الرئيسية » مقالات » لا تحرقوا كركوك

لا تحرقوا كركوك

كان التنظير السائد هو ان لا يمكن حل المشكلة الكردية الا بعد اقامة النظام الديموقراطي في العراق.

ولكن التجربة اثبتت، وبعد خمس سنوات من انتهاء حقبة الديكتاتورية بان لا يمكن اقامة نظام ديموقراطي في العراق الا بعد حل القضية الكردية. ومفتاح الحل لهذه المشكلة هو التطبيع في كركوك.

واذا استطاعت القيادة الكوردستانية حتى هذه اللحظة من ضبط الشارع الكردي عن طريق الايحاء بجدوى الحلول السلمية، اعتمادا على القوى المتحالفه معها في بغداد، فان القيادة العراقية الحالية كانت طوال هذه المدة تواصل نفس السياسة المنهجية السابقة، منذ تأسيس الدولة العراقية الى اليوم، في التسويف والمماطلة واعطاء الوعود من اجل كسب المزيد من الوقت، مع العلم ان الحل لا يعني ان تكون كركوك كردستانية، وانما ان يعطى الحق لاهلها للاختيار بالنعم او اللا.

القيادة العراقية بتجاهلها مطالب الشعب فانها تهدر هذه الفرصة التاريخية من جانبها، وتدفع الشارع الكردستاني الى التفكير في جدوى الانتظار والى التشكيك بالعملية السياسية برمتها، وخطورة هذا السلوك في اللعب باعصاب الشعوب قد لا تقدرها حكومة المنطقة الخضراء جيدا وهي تدفع بوعي او بدونه الى بلورة افكار وصيغ اخرى قد لا تستطيع هي، ولا حتى حكومة كوردستان الحالية من السيطرة عليها، اذا ما انفلتت الامور من عقالها.

وبنظرة مبسطة الى الوراء، الى الماضي القريب، يتبين بان اعتى الحكومات الديكتاتورية، والتي تخصص جل ميزانيتها العسكرية لضرب الحركة التحررية الكردية لم تستطع ايقاف النشاط العسكري لشعب يتوارث الثورة بالغريزة. ولم تهنأ اي من الدول الاربعة بخيرات هذا البلد فهي تنفق على جيوشها اكثر مما تكسبه من ثروات ارض كردستان.

بلغت نفقات تركيا 5 ملايين دولار في الساعة في حملتها الجوية التي دامت لاربع ساعات (16-12-2007) ولن تكفي كل ميزانية تركيا للقضاء كليا على بضعة الاف من بيشمركة العمال الكردستاني، فهل تتحمل الحكومة العراقية اهدار ثروات العراق في حرب جديدة اذا ما تسللت البنادق الى الجبال ثانية بسبب اهمال وزراء او مجموعة من النواب بالمراسلة المقيمين في الاردن؟

من زيارة الوزيرة رايس الى المدينة (18-12-2007) يتبين ان ما يهم الامريكان هو النفط وليس التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية، ولكن ما يهم العراقيين هو العكس، هو التالف الاجتماعي والعيش المشترك اكثر من النفط الذي لم يكن يوما من الايام سوى سلعة بيد الحكومات ونقمة على الشعوب المغلوب على امرها. وهنا تتضارب المصالح. الازمات التي تعصف بالعراقيين توفر للامريكان سيطرة اكبر واكثر سلاسة لشفط النفط عبر انابيب جيهان. في المقابل فان التطبيع والتوصل الى حلول مرضية لجميع الاطراف يوفر للشعب العراقي حياة افضل.

لماذا اذا هذه المماطلة العقيمة، ولمصلحة من تاجيل الحل في كركوك، والتصعيد، والتلويح باجواء الاحتراب، والثورة والقمع المقابل؟ لمصلحة المواطن العراقي، العربي او الكردي او الاشوري او التركماني الباحث عن السلام والحياة الكريمة؟ ام للقوى التي لا يهمها ان تحرق المدن الامنة من اجل الثروات التي تحتها؟

سؤال من الجدير ان ينصت له الساسة الذين شهد لهم العالم بان المواطن هو الذي انتخبهم، ويفكروا، لمصلحة من تأجيل الحل في كركوك، خصوصا وان امريكا راحلة، والنفط زائل، ولا تبقى سوى كركوك، والمواطن الذي انتخبكم، فيها، وفاءا لهم لا تحرقوها.