الرئيسية » مقالات » إلى متى تستمر حكومة المالكي برجل واحدة وعكازات؟

إلى متى تستمر حكومة المالكي برجل واحدة وعكازات؟

منذ أشهر عديد وحكومة السيد نوري المالكي تستمر في قيادة البلاد ، وقد بتر احد أطرافها العليا والسفلى ، بعد استقالة 17 وزيرا منها ، وفي كل يوم يطلع علينا السيد رئيس الوزراء ، أو الناطق الرسمي باسمه بقرب إملاء الشواغر في الوزارة تارة ، و بتشكيل وزارة جديدة تارة أخرى ، وتمضي الأيام والأسابيع والأشهر دون أن نشهد الوزارة المعهودة ، ومشاريع القوانين ، وفي مقدمتها ما يخص المصالحة الوطنية أمام البرلمان المعطل حيث ثلث أعضاء البرلمان يحجون في مكة كل عام على حساب الشعب ومصالحة وأمنه وحرياته المنتهكة ، والثلث الثاني يسرح ويمرح في بلدان أوربا وبعض البلدان العربية للترفيه عن أنفسهم بعد عناء العيش في سجن الواحة الخضراء!!.
وباتت حكومة المالكي تسير على طرفها الثاني مستعينة بالعكازات التي استمدتها من برلمان هو والشعب العراقي على طرفي نقيض ، وأحزاب قد سيّست الدين ، واستخدمته لتحقيق أغراض سياسية تتمثل حصراً بالصراع من أجل السلطة والثروة ، مدعومة من قبل مليشياتها المسلحة التي باتت تتحكم بمصير الشعب العراقي ، والويل لمن يقف أمامها ، فهي لا تتحدث مع المواطنين إلا بقوة السلاح كي تكم به أفواههم ، ومنعهم من التعبير عن رفضهم واستيائهم بما يجري في البلاد من جرائم وحشية بشعة من قتل وتهجير وتشريد وانتهاك لحرمة المنازل، وقمع الحريات العامة والشخصية حتى بات المواطن على يقين أن الحكومة ليست هي التي تحكم هذا البلد بل المليشيات المنفلتة من عقالها دون وازع من أخلاق أو ضمير وقانون.
ولم يعد نشاط هذه الميليشيات تقتصر على الصراع مع الشعب ، بل لقد تعدتها لتدخل في الصراع الذي احتدم بين الأحزاب التابعة لها ، وهذا ما شهده الشعب في الديوانية والبصرة والعمارة والنجف والحلة وغيرها من المدن الأخرى حيث الصراع المحتدم بين ميليشيات المجلس الإسلامي الأعلى التابع لعبد العزيز الحكيم وجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر والذي بلغ حد الصراع المسلح ، واغتيال العديد من المحافظين ومدراء الشرطة وضباط عسكريين كبار تابعين لهما .
إن ما تدعيه حكومة المالكي حول التحسن الأمني المحدود في البلاد أمر لا يمكن الركون إليه، فهو في واقع الأمر تحسن هش حصل جراء زيادة القوات الأمريكية من جهة ، حيث استقدمت إدارة الرئيس بوش 30 الف جندي ليرتفع عدد الجنود الأمريكيين إلى 170 الف جندي، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لجوء الإدارة الأمريكية إلى تكوين ما يسمى بقوات الصحوة من العشائر المرتبطة بالنظام الصدامي فيما سبق ، والتي كانت هي نفسها تمارس أعمال القتل والتفجيرات ، وزرع العبوات الناسفة وعمليات اختطاف المواطنين، والتي تم ربطها بقيادة القوات الأمريكية بصورة مباشرة ، وتستلم أجورها وسلاحها من قبل القوات الأمريكية .
إن هذه القوات المشكلة والتي أطلق عليها بقوات الصحوة تمثل سلاحاً ذو حدين، فهي مرهونة بتواجد القوات الأمريكية في البلاد ، والتي خلقتها لتعيد التوازن بين القوى الشيعية التي هيمنت على السلطة ، والقوى السنية التي تم دحرها في الحرب الأخيرة التي انتهت بسقوط نظام الدكتاتور صدام حسين ، بعد أن أحست الإدارة الأمريكية بخطر الميليشيات التابعة للأحزاب الشيعية المرتبطة بالعديد من الوشائج مع حكام طهران ، وعليه فإن التحسن الأمني المحدود يبقى هشاً ، ويبقى الوضع الأمني قابلاً للانفجار في أية لحظة حيث لا يمكن الركون إلى ولاء هذه القوت ، والتي يمكن أن تفجر الوضع الأمني متى شاءت .
إن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون إجراء مصالحة حقيقية بين مكونات الشعب العراقي ، مع استبعاد العناصر التي مارست دوراً في جرائم النظام السابق ، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي لا شائبة فيه. وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق على يد حكومة مبتورة الأطراف ، ولا بد من تشكيل حكومة تنكوقراط بعيدة عن المحاصصة الطائفية والعرقية، تتولى وضع قانون انتخابي جديد على أساس الدائرة الانتخابية، وسن قانون جديد للحياة الحزبية يتضمن قيام أحزاب ديمقراطية ، ومنع قيام أحزاب على أساس ديني أو عرقي أو طائفي ، وإجراء انتخابات برلمانية جديدة ، وحكومة تنبثق عن البرلمان بعيد عن المحاصصة ، وتتولى الحكومة الجديدة تشكيل لجنة دستورية من قبل كبار جال القانون الدستوري تتولى إعادة النظر في الدستور الذي وضع أسسه الحاكم الأمريكي بريمر في ظل الاحتلال، ولا شك أن ما وضع في ظل الاحتلال لا يمكن أن يمثل إرادة الشعب الحقيقية.
ينبغي أن يؤكد الدستور على التوجه الديمقراطي والتأكيد على الحريات العامة وحقوق الإنسان المشروعة ، وتصفيه كافة الميلشيات دون استثناء ، وحصر السلاح بالجيش والقوات الأمنية التي ينبغي أبعادها عن نفوذ الأحزاب الطائفية والعرقية وميليشياتها ليكون ولائها للوطن وحده ، وفي خدمة الشعب العراقي بسائر أطيافه ومكوناته على قدم المساواة ودون تمييز. إن استمرار وضع الحكومة على حاله ، وحتى القيام بترقيع الحكومة لا يمكن أن يضمن دوام الأمن والسلام في البلاد ، ويشكل تهديداً مستمراً لتدهور امني جديد ما دامت عوامل الانقسام والصراع مستمرة لتخفو تارة وتندلع نيرانه تارة أخرى ، ولا بعد من معالجة جذرية لأسباب الانقسام والصراع ، ولا سبيل لذلك غير طريق المصالحة الوطنية القائمة على أسس من العدالة ، فلا عفو عن المجرمين ، وتحميل الأبرياء وزر جرائم لم يرتكبوها ، وإن عملية اجتثاث الفكر البعثي الفاشي وليس اجتثاث البعثيين هو السبيل لقيام النظام الديمقراطي المنشود.
22/12/2007