الرئيسية » مقالات » جرائم الشرف .. من المسئول ؟؟؟

جرائم الشرف .. من المسئول ؟؟؟

تطالعنا الصحف اليومية بين الفينة والأخرى في المجتمعات العربية والشرقية بالعديد من جرائم القتل التي يروح ضحيتها الفتيات على خلفية المساس بشرف العائلة ، وغسل العار ، هذه الظاهرة التي تمتد إلى عمق التاريخ في الجزيرة العربية قبل الإسلام .. ومن ثم جاء الإسلام ليحد من هذه الجرائم ، وينجح لحد كبير في اقتلاعها.
هذه الظاهرة السيئة التي تشكل جزءا من التركيبة الشرقية للإنسان العربي ، وتتأثر بمنظومة من القيم والمفاهيم الأخلاقية التي يتشربها الذكور الشرقيون منذ ولادتهم ، والتمييز بينهم وبين أخواتهم ، وهى تبين في حقيقتها جوهر ونوعية التقاليد والعادات التراثية ، والتي تستمد جذورها من البيئة الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع الشرقي.
إن الإنسان العربي على الرغم من التطور والتعلم الذي ناله ، لا زال محكوما بالترابط الأسرى وتبعية الفرد للأسرة والعشيرة والقبيلة ، التي تمتاز بالعصبية ، ويصبح فيها الفرد مسؤلا عن عشيرته وقبيلته ، يخضع للعادات والقيم العشائرية التي تتحول إلى دور القانون الذي يخضع له ، وتتحكم في طبيعة العلاقات بين الرجل والمرأة، بينما سارع التحلل الأسرى في البلدان الغربية ، باعتماد الفرد على ذاته عند بلوغه سن الرشد ، وبتحمله شخصيا مسؤولية أفعاله ، وهنا يلعب القانون دور المنظم لطبيعة العلاقات الاجتماعية .
إن الأمثال الشعبية التي يرددها الناس على الرغم من التطور الهائل في البيئة والمجتمع لا زالت تتردد على ألسنتهم ، وهى في المحصلة النهائية تعبر عن درجة الوعي تجاه المرأة ، باعتبار أن الوعي والقيم والمفاهيم هي انعكاس للواقع الاقتصادي الاجتماعي ، وهى تبين مدى خطورة التمييز الفاضح بين الرجل والمرأة ، والتي تؤكد جميعها على دونية المرأة ومنها:
شرف المرأة مثل عود الكبريت .. يشتعل لمرة واحدة
الرجل حصان لا يعيبه شيء.. إنما يعيبه جيبه فقط
الرجل إن زنى كالسيف إن انجلى
موت وليتك من طيب نيتك
البنت جناح مكسور
صباح الحية ولا صباح البنية
البنت إما جبرها أو قبرها
إن الحديث عن مصطلح جرائم الشرف ، في رأيي تسمية غير صحيحة ، فالشرف لا يمكن أن يرتبط فقط بجسد المرأة ، بل إن السارق والزاني ، والمغتصب والمحتال والمعتدى على أعراض الناس ، والخائن لوطنه ، والكاذب هم عديمو الشرف أيضا ، وهذا ليس مرهونا بالمرأة بل بكليهما معا.
لقد لعب تهاون قوانين الأحوال الشخصية ، وعدم إعطاء المرأة حقوقها ، والدفاع عنها وكذلك القانون المدني المعمول به في العديد من البلدان العربية الذي يحافظ على التقاليد المجحفة بحق المرأة ، ويتعامل معها بشكل دوني ، بل ويعززها ويعمق الفجوة بينها وبين الرجل . كما أن قانون العقوبات في معظم البلدان العربية يتساهل
في إصدار أحكامه ضد جريمة القتل على خلفية المساس بشرف العائلة ، ويتردد رجال القانون في الدفاع عن الضحية ، حتى في حالات الاغتصاب ، كما أن السياسيين والمثقفين ، والمحامين ، لا يملكون الجرأة في الدفاع عن شرف الفتاة التي انتهك عرضها ، أو شرفها لاعتبارات خاصة تتحكم فيها العائلية والعشائرية.
إن المسؤولية لا تقع على جهة بعينها دون الأخرى ، فمؤسسات التنشئة الاجتماعية ، بدءا من البيت وحتى السلطة الحاكمة تتحمل المسؤولية الأخلاقية ، ولا تحاول برفع الظلم والاضطهاد التي تتعرض له المرأة ، وفى غياب القانون ، ورجال الدين يتراجعون عن مواجهة القتل والجريمة بحق المرأة ، لاعتبارات عشائرية على الرغم من أن القرآن يمدهم بأسلحة قوية لمواجهه هذه الجرائم ، ودائما وفى اغلب الأحيان تتحمل المرأة وحدها مسؤولية الاعتداء عليها ، أو حتى اغتصابها، أو القتل المتعمد مع سبق الإصرار والترصد ، فان الرجل الجاني يعفى من المسؤولية حتى أمام عشيرته بل وأمام القانون الذي يتساهل معه في الحكم إلى ابعد الحدود,وهذا يعكس أن قضية العرض أو المساس بالشرف ، مسائل يربطها المجتمع وتقاليده بسلوك الأنثى فقط ، ولا يتحمل المجرم أية مسؤولية ، وكأنها وحدها من يجلب العار للعائلة ، التي تسرع للخلاص منها .
وللأسف الشديد فان العرض والشرف لا يمكن حميه بالسيف كما يدعى البعض ، بل عبر الثقة المتبادلة ، وإعطاء المرأة حقها في الحياة كإنسانة لها كافة الحقوق ، وعليها الواجبات تجاه أسرتها ومجتمعها ، وهى تتعرض لاضطهادين وأكثر ، اضطهاد الاحتلال الاسرائيلى وعدوانه المتواصل ، واضطهاد الزوج ، واضطهاد رب العمل ، ولهذا فقد أكد فريدريك أنجلس على مقولة : ” المرأة هي البروليتارية ، والرجل هو البرجوازي “.
لقد تبين أن القانون المكتوب يمنح الرجال سلطة التحكم بالمرأة ، والتطرف يمنع المرأة من امتلاك نفسها ، ويعيق تطورها الفكري والمعنوي والنفسي ، ويجعلها حبيسة المفاهيم الخاطئة . فالحاكم منصور في مصر في زمن الخلفاء كان أكثر سفكا للدماء وطاردا للنساء إلى حد القتل إذا ما تجاسرت على الخروج إلى الشارع، وفي الزمن الحالي فان ممارسة العنف ضد النساء لدرجة إجبارهن على الحجاب المؤسساتي ، وبمطاردة الشرطة لهن لا زال قائما …
وفى قطاع غزة فقد قتلت 39 امرأة خلال السنتين الماضيتين على خلفية المساس بالشرف ، وهو العدد المعلن عنه ، والقتل هنا ربما يتم عبر الشبه وبسبب رفضهن لبس الحجاب ، أو بسبب عملهن في محلات الكوافير أو مقاهي الانترنت دون أن يتعرض القتلة إلى القانون الذي لا ينصف المرأة ، ولقد شهدت الانتفاضة الأولى عام 1987 حوادث تقشعر لها الأبدان بهولها ، والتمثيل بجثثهن ، وبرميهن بجوار الحاويات وأماكن
الزبالة ، تبين لاحقا براءة العديد منهن .

إن هذا يتطلب معركة نضالية تراكمية متواصلة على جميع الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية ، نضال لا هوادة فيه ، تتحمل كافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية ، دورها الحقيقي ، والعمل على ترسيخ مفاهيم المساواة بين الرجل والمرأة ، والضغط على المجلس التشريعي لسن قوانين لحمايتها من القتل ، والقهر والاضطهاد ، وبتعاون كافة مؤسسات المجتمع المدني ، وفى مقدمتها القوى الوطنية والتقدمية والديمقراطية ، مع الأطر النسوية لرفع الظلم والأخذ بيد المرأة حتى تقوم بدورها في خدمة نفسها ومجتمعها. وإنهاء حالة التمييز ضدها في كافة ميادين الحياة ، واعتبار القاتل مجرم يجرى عقابه على جريمته، وإفساح المجال لها للتعلم ، حتى تستطيع تغيير الواقع السياسي والاقتصادي، والاجتماعي مع آخيها ورفيقها الرجل ، وحتى لا تبقى تابعا له، وإلا فإنها ستدفع ثمن ذلك من حريتها ، وإنسانيتها. 

غزة – فلسطين