولية مع طهران ودمشق إلى ما قد يؤدي إلى إسقاط وتغيير نظامي الحكم في كلا البلدين فالعالم ما عاد يقبل بسحق شعب بأكمله بناء على هلوسات وأوهام قومية عنصرية طورانية كانت أم بعثية أم خمينية فأنقرة إما أن تعمد إلى حل القضية الكردية سلميا وديموقراطيا بما يؤهلها للاندراج في الفضاء الحضاري الأوروبي ما يقدمها كنموذج ديموقراطي في الشرق الإسلامي وإما أن تستمر في نهجها الكمالي العنصري الاستئصالي حيال الأكراد ما يقودها إلى الاندراج الكامل في الخانة الإيرانية – السورية الأمر الذي يعني نكوصها وتقهقرها حتى عن ديموقراطيتها الهشة العليلة وإغراقها في دوامة الممانعة القاتلة ما يوصد الأبواب تماما أمام دخولها النادي الأوروبي ويفتح أمامها عوضا عن ذلك الأبواب على مصراعيها لدخول نادي الممانعة الاستبدادية بقيادة محمود أحمدي نجاد فأي الناديين ستختار أنقرة يا ترى ؟ .