الرئيسية » مقالات » غسل العار عرف أم دين

غسل العار عرف أم دين

قد أكون كاذبا أو مخادعا عندما أقول أني لا أردد مع المتنبي”لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم”،بل لا زلت معه بسبب التربية التي أنا عليها منذ نعومة أظفاري رغم ما لابس حياتي من ضروب الحضارة الحديثة،وما أردده بين حين وآخر عن تحضري ونظرتي التقدمية للأمور،وما أؤمن به من مبادئ ترفض مثل هذه العادات والتقاليد،ولكن هل أستطيع الخروج من شرنقتي وما عليه مجتمعي من أفكار وتصورات،وهل أستطيع الامتناع عن الانسياق ورائها،لأن من شب على شيء شاب عليه،ولا يخفى ما للمجتمعات من تأثير على الإنسان،وهي تحدد مساراته،وربما يدفعه عقله الباطن للتعاطف معها أو القبول بها وعدم معارضتها في أحسن الأحوال،لذلك من المستحيل أن أنزه نفسي عن القبول يبعضها والانسياق خلفها،ولكن قد أقف مفكرا بعض الأحيان في دوافعها وأسبابها،وأتعامل معها بالحديث من فهمي للأمور ،فأجد فيها الكثير من التعسف والظلم،لأنها لا تستند إلى واقع موضوعي،أو عقيدة سماوية أو أرضية،ولكن أرى أن المجتمع العراقي قد تجافى هذه الظاهرة ،وأصبحت من الأعراف والتقاليد البالية،التي لا يتعامل بها المواطن،ولا يلتزم بها في الباطن وأن جاهر بها،والأدلة على ذلك كثيرة،ومن خلال معايشتنا للمجتمع ومعرفتنا لبواطنه وأسراره وخوافيه،نستطيع القول أن هذا الأمر لا يطبق بشكله المعروف إلا بنسب قليلة جدا،ولا يمارسه إلا القلة من المتشددين أو الذين لا زالوا يعيشون بعقلية القرون الوسطى،والأدلة على ذلك كثيرة، فقد انعدمت أو كادت مثل هذه الجرائم،وأصبح من النادر حدوثها،ولا تحث إلا في سنوات جد متباعدات،لأن أكثر الناس يحاولون تسوية الأمور والتستر عليها،والتغاضي عما يحدث من انتهاكات،فتحاول ما وسعها الجهد على لملمة الموضوع،واللجوء إلى الحلول الوسطية التي تسالم عليها المجتمع في الحل الأسلم وهو تزويج الفتاة من الفاعل بزواج وقتي أو دائمي،فإذا كان الأمر عن حب جارف وعاطفة حقيقية كان الزواج ألدائمي هو النتيجة الحتمية،سواء بعلم الوالد أو الأخوة أو بتدبير الأم التي تحاول التغطية على الموضوع وتسويته بما تملك من تأثير أو قدرة على التصرف الحكيم بما لا يؤدي إلى الفضيحة،إما إذا كان الأمر نتيجة عبث واستهتار فكثيرا ما يكون الزواج المؤقت حلا للموضوع،ذلك أن يتزوج الفاعل منها ثم يطلقها بعد شهور،ونادرا ما تؤدي الأمور إلى القتل،إلا في المجتمعات التي لا زالت تعيش بعقلية الماضي،ولا أذيع سرا إذا قلت أن هذه الأمور تنتهي عادة وفق هذه الحلول،أو تضطر الأسرة الرحيل إلى مدينة أخرى،ولا تعود لمدينتها الأصلية،وهذا كثير الحدوث.
وما يعنينا من الأمر هو دراسته وفق المعطيات التي حددناها،فهل غسل العار أو القتل من صميم الشريعة أم أنه عرف اجتماعي،فالإسلام على سبيل المثال شرع الجلد للزانية والزانية،والجلد لا يعني القتل بأي حال من الأحوال،فقد لا يؤدي في الكثير من الحالات إلى حدوث الوفاة،وبذلك لا يوجد نص شرعي يجيز القتل،فأن الشارع قد أوجد العقوبة وهي دون القتل قطعا،فأن القتل وما يرافقه من ممارسات أخرى كقطع الكف أو قص الجدائل في الموروث الاجتماعي الزائل،ولا يوجد من يطبقه في العراق طيلة الكثير من السنوات،رغم أن القوانين الوضعية تخفف من جريمة القتل إذا كانت غسلا للعار،ومثل هذا التخفيف يشجع على ارتكاب الجرائم،رغم أن القضاة يحاولون ما وسعهم الأمر تفنيد هذه الأمور بما لديهم من خبرة في الاستجواب.
ولكن لنا أن نتساءل ،هل إن الشرف الرفيع الذي تسيل على جوانبه الدماء هو هذا المكان الصغير من جسم المرأة،ولماذا لم يمارس القتل مع الرجال الذين يقومون بمثل هذه الأعمال،وكيف لهم عدم استعمال مثل هذه العقوبة مع جرائم الشرف الأخرى،التي لها تأثير أكثر خطورة من هذا العمل الناتج عن حاجة إنسانية بسبب الممارسات التي تفرضها المجتمعات بالتضييق على المرأة وكبت حريتها،وعدم السماح لها بأن تكون إنسان له كامل الحقوق أسوة بالرجل، الذي يمارس ذات العمل المخل بالشرف كما تصوره المجتمعات،ولا يعامل كما تعامل المرأة،ولماذا لا يحاسب الذي يخون شرف العهد أو شرف الكلمة أو شرف المواطنة،فيما يكون الحساب عن الممارسات الجنسية فقط،ولماذا يغسل عار المرأة ولا يغسل عار الرجل عند لارتكابه لمثل هذه الممارسة،أن ما يجري في الواقع هو تطبيق لقانون ذكوري فرضه هيمنة الرجل على المجتمع،والتقليل من شأن المرأة،لأنها الأضعف في المنظور المجتمعي العام،وعليها وحدها تحمل القصاص،دون أن يكون لشريكها نصيبه منه،ولكن ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الممارسة الخاطئة،ولماذا يعتبر المجتمع أم ممارسة المرأة للجنس أمر يستحق العقاب في الوقت الذي يحق للرجل ممارسته دون لأن ينال ذات العقوبة التي تنالها المرأة،أو يقابل عمله بما يستحقه في ميزان العدالة والمساواة.
أن الأسباب الكامنة وراء الممارسات الجنسية الممنوعة،تعود بالأساس إلى الظلم الكبير الذي أحاق بالمرأة الشرقية،ونتيجة الأعراف والتقاليد التي توافقت عليها المجتمعات دون أن يكون لمثل هذه الأعراف محلها من القيم الإنسانية النبيلة،بل وجدت بسبب الهيمنة المقرفة للرجل وتحكمه بمصير المرأة،ونظرته الدونية لها،رغم أنها كائن حي تمر بذات الأدوار التي يمر بها الرجل،وتشعر بذات الأحاسيس التي يشعر بها،ولكنها لا تملك حق الاختيار في أهم مفصل من مفاصل حياتها وهو الزواج،فيكون للعائلة رأيها القاطع،لذلك تضطر أمام الإصرار المجحف لذويها على الموافقة للزواج من شخص يكبرها في السن،أو غير ملائم لها،ومقبول من جانبها،فتضطر لركوب المركب الوعر،أو الرضوخ للأمر الواقع فتعيش في الم وتعاسة،وقد تجبر على الزواج من قريب أو صديق لأهلها،ولا تمتلك حق الرفض،رغم أن الزوج الموعود لا يتمتع بالمواصفات المطلوبة لشريك العمر،ولا تبادله العواطف والحب،وهذه الأمور هي وراء الخروج عن العرف السائد،واللجوء إلى الطرق الأخرى لإشباع رغبتها،أو تدفعها الحاجة المادية لسلوك هذا الطريق،وعلى المجتمع قبل أن يحاسبها عن هذه الجريمة،أن يجد الحلول لأسبابها بتشريع القوانين التي تنظم حياة المرأة بما يضمن إنسانيتها كمخلوق له الحق باتخاذ القرار الذي يناسبه،وإلغاء الوصاية القسرية التي فرضتها العادات والتقاليد التي لا تستند للمعايير الإنسانية للتعامل بين الجنسين.
لذلك فالمرأة ضحية التقاليد الموروثة التي أقرتها المجتمعات المتخلفة،واتخذتها قانونا،رغم أنها لا تستند لأي معيار ديني أو أنساني،ولا تتناسب والحضارة التي وصلت إليها المجتمعات الأخرى،فالدين يلزم موافقة الطرفين المتعاقدين بالإيجاب والقبول،ولا يعطي الرجل الصلاحية المطلقة للتصرف بحياة المرأة،رغم أن رجال الدين لمصالحهم الذاتية،حاولوا لي الشرائع لتلاءم ما عليه المجتمعات من تقاليد بالية،فشرعوا الكثير من الأمور التي لا تنسجم وطبيعة الحياة الإنسانية،وأعطوا صلاحيات للرجال في بسط النفوذ والسيطرة على المرأة بما يجعلها أقل من مستوى البشر وتعامل كأي متاع آخر في البيت وهذه الأمور ساعدت على تعميق الظلم الموجه لها ،لأن الزواج بدون قبول الطرفين يعتبر خروجا على الدين،ولا تكتمل حجته الشرعية،ويكون بالغصب والإكراه وهو ما يتعارض وتعاليم السماء،وهذه الأمور تعطي للفتاة العذر في سلوك الطرق الأخرى،خصوصا أذا كان الأمر قبولا من الطرفين،لأن العقد هو التراضي دون أن يكون هناك داع للتوثيق أذا توفرت النية السليمة،وهو ما أجازه الفقهاء بما يسمى بالزواج العرفي،لذلك تحتاج المجتمعات إلى قوانين صارمة يحدد فيها الزواج والطلاق وفق المعايير الإنسانية التي زكتها الحياة،وتشديد العقوبات على مرتكبي جرائم القتل تحت هذه الذرائع الواهية،،لأن المقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة،يضاف لذلك أن الكثير من هذه الجرائم لا يستند لأدلة ثابتة في طهارة الفتاة،والكثير من هذه الجرائم تثبت التحقيقات فيها براءة المرأة مما نسب إليها.
ولو تصفحنا التاريخ العربي الإسلامي،لوجدنا أن العرب يتساهلون بمثل هذه الأمور،وعرف أشرافهم بأنهم ولدوا سفاحا أو مارست أمهاتهم الجنس مع آخرين،أو عرفن بين البغايا المشهورات،مما يدل على أن القتل لغسل العار من المستحدث في المجتمعات العربية،فقد ذكر المؤرخين،أن حمامة أم أبي سفيان أبن حرب سيد العرب في وقته،كانت من ذوات الرايات في الجاهلية،وأنجبت للعروبة أبناء وأحفاد تولوا قيادة الدولة العربية الإسلامية لقرون،وأن هند بنت عتبة اشتهرت بممارسة الجنس،وهي زوج أبي سفيان زعيم مكة،وأم معاوية أمير المؤمنين،واقعها أربعة غير أبي سفيان،ومرجانة عاهرة العروبة واقعها العديد من الرجال بينهم زياد أبن أبيه فولدت عبيد الله ،الذي أصبح من ولاة الأمر في الدولة الأموية،وسمية أم زياد ذاتها من ذوات الرايات والمشهورات بين البغايا واقعها أبي سفيان وهي زوج لعبيد أبن أبي سرح فولدت زيادا ونسب إليه في خلافة معاوية،وأم يزيد أبن معاوية ميسون الكلبية ذكر المؤرخون أنها على علاقة بعبد لأبيها،فيما كانت الزرقاء من بغايا الجاهلية المشهورات تزوجها العاص أبن أمية فولدت له الحكم والد أمير المؤمنين مروان، وكانت أمنة بنت علقمة أم مروان بن الحكم تمارس الجنس مع أبي سفيان أبن الحارث،وأنجبت لنا النابغة سلمى بنت حرملة القائد العربي فاتح مصر عمرو أبن العاص، وكانت من المعروفات بممارسة البغاء العلني، ومن ذوات الرايات، قيل أن أبي لهب وأمية بن خلف وهشام أبن المغيرة وأبو سفيان والعاص بن وائل السهمي مارسا معها الجنس فولدت عمرو الذي نسب للعاص لأنه كثير الأنفاق،ولو تصفحنا التاريخ العربي لوجدنا الكثير من الأمثلة، وهذا يعني أن العرب الأوائل لا يعيرون لهذا الأمر أهمية،والدليل أن بعض أشرافهم يغضون الطرف عن تجاوزات نسائهم،وولدوا لأمهات يمارسنه علانية،مما يدل على أن هذا العرف نشأ في العصور المظلمة.ولم يكن من الثوابت العربية التي تعارفت عليها المجتمعات لقرون.