الرئيسية » مقالات » عبير بحري على ضفاف القصيدة في مجموعة الشاعرة سارة الخثلان :وتَهِبُ البحر

عبير بحري على ضفاف القصيدة في مجموعة الشاعرة سارة الخثلان :وتَهِبُ البحر

للشاعرة السعوديّة سارة الخثلان أيضاً ثلاث مجموعات شعريّة سابقة، والمجموعة الرابعة هي موضوع دراستنا هذه. المجموعات الأربع كلها صدرت في العقد الأخير من الألفيّة المنصرمة. بدأتها الشاعرة (بحرائق في دائرة الصمت) طبعت في مدينة الدمّام عام 1993. ومجموعة (وليس أيّ إمرأة إمرأة) صدرت عن دار الكنوز ببيروت عام 1996. ثمّ مجموعة (مبجّلاً في حضور الوردة) عن دار سما للنشر والتوزيع في القاهرة عام 1997. وهي نفس الدار التي صدرت عنها المجموعة موضوع قراءتنا.
حين تبدأ الشاعرة تجربتها الأولى بالحرائق – وقد انتشرت في السنين الأخيرة قي نتاجات العديد من المبدعين العرب- فما أن يفتح القاريء مجموعة شعريّة أو قصصيّة أو يشرع بقراءة رواية جديدة حتى تنفتح أمام عينيه كوّة لحريق لم نسهم في إخماده أو تلطيفه كقرّاء أو صحفيين، بل حاولنا تغذيته ونفخ الرماد عن جذوته وتجديد اتقاده.
نقول حين تبدأ الشاعرة تجربتها الأولى بالحرائق، فأنها مشروعها الجديد في فاتحته بقصيدة هادئة محلّقة هي (في البدء هذا الحبّ) :
حبٌّ يحلّقُ بي فوق الأشجار
في عيون الطفل
في سهوب السهل
حين يناجيكم.. يناجي الإنسان الأجمل
وعلى أجنحة صقر
حبُّ الأفقِ وحبُّ العمق

هكذا تتحرّك سارة الخثلان بالحبّ الذي تصفه باللا محدود، الذي يسكن أحداقها. وتطالب بمباركة هذا الحبّ الممتدّ من أفق الشمس حتى أعماق الوردة. صورة جليّة للمسافة بين الأفق والعمق. حتى هذه اللحظة لم أضف شيئاً من عندي. كلّ ما وضعته وأشرت اليه هو من روح الشاعرة وقصيدتها، سوى أن أقول : إنّ البحث في عمق الوردة ينقل الشاعر والقاريء إلى رحلة شاعرية أخّاذة بين جمرة الشمس وقلب الوردة، لكن أن يحلّقَ الحبّ على جناحي حمامة ثمّ جناحي صقر، فتلك أمنية لا تتحقق ولا يغفرها القاريء حتى للقصيدة نفسها.
فلم نعتد حباً يجمع الذئب والشاة إلاّ في كتب الوعظ وأفلام الكارتون ووعود السياسيين.
حاولت أن أشمّ رائحة الحريق في قصائد الشاعرة الأخرى، لم أنجح سوى في أن أشعر بعبير بحري ورائحة ملح منعشة ونكهة طحالب بحريّة على ضفاف القصيدة، وليس في أعماقها. لابأس فلنلقَ المزيد من قصائدالشاعرة الخثلان، فثمّة إحدى وعشرون قصيدة أخرى، إضافة إلى قصيدة الحبّ الأولى تقع ضمن المجموعة. لنبحث عن البحر مجدداً، لنعثر على النورس وهو رمز البحر الذي يُعلن عن الحياة وصخبها. ففي قصيدة (بأجنحة النورس..إليك أمضي). رغم أنّ فعل يمضي هو فعل الذهاب والمغادرة، لكن نقرأ :
يا نورس الأحلام
عليك منّي السلام
بداية ساجعة غير مشجعة. مع ذلك نمضي مع الشاعرة في قصيدتها :
وبعد..
انّي وحيدة
فاحملني إلى شواطئه البعيدة
إصحبني، فقد نلقاه على ضفاف النهر
إذن فالقصيدة هي عبارة عن رسالة توجّهها الشاعرة الحالمة على جناح نورس. قد يعثر على ما تنشده من أمل بعيد، يحتاج لجناحي طائر لبلوغه. ثمّ تعود القصيدة إلى سجع متكرر تنتهي قافيته بدال مربوطة بضمير المذكّر الغائب، وعلى هذه الصورة :
قم بنا، نزرع على جبين الكون وردة
تضيء الدنيا له في يوم عيده
إنّي بشوق اليه ، وإني أريده
قم بنا.. إني ها هنا
في دنياي ساهمة وحيدة
لكن حين نجتاز ضفاف قصيدة (دمي الذي يرثيك)، ينفتح أمامنا عالم آخر، يختلف تماماً عن عالم القصيدة المسجوعة السابقة. لكنّ ما يجمع قصائد المجموعة كلّها هو صوت المرأة وعالمها الخاص، فالقصائد لا تكتبها إلاّ شاعرة تحفل بخيال أنثوي خصب.


هو أفقك في العالم
تضحك مرآتي كأنني
وضعت في حقيبتي
الأحلام والأنغام
في هذه المجموعة أيضاً، لسارة الخثلان قصائد ذات نبرة هادئة صافية، تُنبئ عن مشاعر ذاتيّة نجدها في دواخل امرأة شرقيّة. أمّا القصيدتان الأخيرتان في المجموعة فهما تحفلان بالصور الأخّاذة، بحيث لا يُمكن أن نضع إحداهما في الميزان مع قصائد أخرى من نفس المجموعة. فهما مثقلتان بالصور والمشاعر الثرّة. كأنّ كلّ واحدة منهما تمتلك مفاتيح صناديق دنيا، كلّ واحدة منهما تحفل بعالمها الخاص. في قصيدة ( إمرأة من خاصرة الكون)، يأتي البحر فاتحاً ذراعيه وكنوزه أمام الشاعرة المرأة. وهو الذي يسأل وليس المرأة. يبدو البحر في القصيدة هادئا وقويّاً، سخيّاً وكريماً، تماماً كما تأتي صورته في الوصايا العشر.
يقبل البحر ملتفاً بعباءته الزرقاء
ويسألني : ماذا تريدين يا امرأةً من أنهار
أجثو بين يديه
أخبره أنّ النار تطاردني
وتحاصرني لؤلؤتي المكنونة
وأنّ الماء الذي كان يغفو في حضني
يسرق من آفاقي
وأنّ الصمت المتعمّق في ذاتي
يتجسّد في لوني المشحون
يبتسم البحر ويلمسني بيديه الحانيتين
ويطفئ النار المتأججة في غاباتي

صورة أخرى لقصائد تستكشف كنوز الشجرة أو النبع أو الساقية أو البحر نفسه. تكشف الشاعرة عن كنوز المساءات الخالية الحانية في قصيدتها الأخيرة (عبثاً توقف سيله) :
في مساءاتها الخالية
يفتح الحنين خزائنه القديمة
فيتخلل عروقها عبقه الجميل وخطوة خطوة
يضيء فيها
وخطوة خطوة
يُزهر في مسامها
وعبثاً توقف سيله

آخر القول

إنّ الشاعرة سارة الخثلان تملك بحراً، تحاول رسم معالمه ونوارسه، ليس سخيّاً دائماً، بل في أحيان نادرة يكون كذلك، أمّا في أكثر الأحيان فهو فقير ضئيل، لا يفتح خزائنه، لكنه بحرها على أيّة حال.
وشعر سارة الخثلان أيضاً كالبحر. جزر طويل بعيد ومدّ نادر يأتي بين اللمام لماماً، فاتحاً ذراعيه للقصيدة.
لم أطّلع على مجاميع الشاعرة السابقة لمجموعة (ويَهِبُ البحر) كي ألمس مقدار تطوّرها خلال العشر سنوات الأخيرة، واكتمال ملامح معادلها الموضوعي، والجديد في تطوّر هذا المعادل وقوّة فكرته، لكنني كقارئ وبوجهة نظر شخصيّة، أتوقع أن تنتقل قصائد الشاعرة بطاقة أقوى وثقة أكبر إلى خلاصة العطاء، وإلى عالم أرحب وأعمق وأكثر تميّزاً. هذا هو الهاجس الشخصي. أتمنّى أن يبشّر القادم بالأثرى، وأن ينفض عنه الزَبد والشوائب وبعض الظلال التي تُثقل جموح القصيدة.