الرئيسية » مقالات » فيدرالية الجنوب أم فيدرالية الحكيم

فيدرالية الجنوب أم فيدرالية الحكيم

ارتفعت هذه الأيام الصيحات الداعية إلى أنشاء فيدرالية الوسط والجنوب،فقد صرح السيد عمار الحكيم النجل الأكبر لزعيم المجلس الأعلى الإسلامي عند لقائه بالسيد نيجرفان برزاني،أن الوقت قد حان لإنشاء فيدرالية جنوب بغداد،في تغيير مقصود للتركيب السابق بتشكيل فيدرالية الوسط والجنوب،لما لمس من رفض للكثير من القوى لفيدرالية تجمع الوسط والجنوب،وما يرغب فيه السادة من آل الحكيم في تكوين أمارة مستقلة للمحافظات الجنوبية ومحافظات الفرات الأوسط،والمرفوضة رفضا باتا من المحافظات الجنوبية التي ترى في هذه الفيدرالية تكريس لهيمنة مدينة النجف الأشرف على مقدرات الإقليم،ولأسباب اجتماعية ونفسية عديدة ربما نتطرق لها في مقال قادم،ويبدو أن عمار الحكيم بدء منذ الآن بسحب البساط من تحت أقدام والده،ليكون الرجل الأول في قيادة المركب الديني،وتأهيل والده لزعامة المرجعيات الدينية في النجف بعد انتهاء دور السيستاني بسبب كبر السن والمرض،ليكون السيد عبد العزيز النائب الأول لولي أمر المسلمين السيد على الخامنئي، بعد أن تهيأت الإمكانيات المادية الهائلة لعمار الحكيم في السيطرة على مفاصل الاقتصاد العراقي بما يمتلك من شركات تهيمن بشكل كامل على عمليات الاستيراد والتصدير،والسيطرة على مؤسسات الدولة في سبعة محافظات جنوبية يهيمن عليها أتباعه بصورة مطلقة،فيما يشارك مع جهات دينية أخرى على أدارة المحافظات الأخرى،ويحاول ما وسعه الجهد لدغدغة عواطف المواطنين في النجف ليجعل مدينتهم “عوجة” ثانية تهيمن على باقي المحافظات رغم أنه أحكم سيطرته الكاملة عليها،وأغتصب الساحات والمقابر والدور المهمة بوسائل لا تختلف عن وسائل خالد الذكر خير الله طلفاح عندما كان يسيطر على عراق أبناء صبحة،ولكن أماله هذه تتعارض مع آمال حزب الدعوة في أن تكون العوجة الجديدة مدينة كربلاء المقدسة،مما خلق بؤرة من الصراع بين المدينتين،لما بينهما من تنافس وصراع قديم على زعامة الشيعة في العالم بين حوزة النجف وحوزة كربلاء،والمعارك الطاحنة التي تتخذ من المناسبات الدينية مجالا رحبا لها ،منذ أكثر من قرن أو يزيد،وهو ما يعرفه أبناء الوسط بشكل جيد.
ولكن لأبناء الوسط والجنوب أن يتساءلوا عن الذي جنوه من حكم آل الحكيم طيلة السنوات الماضية،وهل تمكنت هذه الأسرة من تحقيق العدالة الاجتماعية،أو استطاعت بناء مدن الجنوب المهدمة وإعادة أعمارها، أو وفرت لهم الكهرباء ،رغم المليارات المخصصة لها والتي تذهب حصرا إلى الجيوب المرتبطة بهذه الأسرة ومن جاء معهم من خارج الحدود،وهل أستطاع هؤلاء توفير أدنى مستويات الحياة الحرة الكريمة لشعب ذاق الويلات بسبب تصرفات هذه الأسرة ونزعتها الموروثة في الهيمنة على مقدرات الشيعة في العراق،منذ مؤسسها الأول حتى الآن، عندما قام بتصفية خصومه من المراجع الآخرين بتهم باطلة أقلها الكفر والانحراف عن المذهب،بتأييد كامل من أطراف أجنبية رأت فيه خير معين على تحقيق طموحها في الهيمنة على مقدرات البلاد،فجرت العراق إلى مآسي وويلات بسبب التعارض بين مصالح الشعب وما تهدف إليه هذه الأسرة،واليوم عادت لتمارس ذات الدور الذي أضطلع به جدها منذ ثلاثينات القرن الماضي لبسط سيطرتها على أغنى بقعة في العالم،تحت واجهات عقائدية ليس في مصلحتها خوض هذا الصراع،فقد لمس الشعب العراقي عظم المأساة بتسلط هذه الأسرة عندما هيمن عمار الحكيم على جميع المرافق الاقتصادية للمنطقة،وأصبح الحاكم بجميع الشركات والمؤسسات العاملة في المحافظات،وشكل أكبر كارتل من شركات الاستيراد والتصدير،ليمسك بيد من حديد على مقدرات الاقتصاد العراقي،فيما أوقف العمل في جميع المعامل الحكومية الإنتاجية،لتكون شركاته المنفذ الوحيد للسوق العراقي،والتي تمتد كالإخطبوط في جميع المفاصل،وأصبح يؤدي ذات الدور الذي كان يؤديه المقبور عدي صدام حسين،عندما كون شلة من أبناء العوجة والمقربين منه لتهيمن على الاقتصاد العراقي،ولكن كان مصيره كما يعلم الجميع،وذهبت أمواله الطائلة وقصوره العامرة إلى حكام العراق الجديد،ليكون لهم قدوة حسنة في التسلط والأستبداد،ولا أعتقد أن العراقيين يجهلون ما يجري خلف الكواليس من صفقات سرية للأسر الحاكمة في نهب مفضوح لثروات العراقيين،في الوقت الذي يعيش الملايين تحت خط الفقر،ويسكنون في الصرائف والبيوت الطينية،في الوقت الذي يعيش فيه عمار بعشرات القصور موزعة على المحافظات العراقية،فقد أصبح الوارث الوحيد لصدام وأسرته لما بينهم من نسب علوي شريف،واستولى على قصوره وشركاته ،وكأنها أرث والده وليست ملكا لجميع العراقيين،والجميع يشاهد المواكب الرئاسية لعمار الحكيم وهو يجوب المدن العراقية ترافقه مئات السيارات وكأنه الإمبراطور هيلا سيلاسي ،أو صدام في أيام عزه،ولا زال العراقيون يشاهدون كل يوم الموكب السامي للحاكم بأمر الله،وهو يقطع شوارع المدن وتتعامل حمايته مع المواطنين بنزق واستهتار واستهانة بمشاعر الناس، ويقابلهم بما يستحقون من الازدراء والأهانة لأنهم كانوا وراء إيصال أمثال هؤلاء إلى السلطة،وآخر تقليعات الابن المدلل اعتدائه على رجال الأعلام،وقيام حمايته بضربهم الضرب المبرح وكسر أجهزة التصوير،لأن جنابه الكريم يخشى مغبة نشر صور موكبه الكبير،الذي لم يكن صدام ذاته يسير بمثله،والأنكى من ذلك رفضه الاعتذار عن تصرفه الأرعن في تصور أنه فوق الجميع متناسيا أن أسرته وفدت للعراق وهي لا تملك شروى نقير،وكان جدهم الأعلى عطارا يبيع الأدوية الشعبية،ويمارس الحجامة ويكتب الحروز،ثم شاءت السياسة أن يتولى جدهم الأدنى المرجعية الدينية،وينهب أموال المسلمين ليشيد فيها العمارات في الدول الأوربية،والكثيرون من أهالي النجف يتذكرون تاريخ الأسرة وما حصلت عليه بفضل الزعامة الدينية،ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه من جديد لتعود هذه الأسرة مرة ثانية وتهيمن على مقدرات البلاد والعباد،وتقوم بنهب ثروات الشعب العراقي المسكين الذي خدع بالشعارات الدينية لأناس لا علاقة لهم بالدين من قريب أو بعيد.
ولكن هل يريد أبناء الوسط والجنوب إقليما أو أمارة يحكم فيها هذا الصبي المغرور،هذا ما ستظهره الأيام،فعهدي بالعراقيين(مفتحين باللبن) ولا تخدعهم الخزعبلات الجديدة التي يروج لها أبناء الجاليات الغريبة عن العراق والعراقيين،والتي استطاعت في غفلة من الزمن أن تجد لها مكانا في بلاد الرافدين،المبتلاة بالحكم الأجنبي عبر قرون وقرون.