الرئيسية » مقالات » العثمانيون الجدد يمارسون سياسة التتريك المقبورة

العثمانيون الجدد يمارسون سياسة التتريك المقبورة

طالما عانت الشعوب التي وقعت تحت نير التسلط العثماني الأهوج من ويلات سياسة التتريك التي إتبعها هذا النظام ضد الشعوب الغير تركية محاولآ مسح قوميتها وقطع صلتها بتراثها وتاريخها الفكري إستعدادآ لإذابتها في أتون التعصب القومي التركي الذي أراد له العثمانيون أن يكون العلامة المميزة لجبروتهم وتسلطهم على الشعوب المظلومة التي خضعت لمئات من السنين تحت نير هذه الأفكار الشوفينية السوداء . ونظرآ للشعور بالنقص الثقافي والجدب التاريخي الفكري الذي تولد لدى العثمانيين بالأمس تجاه القوميات التي أخضعتها بالقوة لتقبل الفكر العنصري التركي , حاول سلاطين آل عثمان أن يجعلوا من الثقافة العثمانية , التي لا تساوي شيئآ في حساب الزمن , الثقافة السائدة لدى الشعوب التي إستعمرتها باسم ألإسلام والتي أفقرت بلدانها وسخرت كل ما فيها من الموارد والطاقات البشرية والمادية لخدمة الباب العالي العثماني. لم ينجو الشعب الكوردي , كما نجت الشعوب ألأخرى التي نالت الأمرين من التسلط العثماني , من هذا التوجه العنصري المقيت الذي إستمر حتى بعد إنهيار الدولة العثمانية الذي مهدت له الحرب العالمية ألأولى والذي إنتهى ببعض الشعوب إلى التحرر من ألتسلط العثماني ألأهوج . إذ إستمرت السيطرة التركية الجديدة لدولة أتاتورك على مقدرات الشعب الكوردي ألذي وضعته سياسة المحاصصات الدولية آنذاك تحت رحمة القوميات الكبيرة في المنطقة والمتمثلة بالعربية والفارسية والتركية . ومنذ نشوء الدولة الكمالية التي سوقت نفسها كدولة عصرية , ظلت الممارسة العنصرية ضد الشعب الكوردي في تركيا السمة البارزة للعنصرية الشوفينية الرجعية للدولة الجديدة . ولم تتوقف هذه السياسة الرعناء ضد الشعب الكوردي في تركيا حتى بعد أن توالت على الحكم أحزابآ سياسية ذات توجهات مختلفة في كثير من القضايا التي تواجه الدولة التركية , إلا انها متفقة جميعآ على العداء للشعب الكوردي والوقوف ضد التوجهات القومية التحررية والحقوق المشروعة لهذا الشعب , تلك الحقوق التي نصت عليها المواثيق والأعراف الدولية القاضية بحق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها والعيش ضمن الكيانات السياسية والوطنية والقومية التي تمثلها حقآ . وظل الشعب الكوردي المقطع الأوصال بين حكومات أنكرت حقوقه القومية وتصدت بالعنف لتوجهاته التحررية , ظل يعاني من ويلات هذه السياسة القمعية التي تمارسها الشوفينية التركية اليوم على أبشع صورها من خلال الحرب الهمجية الوحشية على مناطق كوردستان الجنوبية والتي سوقتها السياسة العسكرية والقيادات العنصرية التركية على أنها حرب ضد المقاتلين ألأكراد من حزب العمال الكوردستاني وليس ضد الشعب الكوردي كما تزعم أبواقهم الدعائية وألأبواق المطبلة لهم إقليميآ وعالميآ .

إن المتتبع لطبيعة الهجمات العسكرية التركية على القرى والمناطق السكنية في كوردستان الجنوبية لابد وإن يتوصل إلى النتائج التالية مهما تبسط في تحليله الموضوعي لهذ الهجمة العنصرية التركية الشرسة على الشعب الكوردي .
أولآ : تدعي العسكرية التركية وحلفاؤها داخل وخارج المنطقة معرفتها بمواقع تجمعات مقاتلي حزب العمال الكوردستاني , فإن كان هذا ألإدعاء صحيحآ ,فإن هذه العسكرية تعلم بلا شك بأن المقاتلين لا يتواجدون في القرى والأرياف المكشوفة للسلاح الجوي , بل في المناطق الجبلية التي يحتمي بها المقاتلون من السلاح الجوي التركي الذي لا يستطيعون مقاومته بسهولة . وهنا يطرح السؤال المنطقي نفسه , وهو لماذا يلجأ السلاح الجوي التركي إذن إلى قصف المناطق السكنية وقتل سكانها ألمدنيين وتشريد أهلها العزل من السلاح بعد أن هدمت منازلهم وقصفت قراهم حتى أن بعضهم لم يستطع أن يلوذ بالفرار من هذا القصف الهمجي المروع…..؟ إن ألجواب على هذا السؤال يقودنا إلى النتيجة الثانية المستوحاة من سياسة الحرب التركية الشوفينية ضد الشعب الكوردي وهي…

ثانيآ : إن ممارسة مثل هذه السياسة الهوجاء قد كشفت القناع عن زيف مزاعم الشوفينية التركية التي طالما رددتها دومآ والتي إدعت بها عدم إستهدافها للشعب الكوردي ككل . إن القتلى والمشردين من بنات وأبناء الشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية شواهد حية على العداء الذي تكنه الشوفينية التركية ضد كل الشعب الكوردي وليس , كما يدعي قادة هذه السياسة , ضد المقاتلين من حزب العمال الكوردستاني فقط .

ثالثآ : لم تخطط الشوفينية التركية لهذه السياسة ولم تنفذها بمعزل عن الحلفاء في حلف الناتو وخاصة الحليف ألأكبر الولايات المتحدة ألأمريكية . إن ما قدمته أمريكا من مساعدات تقنية فنية لوجستية للقوات التركية وفتح أجواء كوردستان الجنوبية أمام ألطيران التركي يدل بوضوح لا يقبل أي شك بأن سياسة المصالح الدولية لا تزال قائمة حتى يومنا هذا ومن الخطأ هنا الإنطلاق من وجهة نظر بعض الزعامات الكوردية التي جعلت من علاقاتها مع الولايات المتحدة ألأمريكية علاقة صداقة إستراتيجية تراهن عليها بالوقوف إلى جانب حركة التحرر الكوردية على المدى البعيد .

رابعآ : تقودنا هذه الحقائق إلى النتيجة المنطقية الأخرى التي ترى أن التضامن الإستراتيجي والتحالف المبدأي الثابت لنضال الشعب الكوردي لا يمكن أن يتحقق إلا مع الشعوب , سواءً كانت شعوب المنطقة المعنية بهذا النضال بشكل مباشر, أو شعوب العالم ألأخرى التي تشكل ألإمتداد الثوري ألأممي لهذا النضال .

خامسآ : أما النتيجة ألأخرى , وليست ألأخيرة , التي أفرزتها سياسة القمع الشوفينية التركية ضد الشعب الكوردي , فإنها تتجلى بصمت القبور المطبق الذي ساد أجواء المنطقة , هذه ألأجواء التي إمتلأت بالنعيق والنباح قبل عام حينما جرى إعدام طاغية قاتل مجرم في أول يوم من أيام عيد ألأضحى , كما إدعت هذه ألأصوات , في حين أنها لم تكلف نفسها حتى بالإستفسار عن طبيعة مئات الضحايا والمشردين من الرجال والنساء , شبابآ وشيوخآ , كنتيجة للقصف الهمجي التركي جوآ وبرآ والذي إستمر طيلة أيام هذا العيد الذي تقدسه ألأصوات النابحة حينما يتعلق ألأمر بإعدام مجرم قاتل فيه , وتتناسى هذه القدسية حينما يتعلق ألأمر بإبادة شعب أعزل .

ما العمل إذن أزاء كل ذلك…….؟ لا سبيل إلى سلوك الطريق المؤدي إلى دعم حركة التحرر الكوردي الديمقراطية التقدمية بتوسيع ساحة الصراع مع الشوفينية التركية وعدم إقتصاره على سوح النضال داخل منطقة الصراع ذاتها . إن ساحة الصراع ضد سياسة التتريك الجديدة يجب أن تكون أوسع بكثير من ساحة المنطقة التي يتواجد عليها هذا الصراع فعلآ , إذ أن الشعوب هي الضمين ألأساسي والحليف ألإستراتيجي لكل حركة تنشد هذ الطريق ألأممي . فلا سبيل إذن من مناشدة شعوب ألأرض كافة بالمساهمة في فضح هذه السياسة التي لم تعد تتلائم وسمة العصر في القرن الحادي والعشرين ألذي تتطلع فيه شعوب ألأرض كافة إلى تحقيق العدالة ألإحتماعية والسلم العالمي والحوار بين الأمم والشعوب كمبدأ إنساني حضاري للتغلب على المشاكل المختلفة التي تعترض الحياة البشرية . إن توسيع ساحة الصراع بنقله إلى شعوب العالم لتقف بوجه هذه السياسة العنصرية الهوجاء كما وقفت إلى جانب شعب أفريقيا الجنوبية ضد سياسة التمييز العنصري وكما وقفت إلى جانب الشعب الفيتنامي ضد سياسة ألإبادة العسكرية التي إستهدفت هذا الشعب والمواقف الأممية ألأخرى التي برهنت على أهمية التضامن الأممي هذا . وإذا ما أردنا التخصص في هذا الموضوع فإن الفرصة التي يجب أن لا تتجاهلها القوى التقدمية المساندة لنضال الشعب الكوردي في هذا الصراع مع الشوفينية التركية هي تنوير الساحة ألأوربية على وجه الخصوص بماهية هذه السياسة ومدى تجاوزها على الحقوق ألأساسية لأي إنسان يرغب بممارسة حياته الثقافية وتطلعاته القومية التحررية وتوجهاته الفكرية وإحياء تراثه على أراضيه وضمن النظام السياسي الذي يختاره بنفسه دون تسلط ووصاية من أحد . ومدى تعارض هذه السياسة القمعية التركية مع سياسة ألإتحاد ألأوربي الذي سيكون الظهير للشعب الكوردي حينما يجعل , كما يفعل ألآن , إحترام حقوق ألإنسان كشرط أساسي لإنضمام تركيا إلى هذا ألإتحاد الذي تسعى جاهدة للإنضمام إليه .

كما يجب عدم التفريط في هذا المجال بالإعلام التحرري الثوري الذي يرسم ملامح الفكر الذي تتعامل معه حركة النضال التحرري الكوردي وإيضاح الأبعاد التي تجعلها في مصاف الحركات البعيدة عن التوجهات العشائرية أو الدينية المتطرفة أو القومية العدائية العنصرية . إن إعلامآ كهذا سيحشد كل محبي العدالة والتحرر والتقدم إلى جانب النضال الكوردي الذي يجب أن تقوده القوى المؤمنة فعلآ بتلاقح الحضارات لا بصراعها وبالتآخي بين الشعوب لا بعدائها .

إن مثل هذه ألأهداف التي يجب أن تسعى لتحقيقها حركة النضال التحرري الكوردي ستتحقق بشكل أكثر فعالية وتختصر كثيرآ من الوقت والجهد والتضحيات إذا ما إقترنت بوحدة قوى التقدم والتحررالكوردي المؤمنة بالمصير المشترك والحياة الآمنة المشتركة ليس على ربوع كوردستان وحسب , بل وعلى جميع بقاع المعمورة .