الرئيسية » مقالات » هل تعلمنا الدرس .. من شيخ المناضلين د. حيدر عبد الشافي؟؟؟

هل تعلمنا الدرس .. من شيخ المناضلين د. حيدر عبد الشافي؟؟؟

رحل شيخ المناضلين ، والزعيم الوطني الكبير د. حيدر عبد الشافي ، هذا الفارس الذي ترجل وبقى شامخا، شكل نموذجا فريدا في الحركة الوطنية الفلسطينية ، مزج بين النظرية ، والممارسة ، فلم يصطنع النضال ، ولم يستخدمه وسيلة للكسب ، منسجما مع قناعاته، إنسانيا في تعامله مع الآخرين.

لم يكن ثرثارا كما يحلو للبعض ، ولم يعشق المظاهر، ومنذ طفولته رضع أسس المعارف السياسية الواقعية،
وتبلورت شخصيته في خضم الصراع ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني، ربط بين جدلية النضال الوطني والنضال الاجتماعي ، آمن بشعبه، وبقدرته على التصدي للمحتلين إذا ما توحد، ورص صفوفه، وتحددت أهدافه بدقة،كما آمن بالتعددية السياسية ، وبحرية الإنسان في التعبير والرأي، وبحقوق المرأة، والصحافة ، دون إرهاب أو تسلط، وباستقلالية القضاء، ومأسسة بنى المجتمع وسيادة القانون، والنزوع للنظام كمفهوم سياسي واجتماعي وديمقراطي في حياة الفلسطينيين ، وانتقد بشدة الفساد السياسي والادارى والمالي ، والهيمنة على صناعة القرار السياسي ، وتحويل الأجهزة الأمنية لإقطاعيات ونفوذ ، وبضرورة ابتعادها عن الفئوية والحزبية ، وبتوفير كل الإمكانات لها لتدافع عن الوطن والمواطن ، ورفض فرض الخاوات على شعبنا ، وطالب بتوزيع الثروة على الجميع ، وبتحمل أعباء الانتفاضة بالتساوي بين أبناء الشعب الواحد، كما انتقد الاعتقالات السياسية ، ورفض أساليب التخوين والتكفير ، والتسلط على الشعب .

لم يتناقض مع نفسه، وهى إحدى السمات الأساسية في حياته، يؤكد على قناعاته في كل المناسبات ، لا يخفيها
مهما تعارضت مع الآخرين، فكان معلما سياسيا قبل أن يكون طبيبا ، وبهذه الخصال والصفات حاز ثقة شعبه في كل مراحل النضال المختلفة . حمل الهم الوطني والاجتماعي ، والديمقراطي بتداعياتهما المختلفة ، لم يتراخ، ولم يعرف الكلل إلى طريقه سبيلا ، شعلة لم تنطفئ أبدا حتى أثناء مرضه كان يسأل عن أحوال شعبه، والى أين وصلت أزمته ؟؟ حذر بشدة في الانتفاضة الثانية من نزوع بعض القوى على الساحة الفلسطينية للاستهتار بالعمل الجماهيري الشعبي الديمقراطي ، واستبداله بنموذج أحادى الجانب عبر عسكرة الانتفاضة ، مؤكدا في كل المناسبات على شرعية مقاومة الاحتلال ، والجمع بين كافة أساليب العمل الكفاحي بما في ذلك المفاوضات ، ولكن دون المساس بالثوابت الوطنية الفلسطينية.

لقد طالب مع شعبه الفلسطيني ، بإنهاء الاحتلال الاسرائيلى ، الاستيطاني عن كامل الاراضى الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967 ، وحماية شعبنا من جبروت الاحتلال ، وعدوانه المتواصل ، وبحماية دولية ، وعقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الأمم المتحدة ، بديلا عن التفرد الامريكى ، وبمشاركة سوريا ولبنان وفلسطين ، واعتماد قرارات الشرعية الدولية ، ومبادرة السلام العربية ، والعمل على تنفيذها وحل القضايا الجوهرية للقضية الفلسطينية ، بعيدا عن الحلول الجزئية والمؤقتة والتبادلية ، وليس على قاعدة خريطة الطريق التي تتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية أمنية وليست سياسية .


فهل تعلمنا الدرس من تجربته الغنية ؟؟ وهل استلهم المفاوض الفلسطيني من أفكاره ، وملاحظاته ، كيف يمكن الخروج من الكارثة التي تلم بشعبنا الفلسطيني ؟؟ وهل تحددت مرجعية سياسية لعملية التفاوض ؟؟ وما دور اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كونها القيادة السياسية الأولى للمنظمة في قيادة العملية السياسية ؟؟ وكيف يمكن أن يتمترس المفاوض الفلسطيني ويصر على وقف الاستيطان ؟؟؟ إن رؤيته الصائبة في مؤتمر مدريد التي أثبتت الحياة صدقها ، وقدرته على استشراف المستقبل ، قبل غيره ، وحذر من خطورة تأجيل البحث في قضايا الوضع النهائي ، وفى مقدمتها وقف عمليات الاستيطان ، مؤكدا أن الصراع الحقيقي مع الحركة الصهيونية ، كان وما زال على الأرض الفلسطينية ، ومحاولاتها المحمومة وبكل السبل والحيل لنهبها، والسطو عليها ، لمنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة ، وفرض سياسة الأمر الواقع .

إن استمرار العدوان الاسرائيلى على شعبنا الفلسطيني ، وسلبهم للأرض ، وتوسيع الاستيطان رغم عدم شرعيتها ، وإعلان حكومة اولمرت أخيرا عن بناء 307 وحدة سكنية مباشرة بعد انتهاء اجتماع أنا بوليس يؤكد عدم جديتها في عملية التفاوض ، ويؤكد ان اجتماع أنا بوليس لم يكن ليتناقض في جوهره مع أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة ، ومضمون الوعد والضمانات التي قطعها بوش إلى شارون عام 2004 ، لا عودة لحدود عام 1967 ، ولا تفكيك للمستوطنات الكبيرة ، ولا عودة للاجئين لديارهم طبقا للقرار 194 .

إن الإعلان عن بناء وحدات سكنية جديدة يعكس تحديا للمجتمع الدولي ، وللوفود المشاركة في اجتماع أنا بوليس ، وللدول العربية التي حضرته ، ويكشف زيف تصريحات المسؤلين الاسرائيلين ، وادعاءاتهم المضللة برغبتهم بالسلام ، ويعكس في نفس الوقت عدم جدية ومصداقية الإدارة الأمريكية ، ووعد الرئيس بوش بالمساعدة على قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ، ومتصلة بين الضفة الغربية وغزة ، دون ممارسة الضغط على حليفتها إسرائيل . وستبقى هذه الوعود وهمية ، ولن يصدقها المواطن الفلسطيني ما لم يلمس إجراءات حقيقية على الأرض في مقدمتها وقف الاستيطان ، وبناء الجدار العنصري ، وتهويد القدس ، وإزالة الحواجز ، والإفراج عن كافة المعتقلين ، وفتح المعابر ، وفك الحصار عن قطاع غزة ، والتراجع عن اعتبار غزة كيانا معاديا .

وإذا كانت هذه هي الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية ، في التعامل مع القضية الفلسطينية لب الصراع في المنطقة ، فما هي استراتيجينا الوطنية الكفاحية ، والتفاوضية لمواجهة كافة الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة التي تواجه شعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية ؟؟؟ وكيف يتم تنشيط البعدين العربي والدولي لصالح قضيتنا التحررية ، وكسب تأييد الرأي العام العالمي للضغط على الإدارة الأمريكية وإسرائيل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ، ووقف العدوان المتواصل على شعبنا ، والمساعدة في إنهاء الاحتلال الاسرائيلى وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة ، وعاصمتها القدس ، وعودة اللاجئين لديارهم طبقا للقرار الاممى 194.

صحيح إن الانقسام الذي تشهده الساحة الفلسطينية ، نتاج الانقلاب العسكري على الشرعية الفلسطينية ، وفصل غزة سياسيا وجغرافيا وشعبيا عن الضفة الغربية والقدس ، وعزلها عن محيطها العربي ، وحصارها وإغلاق المعابر ، وتحويل غزة لسجن كبير ، وتدهور الوضع الاقتصادي والارتفاع الجنوني للأسعار ، وفقدان الأمن والأمان والعمل ، وزيادة التعدي على حقوق الإنسان وحرياته ، وتكميم الأفواه ، وملاحقة الصحافيين، وغياب للقضاء والقانون ، والاعتداء الفاضح على السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية ، واستيلائها على المقرات المدنية والأمنية ، ومقر اتحاد نقابات عمال فلسطين ، ومقر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ، وإغلاق العديد من مؤسسات المجتمع المدني ، ومداهمة الجامعات ، والإقصاء الوظيفي ، وملاحقة المناضلين ، وقيادات العمل الوطني ، كما جرى مع عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني وليد العوض ، ومداهمة منزله وترويع أطفاله ، واعتقال الكاتب والصحفي / عمر الغول ، وملاحقة المناضل / إبراهيم أبو النجا عضو قيادة حركة فتح ، ورئيس لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية ، كل هذه الممارسات وغيرها الكثير ، تعمق حالة الانقسام ، وتخلق حالة من عدم الاطمنان للمستقبل ، وتجلب المزيد من الكوارث الإنسانية والمجتمعية والثقافية ، وتعزز الجريمة والعنف في الشارع الفلسطيني ، وفى نفس الوقت فإنها تشكل إغراءات للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للاستفادة من حالة الانقسام في الشارع الفلسطيني ،لإضعاف المفاوض الفلسطيني ، وإجباره على التنازل عن ثوابته الفلسطينية .

إن المدخل الحقيقي لإعادة اللحمة الفلسطينية ، وإنهاء حالة الانقسام ، ومواجهة إسرائيل العدو الحقيقي لشعبنا ، وعدوانها المتواصل ، والخروج من المأزق الكارثى ، يتطلب من حماس أن تتحمل مسؤوليتها ، وتعلن استعدادها للتراجع عن انقلابها كخطوة أولى والعودة لخندق الشراكة الوطنية ، وتسليم مقرات السلطة المدنية والأمنية ، تمهيدا لحوار وطني شامل ، على قاعدة وثيقة الوفاق الوطني ، وإعلان القاهرة ، وتعزيز الشراكة السياسية الحقيقية ، وتشكيل حكومة انتقالية مؤقتة على أساس توافقي من جميع الأطراف الراغبة في المشاركة ، تقوم بإدارة شؤون المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، والتصدي لمهماتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ، والعودة للشعب صاحب السيادة الأولى ، بالتحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية على قاعدة التمثيل النسبي الكامل ، وهذا يتطلب أولا التحلي بروح المسؤولية العالية ، وتوفير الأجواء الملائمة لإنجاح كافة المساعي لاستعادة الوحدة الوطنية ، وفى مقدمتها الإفراج الفوري عن كل المعتقلين السياسيين ، ووقف التعديات على الحريات العامة ، وحملات الاعتقال والملاحقة ، ومعها تتوقف الحملات الإعلامية ، تمهيدا لإجراء مصالحة وطنية حقيقية .