الرئيسية » مقالات » اقتصاديات المشاركة : الحياة بعد الرأسمالية

اقتصاديات المشاركة : الحياة بعد الرأسمالية

 4 ديسمبر كانون الأول 2003
ز نت
ترجمة : مازن كم الماز

إن كلمة “الباركون* – اقتصاديات المشاركة” في عنوان هذا الكتاب غير معروفة لكل اليونانيين تقريبا . بالمثل فمن غير المعروف لكل سكان الأرض كيف ستكون “الحياة بعد الرأسمالية” , الذي هو العنوان الثانوي للكتاب .
يحاول مايكل ألبرت أن يقدم تصورا عن هذه الحياة ما بعد الرأسمالية غير المعروفة .
بعد استعراض سريع لمعنى كلمة “تصور أو رؤية” في القواميس نكتشف أن معناها كسعي وراء التغيير الاجتماعي هو في الحقيقة معاصر أو حتى غير موجود كلية .
يضيف معجم أوكسفورد الشهير المؤلف من عدة مجلدات هذا المعنى فقط في عام 1987 في ملحق للمعجم و ذلك بإدخاله ما يلي : ” الرؤية : القدرة على تصور ما قد تتم محاولته أو إنجازه , خاصة في مجال السياسة ” . حتى أن معجم كامبريدج الدولي للغة الانكليزية لعام 1995 يبدو أكثر تقدما بالتفسير التالي : “القدرة على تخيل كيف ستتطور دولة أو مجتمع أو صناعة الخ في المستقبل و التخطيط بطريقة مناسبة ” .
القواميس الأمريكية ( خاصة القاموس الهام لويبستر ميريام ) ليس فيها أي ذكر عن رؤية اجتماعية . يتوقف قاموس ويبستر عند ما يلي “بصيرة أو حصافة غير عادية” . لقد جرى ترديد هذا المعنى منذ عام 1945 و حتى 2003 ( الكتاب الجامعي 11 ) . و هي مفقودة حتى قبل عام 1945 .
لا يوجد أي ذكر مهما يكن عن التغيير الاجتماعي أيضا في القواميس الفرنسية . أما في الألمانية فهناك ببساطة المعنى الذي يتحدث عن “التخطيط للمستقبل ” ( دودن , 2000 ) .
أخيرا , في معجم اللغة اليونانية المعاصر لبابيتويتيس هناك الحاشية التالية : “الاستخدام المجازي لكلمة أوراما كبديل عن الكلمة الانكليزية تصور أو رؤية دخل الخطاب السياسي في عقد الثمانينيات من قبل سياسيي حزب الباسوك ( ملاحظة : أسس أندرياس باباندريو القادم من أمريكا حزب الباسوك كحزب اشتراكي لكنه كان في الواقع حزبا يمينيا بشدة ) . كما هو متوقع استعار الاشتراكيون اليونانيون ليس فقط كلمة “رؤية” بل استعاروا أيضا المضمون ( غير الموجود ) للرؤية الغربية .
لدى كل إنسان القدرة ( و الحق ) بأن يملك رؤية اجتماعية , هذه هي الطريقة التي يمكن للمجتمع الإنساني أن يعمل بها في المستقبل . في الحقيقة يمتلك كل البشر رؤية اجتماعية بالغريزة . من المحتمل أن كل هذه الرؤى متماثلة تقريبا في عناصرها العامة . لكن ليقوم شخص ما بالتعبير علنا عن رؤيته فإن عليه أن يكون جريئا . يعتبر من الغرور أن يقترح شخص ما على الملايين من أمثاله كيف يمكنهم أو يجب عليهم أن يعيشوا .
و مع ذلك فإن الكثير من الناس يقبلون رؤى “حكماء” معينين من التاريخ أو لأسباب شخصية ( أكثر من الاهتمام الذاتي ) , إنهم يقبلون أنظمة اجتماعية أخرى تطورت عبر التاريخ على أنها صحيحة .
يجب على المرء أن يعترف أن ألبرت كان يمتلك الجرأة ليعلن رؤيته علنا .
لكن ما هي رؤية ألبرت ؟ إنه الباركون , أو اقتصاديات المشاركة .
من الطبيعي أن رؤية ألبرت تستند ليس فقط على المعرفة الفلسفية و السياسية و الاجتماعية المستمدة من التاريخ بل أيضا على تجربته الشخصية .
إن جوهر رؤية اقتصاديات المشاركة هي القيم التي توجه هذه الرؤية , إنها أساسه الأخلاقي . هذه القيم هي : المساواة , التضامن , التنوع و الإدارة الذاتية . يريد ألبرت التأكيد بأن يكرر هذه القيم مرات لا حصر لها . في البداية قد يبدو مستغربا إصرار ألبرت هذا على تكرارها . لكن مع استمرار القارئ يصبح واضحا لماذا كان هذا ضروريا .
عند هذه النقطة من المناسب أن أقدم ملاحظة عامة عن الطريقة التي يجب بها قراءة هذا الكتاب . في كثير من الأحيان تكفي قراءة أجزاء من كتاب ما لقبول أو رفض مضمون كتاب ما . أما كتاب ألبرت فينتمي إلى تلك النوعية من الكتب التي من الضروري أن تجري قراءة كامل الكتاب . إنني أحفز قارئ هذا الكتاب أن يتمتع بالصبر لكي يقرأه كاملا . القارئ الذي لن يقرأ الكتاب كله لن يكون منصفا لا مع نفسه و لا مع ألبرت .
إن رؤية ألبرت محددة بالمجال الاقتصادي من تنظيم المجتمع , و من هنا جاء اسم “الباركون” ( اقتصاديات المشاركة ) . إن تحليل ألبرت للمشكلة الاقتصادية , إلى جانب ما سبق ذكره من قيم أساسية , يرتكز على تفكير منطقي كلية ( و لذلك فهو تفكير مخلص ) . هذا النوع من التحليل يمكن تسميته ب”الباركوني” ( نسبة للباركون أي اقتصاديات المشاركة ) . و وفقا لألبرت فقد يكون بمقدور آخرين فيما بعد أن يقوموا بتحليل الجوانب السياسية و الثقافية و القرابة و غيرها من المجتمع بطريقة باركونية .
إن هذه الخصائص للتحليل الباركوني ( الأساس الأخلاقي , العقلانية و الإخلاص ) تدفع من قبل ألبرت إلى أقصاها . ربما تكمن هنا الفروق بين الباركون ( اقتصاديات المشاركة ) و سائر الرؤى التي تستند على أساس إنساني ( اشتراكي , أناركي , الخ ) .
على سبيل المثال يقدم ألبرت “مركبات العمل المتوازنة” balanced job complexes و المكافأة وفقا ل”الجهد و التضحية” .
إن مركبات العمل المتوازنة هي خليط من المهام الممتعة و المزعجة التي يجب أن يقوم بها كل عامل . على سبيل المثال يجب على الجراح أن يقوم إلى جانب الجراحة بالقيام بأعمال ليست ممتعة أو مريحة , لكن التي من الضروري أن يقوم بها شخص ما . أو أن يتضمن مركب العمل لعاملة التنظيف قسما “يرفع من شأنها” كما يقول ألبرت . أي أنه سيرفعها إلى مستوى أعلى من التعليم ( التدريب ) و المعرفة و الإمكانيات . إن الأساس الأخلاقي لهذا الاقتراح أكثر تقدما إلى حد كبير من أي شيء آخر تم اقتراحه حتى الآن .
بالمثل فإن مكافأة الناس بحسب جهدهم و تضحيتهم و ليس وفقا لمساهمتهم الشخصية في الإنتاج على سبيل المثال كما تقول الاشتراكية هو اقتراح أكثر تقدما بكثير من وجهة نظر أخلاقية .
إن اقتراح الطريقة الباركونية لاتخاذ القرارات , الذي يقوم على قاعدة أن مساهمة كل فرد في اتخاذ القرارات يجب أن تتناسب مع تأثير هذا القرار عليه , هو ذا صفة أخلاقية مشابهة .
ليختبر صلاحية هذه الرؤية يستخدم ألبرت طريقة فعالة ( و جريئة ) جدا . إنه يقوم بنفسه بطرح الأسئلة المتوقعة من النقاد المحتملين للباركون و يجيب عليها بطريقة صريحة بشكل ملفت للنظر . إننا نعتقد أنه لم يحاول التهرب من الإجابة على أي سؤال انتقادي يمكن أن يطرح بشكل منطقي .
لدى الباركون ( اقتصاديات المشاركة ) الآن تاريخا من عشرة سنين . لقد نفذت الترجمتان الإيطالية و الإسبانية الآن . أما الترجمات إلى اللغات الأخرى هي في طور التحضير .
أخيرا فإننا نقدم مثالا يوضح كيفية تطبيق الباركون . دعونا نفترض أنه من الضروري إشادة المباني في مدينة ما وفقا للطريقة آ التي هي صحيحة إنشائيا و اجتماعيا . لكن بوجود النظام الاجتماعي القائم في المدينة فإن مجموعة قليلة من الناس في المدينة يقررون أن يبنوا هذه المباني وفقا للطريقة ب التي هي خاطئة من الناحية الإنشائية لكنها مربحة .
إذا ما جرى تطبيق الباركون في المدينة بدلا عن النظام الاجتماعي القائم فإن قرار إنشاء هذه المباني سيتخذ بطريقة تشاركية و سيقع الاختيار على الطريقة آ التي هي الطريقة الصحيحة ( و ليست المربحة ) .
هذا المثال ليس افتراضيا . هذه المدينة هي مدينة فولفوس في وسط اليونان . بعد زلزال أواسط الخمسينيات بدأ المهندسون ببناء مباني من طابق أو طابقين بحسب الطريقة الصحيحة المقاومة للزلازل . بعد حوالي عشرة أشهر بدأ بناء مباني عديدة الطوابق ( أبنية الشقق ) التي لم تكن صحيحة من حيث مقاومة الزلازل لكنها كانت مربحة ( جدا ) .
إن الزلزال الكبير القادم في هذه المدينة سيبرهن ربما على قيمة المنطق الأخلاقي الأساسي التي هي في مركز الباركون ( اقتصاديات المشاركة ) .

* Parecon : participatory economics أو اقتصاديات المشاركة .
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.zmag.org/parecon