الرئيسية » مقالات » الدكتور حسين قاسم العزيز 1922 ـ1995

الدكتور حسين قاسم العزيز 1922 ـ1995

ا.د.ابراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الاقليمية –جامعة الموصل

عرفت الدكتور حسين قاسم العزيز 1922 ـ 1995 رحمه الله منذ أن كنت طالبا في جامعة بغداد أبان الستينات ، من القرن الماضي ، فلقد عمل الرجل مدرسا ثم مديرا لثانوية الناصرية قبل ثورة 14 تموز 1958 .. وكان معروفا بتوجهه الماركسي ، وبنظرته المادية الجدلية ( الديالكتيكية) للتاريخ عموما وللتاريخ العربي الاسلامي خصوصا .. كتب عنه صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في الجزء الثالث من موسوعته : ((موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين)) وقال بانه ((باحث في التاريخ العربي الاسلامي ..بمنهج المادية الديالكتيكية ..)) .
ولد في في مدينة الكوت سنة 1922 . اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية بين مدينتي الكوت والعمارة . دخل دار المعلمين العالية ( كلية التربية) ببغداد ، وتخرج فيها سنة 1945 ، وعمل في التدريس وفي وظائف إدارية عالية بوزارة التربية . وفي سنة 1966 حصل على الدكتوراه من جامعة موسكو ، وكانت أطروحته حول (البابكية) . مارس التدريس في معهد اللغات الشرقية في موسكو بين سنتي 1963 ـ 1966 ، ثم انتقل الى المملكة العربية السعودية ليعمل فنيا في مركز الدراسات التكميلية الاسلامية في الرياض . وفي سنة 1968 عاد الى وطنه ، وعين مدرسا في كلية التربية ثم في قسم التاريخ بكلية الاداب / جامعة بغداد . ومما انجزه ، فضلا عن الكتب والبحوث والدراسات التي كتبها ، اقدامه على عمل متميز ، بنظرنا ، وهو ترجمة الجداول التي رتبها المستشرق (الارمني ـ السوفيتي) سنة 1920 يوسف ابكاروفيج اوربلي لتحويل السنوات الهجرية الى السنوات الميلادية من اللغة الروسية الى اللغة العربية ونشر الجداول في مجلة المورد (البغدادية) عبر عددين هما العدد هما العدد (3) من المجلد (23 ،1974) والعدد (4) من المجلـد (23 ،1974 ) وقد استغرقـت الجـداول قرابة (90) صفحة من القطع الكبير وبذلك اسدى خدمة رائعة للباحثين ، ومن كتبه التي نشرها حينما كان يعمل في السعودية كتابه الموسوم ((شرق الجزيرة العربية والاطماع الغربية )) وقد اعيد طبعه في دار الكنوز الادبية ، (بيروت ،2004) ويقع في (160) صفحة .
كتبت عنه مجلة العلوم السياسية ( العراقية) مرة وقالت انه (( أرسى معالم طريقة جديدة في تحليل وتفسير الاحداث التاريخية ، وعلاقة العرب المسلمين بالمسلمين من غير العرب )) . وعندما نشر اطروحته للدكتوراه في موسكو سنة 1966 عن ((البابكية : انتفاضة الشعب الاذربيجاني ضد الخلافة العباسية )) ، قامت قيامة بعض المؤرخين من ذوي التوجه القومي العربي ولم تقعد ، فلقد تصدى له بعضهم وفي مقدمة الذين تصدى له المؤرخ الاستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي وحاول دحض فرضياته ودار صراع فكري تلمسنا اثاره في قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد مطلع السبعينات من القرن الماضي ، ومما ساعد على احتدام الصراع ، استضافة القسم المذكور للمؤرخ السوفيتي المعروف كوتولوف الذي كتب عن ثورة 1920 وفسرها تفسيرا ماركسيا لينينيا وقد ترجم كتابه ونشر ببغداد آنذاك .. وقد دار عند القاء الدكتور كوتلوف محاضراته في قسم التاريخ سجالا تاريخيا رائعا اسهم فيه عدد من الاساتذة المؤرخين امثال الاستاذ الدكتور فاضل حسين والاستاذ الدكتور جعفر خصباك والدكتور حسين قاسم العزيز والدكتور فاروق عمر فوزي ، ولم يكن طلبة الدراسات التاريخية العليا بعيدين عن ذلك السجال ، فلقد كنت انذاك واحدا من الذين حضروا محاضرات الدكتور كوتلوف والنقاشات التي دارت حولها وقد جرى كل ذلك ، والحق اقول ، في جو علمي اخوي افتقدناه فيما بعد ، للاسف الشديد .
كان للدكتور حسين قاسم العزيز كتب ودراسات ..كما دأب على نشر مقالاته في الصحف العراقية والعربية والاجنبية (الروسية) .. ومما ينبغي ذكره ان كل او معظم كتاباته كانت تنهج في تفسير احداث التاريخ العربي الاسلامي ، نهجا قائما على ابراز دور الصراع الطبقي في صنع التاريخ ويقف كتابه ( موجز تاريخ العرب والاسلام ) الذي نشرته مكتبة النهضة ببيروت سنة 1971 مثالا تطبيقيا على ذلك ولتوضيح رؤيته التاريخية لابد لنا ان نقف عند بعض إنتاجه ولعل من أبرزه في نظرنا مقالين ، نشر اولهما بعنوان : ((الاساس المادي لتطور منهج البحث التاريخي ومستلزمات المرحلة الراهنة) في مجلة الثقافة الجديدة
(البغدادية) ، العدد (5) ايار 1975 . والثاني نشره بعنوان ((تباين وآفاق الاستشراق واثره في منهج البحث التاريخي في العراق )) . في مجلة شمس كردستان ، العدد (27) ، حزيران 1975 . وفي هذين المقالين يعالج الدكتور حسين قاسم العزيز ((منهج البحث التاريخي تاريخيا وجذور المنهجين الموجودين آنذاك في العراق (1975) ، دون ان يتطرق الى أساليب المدارس التاريخية ونظرتها للتاريخ ، وانما يعالج الاساس المادي والمحتوى النظري لاختلاف وتغير موقف المؤرخين من الاحداث التاريخية انطلاقا من الاعتراف بتفاعل الافكار والاراء والمعتقدات مع الشروط المادية للحياة الاجتماعية ، على اساس ان التاريخ لون من المعرفة الداخلة ضمن الافكار والادراك الاجتماعي التي تتأثر وتؤثر في الوضع الاجتماعي )) .
لقد اهتم الدكتور العزيز بهذا الموضوع منذ ايلول 1973 ونشرت مجلة المثقف العربي ( البغدادية) في عددها الاول ، السنة 6 ، كانون الثاني 1974 ، جانبا من افكاره وآرائه ومنها ما يتعلق بالمسار التطوري للتاريخ عند العرب والمسلمين حتى مطلع القرن العشرين . وقد اوضح ((دور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية لعرب ما قبل الاسلام والفترة الاسلامية ثم التفاعل الحضاري عبر التحولات الاجتماعية ، وبيان واقع المؤرخين الطبقي وانحيازهم ، الا ما ندر ، الى جانب السلطات ، مع اظهار اثر التمازج الحضاري في اسلوب المؤرخين مع بيان دور السلطة في اشاعة الجمود الفكري نتيجة القمع والاضطهاد القسري)). واخيرا تناول فترة الركود الفكري الذي واكب الاحتلال الاجنبي الطويل ، وفي نهاية رؤيته درس انبعاث التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب ) . أما القسم الثاني من دراسته ، فعالج فيه النهجين المحافظ والتقدمي ، من حيث واقعهما وخلفيتهما وآفاقهما مع لمحة عن الوضع الراهن للمدرسة التاريخية العراقية المعاصرة .
في جانب من دراسته تلك التي اشرنا اليها آنفا وقف عند ما اسماه (( مناهج البحث التاريخي في العراق)) . وقال ان هناك منهجان : اولهما منهج محافظ . وثانيهما منهج تقدمي . فالمنهج المحافظ في التاريخ ((يغرق نفسه بالسرد التاريخي ليبتعد جهد طاقته عن تحليل المجتمع وشروطه المادية منتهجا طريق سلفه مؤرخ القرون الوسطى الاقطاعي بدوافع طبقية تغذيها الشوفينية والتزمت وضيق الافق العلمي ، او متابعا خطى اساتذته الشرقيين الرجعيين ، فتراه يقلل او يسعى الى تقليل دور الجماهير في تغيير احداث التاريخ ، بل يسعى جهد طاقته لابراز دور الفرد في توجيه الاحداث )) . اما المنهج التقدمي فهو برأي الدكتور حسين قاسم العزيز ، ((يعتمد التحليل العلمي الحديث ، فيلتزم جانب الشعوب والامم الثورية ـ التحررية في صراعها ضد الطغاة ايا كانوا ، فهو يفضح الاضطهاد والاستغلال ويناصر الشعوب ويتعمق في دراسة الجوهر ليتخذه اساسا لتحليلاته دون الظواهر السطحية ، ويعتبر البنى الفوقية دون ان يجردها من التفاعل انعكاسا للتراكيب السفلى : القاعدة الاقتصادية ـ الاجتماعية ، وخلال دراسته لتطور المجتمع يعنى عناية فائقة باهمية العوامل الموضوعية والذاتية والعلاقة بين هذين العاملين مسترشدا بتحليل لينين الدقيق )) .
ثم اشار الى ما كان يتضمنه هذا التحليل من دراسة جدلية بارعة للعلاقة بين العاملين الموضوعي والذاتي في تطور المجتمع وخاصة ما يتصل بنشاط الجماهير الشعبية والطبقات والاحزاب والوفود في العملية التاريخية .
ويقرر الدكتور حسين قاسم العزيز بان المنهج التقدمي في العراق يعاني من عدم تكافؤ الفرص بينه وبين نقيضه المنهج المحافظ في التعيين والنشر وفي المساهمة في التخطيط ووضع البرامج والمناهج وفي مجال حرية الفكر . ويدعو الدكتور العزيز الى اصلاح التعليم الجامعي ويقول بانه تقدم الى قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد في 27 ايلول 1973 بمقترحات حول تطوير القسم والدراسات التاريخية وقد اشار الى الاسباب الموجبة لمقترحاته بما يلي : ((انطلاقا من تقييم الجبهة الوطنية عن الدور الهام والرائد الذي تؤديه الجامعات في عصرنا على ان يكون لها دور خاص في قطرنا في مواكبة عملية الثورة واسنادها لتنفيذ كافة متطلبات التغيير الاجتماعي لصالح النضال الوطني والقومي ودعمها في الاتجاه الذي ينسجم مع مطامح الجماهير في تسريع عمليات التغيير الاجتماعي والاقتصادي والذي لايتم ، كما يرى الميثاق الا من خلال تنقية مؤسسات الجامعة من كل التيارات اليمينية والليبرالية المعادية لفكر الثورة ، رايت من واجبي ان اتقدم لمجلس القسم الموقر في اول اجتماع له خلال العام الدراسي 1973 ـ 1974 بالمقترحات الاتية )) . وقد نشرت مقترحاته في مجلة الاجيال التي كانت نقابة المعلمين تصدرها (العدد (20) تشرين الاول 1973 ص ص 15 ـ 16 ,52 )
اما المقترحات التي قدمها فتتلخص بما يلي :
1 . وضع برامج للبحوث والمقالات العلمية يعين فيها اسماء الباحثين وعناوين بحوثهم حسب رغباتهم واختصاصاتهم وتكون الزامية والا فيعفى من التدريس من يعجز عن تقديم بحث خلال عامين .
2 . يخطط القسم برامج للندوات والمحاضرات العامة وبحث كافة اعضائه على الاسهام فيها .
3 . السعي باتجاه تعميق الصراع الفكري والذي سيكشف الاتجاهات الخاطئة من جهة وينمي القابليات الناشئة من جهة اخرى .
4 . يفرغ عدد من اعضاء القسم للاشراف على اعداد البحوث والمقالات والندوات والمحاضرات .
5 . يفرغ عدد من اعضاء الهيئة التدريسية من المشهود لهم بالتاليف الجيد ، لوضع مؤلفات لتاريخ العراق منذ اقدم عصوره حتى الازمنة الحديثة على شكل لجان تتوفر فيها عناصر تقدمية وكذلك بالنسبة للكتب التدريسية في مختلف المواضيع والمراحل .
5 . الزام الباحثين بادراك ابعاد المعضلات المصيرية والاهتمام بشؤون الجماهير وتفهم مصالحها الرئيسية وربط تحليلاتهم لاحداث الماضي بحاجات المجتمع الانية وطموحاته وامتلاك النظرة الشمولية الانسانية نحو مجمل التراث الانساني .
6 . توسيع التنسيق والتعاون بين الاقسام التاريخية والمجامع العلمية ومراكز الدراسات التاريخية والسعي على تطعيم المجامع والمراكز بعناصر كفوءة من ذوي الافكار العلمية التقدمية والمؤمنة بالاشتراكية والمشهود لها بالمثــابرة والجدية العلمية ..
7 . مراقبة التدريس بجدية مستمرة والاهتمام بتطوير اساليب التدريس وضرورة التمييز بين التدريسات وبين البحث العلمي من ناحية القابليات والاستعداد والجهـد .
وقد انتقد الدكتور العزيز عدد من زملائه وقال بانهم ينتمون الى النهج المحافظ وقال ان : ((احد اساتذة قسم التاريخ الذي ينتمي اليه يمتنع من ذكر كلمة الجماهير في بحوثه واثناء القائه المحاضرات ويرفض قبولها في اجابات طلبته لانه ينكر أي دور للجماهير في احداث التاريخ وانما هي من صنع الشخصيات الفذة )) .
ازاء هذه التوجهات واحتدام الصراع السياسي في العراق وانحساره فيما بعد وخاصته في اواخر السبعينات من القرن الماضي فان رؤية الدكتور حسين قاسم العزيز للتاريخ واجهت الكثير من العنت والمعارضة ، ومما زاد في ذلك انه بدأ يعاني من مرض عضال اعاقه عن الاستمرار في تاكيد افكاره ونشر تحليلاته ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى علمنا بوفاته في اليوم التاسع عشر من نيسان سنة 1995 . وبالرغم من غيابه ، الان ان ما كتبه ونشره لا يزال يؤثر في ذاكرة المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة ، منهجا خاصا يدل على حيوية هذه المدرسة وقدرتها على الاستفادة من كل التوجهات العالمية في التاريخ والفكر والفلسفة .
المصدر :موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين التي يعدها الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف (كاتب المقال اعلاه )وتنشرها مجلة علوم انسانية (الالكترونية) www.ulum.nl