الرئيسية » مقالات » جيش للتسلية ؟!!.

جيش للتسلية ؟!!.

تقول النكتة” أن رجلا وإمرأته كانا في طريقهما الى المدينة عندما هاجمهما أربعة من الشبان المنحرفين، فإنتزعوا زوجة الرجل ليغتصبوها، وأوقف أحدهم زوج المرأة ورسم دائرة صغيرة حوله وهدده قائلا: إذا تجاوزت هذه الدائرة سـأخنقك !!.. ثم تناوب المجرمون الأربعة على إغتصاب الزوجة أمامه. وبعد أن عاد الرجل بزوجته الى مدينته عابه سكان الحي ولاموه لعدم محاولته تخليصها من يد هؤلاء السفلة والدفاع عنها صونا لعرضه وشرفه. فأجابهم: كيف لم أحاول، أقسم لكم أنهم عندما كانوا منشغلين بفعلتهم كنت أخرج قدمي من الدائرة دون أن يلحظوا ذلك ؟!!.

كل هذا التهديد والوعيد الذي أطلقته تركيا بإجتياح أراضي كردستان العراق،وكل العنتريات التي رافقت تصريحات مسؤوليها بالويل والثبور لسلطات الإقليم، لم تتجاوز بضعة هجمات جوية على مقرات مفترضة أو موهومة لحزب العمال الكردستاني في جبل قنديل، وهي هجمات طاولت كواقع حال ، السكان المدنيين ومواشيهم وبيوتهم الطينية المتداعية أصلا ؟!!.

إجتياح أراضي العراق والقضاء على الكيان الكردي في إقليم كردستان وثم إلحاق ولاية الموصل بالدولة التركية، تحولت الى هجمة جبانة بالطائرات الحربية أو هجمات بالمدفعية الثقيلة على سكان القرى من المدنيين العزل، وأعتبرها بمجملها هجمات جبناء عاجزين عن النزول الى الميدان. فالفروسية والشجاعة والقوة تتبدى في ساحات المواجهة وجها لوجه، سيفا بسيف، وبندقية مقابل بندقية وليس إمطار بعض المواقع الجبلية بصواريخ بعيدة المدى ، أو بتحليق الطائرات على علو آلاف الأقدام لقصف مواقع قد لا تظهر حتى في شاشات الطائرة ؟!.

عنتريات الذئب الأغبر التركي تحولت الى تشريد المئات من الفلاحين العزل وأطفالهم من القرى الجبلية وقتل مواشيهم وهدم مساجدهم ومدارسهم، وهذه الهجمات لا تليق إلا بالجيش التركي الذي لم نره طيلة العقود الثمانية الماضية يخوض حربا دفاعية شريفة ، ماعدا إنشغاله بالإنقلابات أو مقاتلة أبناء الشعب الكردي ، فهذا الجيش يستأسد فقط على أبناء شعبه الذين لا يملكون السلاح إلا أضعفه ولكنهم يقاتلون بإرادة قوية وبعزم على تحقيق الحقوق القومية المشروعة.

إن المؤسسة العسكرية كانت وما زالت تحتل في تركيبة الدولة التركية موقعا كبيرا ومتميزا بسبب العقلية الشوفينية التي سادت وتسود النخب الحاكمة في هذا البلد، ففي السنوات السابقة لظهور الحركة التحررية الكردية نصبت تلك المؤسسة نفسها رقيبا وحاميا للدولة العلمانية التي شيدها أتاتورك ، وبعد أن إستقرت أوضاع الدولة من تلك الناحية، أصبح نشوء الحركة التحررية الكردية بقيادة حزب العمال الكردستاني هو الفزاعة التي خادعت بها المؤسسة العسكرية الحكومات التركية طيلة العقود الثلاثة الماضية لتحتفظ لنفسها بذات الحظوة والمكانة في تركيبة الحكم بتركيا ، إذن فإن الفضل في إستمرار إمتيازات المؤسسة العسكرية التركية يعود الى نضال هذا الحزب الممتد عبر ثلاثين سنة. فلولا هذا الصراع القومي المشروع رغم دمويته وطحنه لرؤوس الآلاف من شباب البلد لما إستطاعت تلك المؤسسة أن تحتفظ بمكانتها ، ولكان الجيش التركي قد تحول الى جيش مجرد للتسلية مثل معظم جيوش المنطقة التي تستأسد على شعوبها ولكنها عاجزة حد الشلل في مواجهة العدو التاريخي لـ( الأمة العربية ) وهو إسرائيل؟!!.

ومن الطبيعي لجيش دولة هي جزء لا يتجزأ من منظومة سياسية تسود المنطقة، أن تركز جل إهتماماته للإبقاء على فزاعة العمال الكردستاني وإيهام الحكومات التركية بقدرتها على القضاء على هذا الحزب بعمليات عسكرية والمشكلة أن هذا الوهم ينطلي على الحكومات التركية بإستمرار، ولكن في المحصلة وبحسابات البيدر وجدنا أن قادة جاؤا وتناوبوا على رأس هذا الجيش، ولكنهم ذهبوا دون أن يتمكنوا من تحقيق النصر المزعوم ، فبقيت المشكلة على حالها، وإنطلت الكذبة وراء كذبة على جميع الحكومات التركية بقومييها وليبرالييها وإسلامييها تتداعى الواحدة تلو أخرى تحت أقدام حزب العمال الكردستاني الراسخة في الأرض الكردستانية ..

لا أدري متى تستفيق الحكومات التركية من غفلتها الأبدية لتنهي هذه المهزلة المتكررة وتضع حدا لمخادعات المؤسسة العسكرية،وتدرك أن الذي يقتل أو يجرح في هذا الصراع اللعين هو في النهاية مواطن إبن هذا البلد سواء كان من الجيش أو من مقاتلي الحزب، فلا فخر ولا زهو ولا كرامة في إراقة دماء أبناء البلد الواحد.
ولا أدري متى تتيقن الحكومات التركية المتعاقبة بعقم ولا جدوى خطاب المؤسسة العسكرية ودعاياتها الفارغة بالقضاء على العمال الكردستاني خصوصا وأن ثلاثين سنة هي عمر هذا الصراع الدامي أثبتت وقائعه أنه لا جدوى من الحلول العسكرية لأن المتضرر من تلك الحلول هو دائما وأبدا أبناء البلد.. وأعتقد أن على السيد أرودغان الذي إنتخبه الشعب التركي لمرتين أن يتجرأ ولو لمرة واحدة بمخاطبة مؤسسته العسكرية ويقول لها” كفى.. لقد زهقنا منكم، دعونا نجرب حلولا أكثر نجاعة ونجابة لهذه المشكلة بدل المهدئات والمسكنات التي لا تنفع لمعالجة هذا الصداع المزمن؟!.

وعلى السيد أردوغان أن يشخص بنظره الى الإقليم الواقع تحت خاصرته، ليتأكد بنفسه أن الحلول العسكرية سبقه بها نظام صدام المقبور ومعه كل الحكومات العراقية المتداعية الواحدة تلو الأخرى، ولكن ماذا كانت النتيجة؟.
النتيجة بدت واضحة لكل ذي عين وبصيرة، فقدان شرعية النظام، ثم تتالي الحروب الخارجية عليه من دون إستعداد الشعب للدفاع ، ثم إختفاء الرئيس في جحر الفئران، ثم المحاكمة، ثم تدلي الرؤوس على المشنقة ، وذلك مقابل نهوض ديمقراطي في الإقليم المتحرر، والشروع ببناء أسس المجتمع المدني وإن وسط حلقة من النار،ووصول القضية الكردية الى المحافل الدولية ومحل الإهتمام العالمي.
إذن إرادة الشعوب لا تقهر بصواريخ الطائرات أوالمدافع البعيدة المدى حتى لو كانت محملة برؤوس كيمياوية.
فإذا الشعب يوما أراد الحياة لا بد أن يستجيب القدر….