الرئيسية » مقالات » وتبقى بغداد زاهية بأفراحها

وتبقى بغداد زاهية بأفراحها

رغم مسلسل العنف والقتل والتهجير ألقسري وعدم سيادة القانون والأعمال الإرهابية للجماعات المسلحة،لا تنسى بغداد نفسها،ولا تتنكر لماضيها الحافل بالكثير الكثير،فقد تناست آلامها،ولعقت جراحها،وأقامت مهرجان هو الأول من نوعه منذ عشر سنوات،لانتخاب ملكة جمال بغداد،في نادي الصيد العراقية بمنافسة بين عشرة متسابقات تتراوح أعمارهن بين 15 -25 عاما وفازت المتسابقة زينب صالح الطالبة في كلية طب الأسنان،ورغم العنف والإرهاب والخوف من المفاجآت فقد حضر الجمهور العراقي ليشارك بكرنفال الفرح والبهجة،ويرسل رسالة للقوى الإرهابية بأن بغداد لا تزال على عهدها،بلد الرشيد والأنس والطرب والبهجة والسرور،وأنها تختلق الفرح لتواجه الإرهاب بسلاح دونه الأسلحة الأخرى مضاء وقوة،هو سلاح الفرح الواعد بأيام قادمة زاهية زاخرة بالأحلام والأفراح والمسرات،وليثبت العراقيين للعالم أجمع أن الإرهاب الوافد لا يستطيع سلب الابتسامة من الشفاه،أو إطفاء الفرح في القلوب الظامئة إلى الغد الجميل البسام،وأن الحالمين بإقامة عراق خال من الروح المدنية هو وهم وسراب،فالشعب العراقي المتمسك بدينه وقيمه وأخلاقه النبيلة،لن يتناسى حقه في الحياة الحرة الكريمة،والتمتع بأطايبها وملذاتها،وله أن يعيش كما يعيش الآخرين،ينعم بالأفراح والمسرات،وأن لا تكون حياته وهم دائم،وأمل حالم بحياة في عوالم مجهولة ليس لها مكان في التفكير السليم.
ولنا أن نتساءل هل تستطيع القوى الظلامية الإرهابية أن تسلب من بغداد مجدها وسؤددها وتحيلها إلى بلد يعيش بين الأنقاض،وتجلله السحابات السود،وينعب في سماءه الغراب،ويطير في جنباته البوم،وتفترسه الكراهية والحقد الأعمى الذي يروج له دعاة السوء،وهل تبقى المتاريس في شوارعها،والعصابات في أزقتها تمرح دون حسيب أو رقيب،أم أنها تعود لسالف مجدها وعزها ينعم أهلها بالعيش فوق الأرض بعد أن عاشوا في الأنفاق والسراديب المظلمة،ويعود لها رونقها القديم وبهائها ولياليها الحافلة بالمسرات والأفراح،ويعود شارع الرشيد يرفل بأفانين التراث البغدادي الأصيل،وظباء السعدون يرفلن بملابسهن الزاهية الملونة،تداعب شعرهن نسائم دجلة الندية عندما يسرن أسرابا في شارع أبي نؤاس،وهو قائم على منصته يستعرض الظباء الغر ،ونرى علي أبن الجهم رافعا عقيرته منشدا:
عيون ألمها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وتعود شوارع بغداد منيرة بلئلائها ،رائعة بأهاليها ومقاهيها الصاخبة،ونواديها الرائعة،وطاحونتها الحمراء تطحن الألأم لتعيد البسمات إلى الشفاه،بما تقدم من ليالي ملاح،وتبقى شهرزاد تتكلم بكلامها المباح دون أن يدركها الصباح، ونرى المسارح تستقبل أصحابها،والنوادي روادها والمقاهي جلاسها،والمتنزهات تزهو بالعوائل الكريم الباحثة عن ساعات من اللهو البريء،نعم أنها قادرة أن تعود كما كانت بعد أن تغادرها الغربان السود التي ملأت حياتها بكاء ونحيبا على أطلال ما عاد لها وجود في ذاكرة العراقيين،ولابد أن تعود بغداد كما كانت تحتضن أبنائها،بفيض حنانها الأسطوري،لينعموا بحياة حرة كريمة بعيدا عن السموم التي يروج لها الأدعياء من الوافدين من جزائر واق ألواق،الذين أحالوا ليلها البهيج إلى قتام أسود،بما زرعوا من فكر لم تزكيه الحياة.