الرئيسية » مقالات » الديمقراطية ليست بلا ثمن… ولا تراجع عنها*

الديمقراطية ليست بلا ثمن… ولا تراجع عنها*

– مقدمة
بدءً، أتقدم بالشكر الجزيل للجنة التنفيذية لحركة تنسيق قوى التيار الديمقراطي العراقي في بريطانيا على تنظيمهم لهذه الندوة في لندن، ودعوتهم الكريمة لي لتقديم هذه المداخلة، لمتابعة القضية العراقية بعنوان (العملية السياسية .. المستجدات والآفاق).
لا شك أن القضية العراقية معقدة ومتشعبة ومثيرة للجدال والاختلاف. وكغيرنا من البشر، من حقنا نحن العراقيين، أن نختلف وأن نجادل في خلافاتنا واختلافاتنا. وهذه الاختلافات موجودة في جميع المجتمعات البشرية، المتقدمة منها والمتخلفة، ولكن الفرق الجوهري بينها هو في أسلوب التعامل مع الاختلاف وطريقة معالجته، ففي المجتمعات المتخلفة يحسمونه بالعنف كما يجري الآن في العراق، بينما يجري حسمها في البلدان المتقدمة بالوسائل السلمية الديمقراطية المتحضرة.
2- مشكلة التعددية والصراع بين مكونات الشعب
من نافلة القول أن الأزمة العراقية الحالية هي ليست وليدة الساعة التي انفجرت فيها بعد سقوط النظام البعثي يوم 9 نسيان 2003، بل كانت موجودة منذ عقود طويلة، وهي نتيجة تراكمات من القهر والاستلاب لقرون عديدة، فكانت كالبركان الخامد ينمو تحت السطح، بقي هادئاً بسبب القمع، ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر. وكما يقول الإنكليز (It was a disaster in the waiting to happen) وقد توفرت اللحظة المناسبة بعد سقوط نظام القمع بشكل مفاجئ ودون تهيئة الظروف لاحتواء مخاطر الانفجار.

لذلك، فإن ما حصل بعد سقوط حكم البعث لم يكن مفاجئة، بل المفاجئة كانت في ضخامة الانفجار وهوله. إذ أكد هذا الانفجار وبشكل صريح، أن الشعب العراقي لم يكن يوماً متصالحاً مع نفسه. وسبب انفجار الأزمة بهذا العنف هو ليس لأن الشعب العراقي يتكون من تعددية قومية ودينية ومذهبية، فهذه التعددية لا يخلو منها شعب، ولكن المشكلة تكمن في طريقة التعامل مع هذه التعددية. أي بسبب التمييز العرقي والديني وطائفي، ولأن أصحاب الحل والعقد، من سياسيين ومثقفين، كان يتجنبون الحديث عن وجود مثل هذا التمييز، ويرفضون حتى الاعتراف بوجوده وخاصة فيما يخص التمييز الطائفي، إذ جرى العرف على اعتبار الإسهام في إدانة التمييز الطائفي إسهاماً في العمل الطائفي. لذلك تركن هذه المشكلة لتنمو إلى نقطة الانفجار المدم. وعليه، نؤكد هنا على إن المشكلة لا يمكن حلها عن طريق نكران وجودها وبوس اللحى بين زعيم سني وآخر شيعي أمام الكاميرات التلفزيونية، بل علينا وبعد كل هذه الكوارث، أن نتجنب سياسة النعامة في طمس الحقيقة في الرمال، بأن نواجه هذه الآفة السياسية- الاجتماعية بصراحة وشجاعة، ونعمل على تشخيصها وإيجاد العلاج الناجع لها لمنع تكرارها، وبذلك يمكن حماية الأجيال القادمة من شرورها في المستقبل والتخلص منها إلى الأبد.

نعم المشكلة ليست جديدة، بل قديمة حيث بدأ الخلل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، عندما بنيت الدولة على أساس من التمييز العنصري والطائفي، وكان الشعب العراقي ممزقاً إلى مكونات متناحرة كإمتداد لما كان يجري في العهد العثماني. وقد انتبه المرحوم الملك فيصل الأول لهذا الخلل وله قول مأثور فيه أكده في رسالة له عن شعب العراق فقال: “وفي هذا الصدد أقول وقلبي ملآن أسى: إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للإنتقاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه وندربه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي… ” (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي، ج1، ص12).
ووزع الرجل هذه الرسالة على عدد محدود من القادة السياسيين آنذاك، ولكن الكارثة ولسوء حظ الشعب العراقي، أن الملك فيصل توفي مبكراً وبعد أشهر قليلة من كتابة تلك الرسالة، وقبل أن ينجز مشروعه في بناء دولة المواطنة وتكوين شعب. فما الذي تغيَّر في الشعب العراقي منذ ذلك الوقت وحتى الآن؟

3- حول التغيير الاجتماعي والردة الحضارية
لا شك أن هذا الشعب خطى خطوات جيدة في بناء وحدته الوطنية خلال العهد الملكي وعهد جمهورية 14 تموز، ولكن هذه الوحدة تم إجهاضها بعد انقلاب 8 شباط 1963، حيث تم حكم العراق بآيديولوجية التيار القومي العربي التي تقدس الاستبداد وعبادة الحاكم المستبد والتمييز بين مكونات الشعب، وخاصة بنسختها البعثية المتطرفة خلال 35 سنة من حكم البعث، حيث تعرض هذا الشعب إلى القهر والإذلال والحروب والحصار والتهجير والتجهيل المتعمد والتمييز الطائفي والقومي بأبشع أشكاله، وتفتيت نسيجه الاجتماعي، مما أدى إلى تفشي الجريمة والعادات الغريبة عن اخلاقية شعبنا، حيث حصلت قطيعة مع التطور الحضاري ونتج ما يسمى بردة حضارية وإعادة العراق القهقرى إلى مرحلة ما قبل نشوء الدولة والشعب. فالعراق الآن يعيش مرحلة الانحطاط الحضاري والذي يرافقه عادة انهيار فكري وأخلاقي واجتماعي.. الخ. فالوضع العراقي الآن هو أسوأ مما كان عليه في عهد الملك فيصل الأول قبل 74 عاماً.

يحصل التغيير الاجتماعي نتيجة الاختلاط والاحتكاك بين الشعوب، ونظراً لصعوبة السفر في الماضي، فكان التغيير الاجتماعي يجري ببطء بحيث لم تشعر به الشعوب فلم تحصل هزات عنيفة. ولكن منذ الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى حصل تطور سريع في العراق بسبب ما نقله الإنكليز إليه من معالم الحضارة الغربية. وكما يقول عالم الاجتماع العراقي الراحل على الوردي، أن التغيير السريع يكون من شأنه أو ينتج تأثيراً متفاوتاً لدى أفراد المجتمع، فيتأثر به البعض وبدرجات مختلفة، ويرفضه آخرون، مما يؤدي إلى انقسام المجتمع إلى شقين متصارعين، وهذا ما أسماه الوردي بـ (التناشز الاجتماعي).

لذلك أعتقد أن هذا تناشز الاجتماعي يحصل في حالة الردة الحضارية والتراجع والنكوص. إذ حصلت في العراق عهد حكم البعث، ردة حضارية حادة، وفي هذه الحالة أيضاً، لا يكون تأثير الردة متساوياً على أبناء الشعب العراقي بوجه عام فحسب، بل هناك فرق حتى بين أفراد العائلة الواحدة أيضاً، وخاصة بين جيل الآباء الذين عاصروا ثورة 14 تموز، وجيل الأبناء الذين نشؤوا وترعرعوا في ظل الدكتاتورية البعثية والذين يشكلون نحو 85% من الشعب. والمفارقة أن جيل الآباء يمثلون التيار التقدمي، بينما جيل الأبناء يمثلون جيل الردة الحضارية الذي وقع ضحية الخرافة. وأود هنا أن أوضح أن ما يجري في العراق هو ليس تصاعد الشعور الديني، بل هو تفشي الخرافة والدجل والشعوذة متلبساً بلبوس الدين. والإسلام السياسي بشقيه، السني والشيعي، استغل هذه الردة الحضارية ومشاعر الناس الدينية، وتفشي الجهل في المجتمع بشكل بشع لصالحه وعلى حساب المصلحة الوطنية والتقدم الاجتماعي.

4- لا ديمقراطية بلا ثمن
كما أود التأكيد في هذه المداخلة أني أحاول أن أقدم تفسيراً لما حصل في العراق بعد سقوط حكم البعث من كوارث، وليس تبريراً معاذ الله. وفي هذا السياق، فما زلت أعتقد، أنه ما كان بإمكان الشعب العراقي، ونتيجة لقسوة القمع البعثي، إسقاط حكم الاستبداد الصدامي الشرس، وإجراء التغيير والإصلاح السياسي بقواه الذاتية، لا بالوسائل السلمية ولا بالعنف. لذلك لم يكن هناك من بديل للتغيير سوى الاعتماد على القوى الخارجية. كما ولم يخطر ببال أحد أن هناك من بعثيين وحلفائهم الإرهابيين الإسلاميين سيحاربون الشعب العراقي بهذه الشراسة، ويعملون على تدمير بلادهم بهذه الضراوة من أجل عودة نظامهم. كذلك أعتقد أن ما جرى ويجري في العراق من إرهاب، هو الثمن الباهظ الذي كتب على الشعب دفعه للتخلص من حكم البعث الفاشي والجهل والتخلف، ولمواكبة التطور الحضاري وبناء النظام الديمقراطي والتعايش بين مكونات الشعب بروح التسامح وقبول حق الاختلاف.
إذ يبدو أن التاريخ قد أصدر حكمه القاطع على أنه لا يمكن لأي شعب أن يتخطى مرحلة التخلف والاستبداد دون المرور بمرحلة عاصفة من قتال وحروب أهلية دموية فضيعة، وإلى أن تستنفد الطاقات القتالية الكامنة في المجتمع، فيقتنع الجميع بأن من أجل أن يعيشوا بسلام وكشعب واحد، لا بد من الاعتراف بحقوق الآخرين من جميع مكونات الشعب، وتبني النظام الديمقراطي ودولة المواطنة في وطن ينبذ فيه جميع أشكال التمييز بين المواطنين.

نحن مبهورون الآن بالأنظمة الغربية الديمقراطية وما حققت شعوبهم من رقي حضاري وتقدم مذهل في العلوم والتكنولوجيا، والتمتع بالحرية والمستوى العالي في العيش الكريم. ولكن، يجب أن لا ننسى أن هذه الإنجازات لم تنزل عليهم من السماء على طبق من ذهب، ولم تتحقق لهم بين يوم وليلة، بل بعد حروب طاحنة، أهلية وخارجية، طائفية وقومية ولعدة قرون، إلى أن توصلوا إلى قناعة أنه أما الاستمرار بالحروب حتى الفناء، أو الاعتراف بحقوق الآخرين ليعيش الجميع بسلام. وهذا ما حصل.

فسويسرا على سبيل المثال، والتي يضرب بها المثل في تقدمها الاجتماعي ونظامها السياسي الديمقراطي الليبرالي وازدهارها الاقتصادي، عانت مكونات شعبها من حروب رهيبة لقرون عديدة، إلى أن توصلت إلى هذا النظام الحضاري الراقي. كذلك بقية البلدان الأوربية الأخرى لم تتوصل إلى هذه الديمقراطية والحضارة الراقية إلا بعد صراعات دموية فيما بينها. ففي النصف الأول من القرن العشرين فقط، شهدت أوربا حربين عالميتين عانت شعوبها الذل والهوان. وكذلك أمريكا مرت بحرب أهلية دامت سنوات عديدة، دفعت مئات الألوف من القتلى من أبناء شعبها إلى أن توصل قادتها إلى قناعة بالاتحاد الفيدرالي وتبني النظام الديمقراطي، وكتابة دستور يقر بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة والديمقراطية وينبذ التمييز بجميع أشكاله.

وإذا كان هذا هو حكم التاريخ، وهذا ما حصل في جميع الدول التي سبقتنا في التحولات السياسية والاجتماعية، فكيف يمكن أن يتحول العراق من نظام حكم البعث الصدامي الاستبدادي الدموي الهمجي إلى نظام ديمقراطي بين عشية وضحاها وبسلام آمنين؟ وهل كان عهد صدام حسين عهد سلام واستقرار؟ أبداً. فقائمة جرائم العهد البعثي بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة معروفة لا داعي لذكرها، ووجودنا هنا في المهجر هو بسبب تلك المظالم وغياب الأمن والاستقرار في العراق في عهد حكم البعث. فقبل سقوط حكم البعث بلغ عدد العراقيين في الشتات نحو أربعة ملايين والقتلى نحو مليونين، ولو بقي حكم البعث عشر سنوات أخرى لتضاعف هذا العدد. وحتى ما يجري الآن من قتل وإرهاب بحق الشعب هو من صنع فلول البعث الساقط وحلفائهم السلفيين التكفيريين.

5- هل كان بالإمكان تلافي الأخطاء؟
نحن نعرف الآن لماذا حصل الصراع الدموي بعد سقوط حكم البعث، ونعرف أنه وقعت آلاف الأخطاء، ولكن هل كان بالإمكان تلافي الأخطاء وأسباب الصراع الدموي خاصة في إزالة نظام قمعي دموي رهيب لم يحلم أحد بزواله؟
نظرياً ممكن، ولكن عملياً مسألة أخرى. إذ يجب أن لا نستهين بشراسة قمع النظام البعثس، وجسامة زلزال التغيير الذي حصل في العراق. إن معظم الأخطاء التي تقع في المنعطفات التاريخية العاصفة، هي نتيجة إصرار كل طرف من الأطراف المتنافسة على السلطة والثروة أن يكون له كل شيء ولمنافسيه لا شيء. فمشكلة الإنسان أنه لن يتخلى عن هذا الموقف المتطرف وتبني العقلانية والقبول بحلول الوسط في حل الخلافات إلا مرغماً وبعد أن تفشل جميع ما لديه من الوسائل الخاطئة والضارة، لذا فلا دور هنا للعقل في هذا الصراع، بل تجري الأمور في المجتمعات المتخلفة وفق المبادئ الداروينية في التطور البيولوجي، أي عن طريق الصراع على مصادر الرزق والاختيار الطبيعي والبقاء للأصلح الذي يمتلك القدرة على التكيف في الوضع الجديد. كذلك الأمر في التغيير السياسي والاجتماعي.

قد يعترض البعض أن التطور البايولوجي يتم بدون عقل وبدون تخطيط مسبق، وحتى بدون غاية، بينما البشر عندهم عقل ولهم غايات محددة مسبقاً. الجواب على هذا الاعتراض هو أن العقل، وكما قال الراحل علي الوردي، ليس للتمييز بين الحق والباطل، أو الصحيح من الخطأ، بل هو سلاح يستخدمه الإنسان للدفاع عن النفس وتحقيق أكبر قدر من مصالح لنفسه وإلحاق أكبر أذى بخصمه. ولا يتوصل الإنسان إلى الطرق الصحيحة إلا عن طريق التجربة والخطأ، ولا يقبل بالحق إلا بعد أن يفرض عليه. وهذا ما قاله الفيلسوف الإنكليزي هوبز: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان.
استشهدت مراراً بمقولة تشرتشل في وصف الأمريكان بأنهم لن يحاولوا الطرق الصحيحة في حل المشاكل إلا بعد أن يجربوا كل الطرق الخاطئة. في رأيي أن هذه المقولة تنطبق على كل البشر، والعراقيون ليسوا استثناءً. فمن السهولة أن نحل المشاكل على الورق، ولكن مواجهة المشاكل على أرض الواقع شيء آخر، إذ كما يقول الإنكليز: (after the events every body is clever).

والشخص الوحيد الذي كان بإمكانه تجنيب العراق من هول الكارثة هو صدام حسين. إذ كان بإمكانه أن يقوم بالإصلاحات السياسية والاجتماعية بالوسائل السلمية تدريجياً، ولكن من معرفتنا لشخصية صدام الدموية وتعلقه بالسلطة وتمسكه بالأيديولوجية البعثية الرجعية، كان هذا مستحيلاً. والخطأ الأكبر الذي ارتكبه الأمريكان والمعارضة العراقية أنهم أرادوا تطبيق الديمقراطية في العراق بشكل مفاجئ وسريع في بلد لم يمارس فيه الديمقراطية من قبل، و85% من أبنائه ولدوا ونشئوا في عهد صدام، عانوا ما عانوا من قمع وتجهيل واستلاب، فكيف لهذا الشعب أن يمارس الديمقراطية المفاجئة وبدون تحضير لها. إذ كما يقول فيلسوف بهذا الخصوص: (يجب معاملة الديمقراطية كالدواء، فالجرعة العالية قد تقتل المريض). كما ويقول المفكر التونسي الأستاذ العفيف الأخضر: (الديمقراطية كنواة الذرة، بتكسير النواة نستخلص الطاقة النووية. إذا استخلصناها بفظاظة تحولت إلى قنبلة، وإذا استخلصناها تدريجياً تحولت إلى مفاعلات نووية سلمية. وكذلك الديمقراطية). ومن هنا نعرف أن التجربة العراقية درس باهظ الثمن، يجب على قادة الشعوب المحكومة بالاستبداد الاستفادة منها وذلك بأن تبني الديمقراطية بالتدريج وحسب ما تتحمل الشعوب من جرعات، وليس بجرعة كبيرة وبدفعة واحدة حيث تؤدي إلى فوضى عارمة.
6- وأخيراً، ما هي الآفاق قي العراق؟
يقول البعض أنه لا يمكن استيراد الديمقراطية من الخارج وفرضها على الشعب بالقوة، وهذا كلام صحيح. ولكن لو تأملنا جيداً، أن ما حصل في العراق هو ليس استيراد الديمقراطية وفرضها على الناس بالقوة، ولا الشعب العراقي ضد الديمقراطية، بل كل ما قامت به القوى الخارجية هو مساعدة الشعب العراقي في إزالة العقبة الكأداء أمام الديمقراطية، أي إسقاط النظام البعثي المعادي للديمقراطية. وقد رحب معظم أبناء العراق بالديمقراطية حيث شارك في الانتخابات الأخيرة أكثر من 70% من الذين يحق لهم التصويت رغم غياب الأمن والتهديد بالقتل. ألا يدل ذلك على تأييد الشعب للديمقراطية؟ نعم هناك فئة قليلة تمردت على الديمقراطية واستقوت بالإرهاب المستورد واستحوذت على تكنولوجية الدمار بعد أن نهبت المعسكرات. لذا فمن الظلم اعتبار هذه الأقلية الخارجة على القانون، أنها تمثل الأغلبية، وأن الشعب العراقي لا يريد الديمقراطية او لا يستحقها بعد.
لذلك فأنا متفائل ومتفائل جداً بالمستقبل، فالعملية السياسية في العراق لا تقبل المساومة ولا يمكن التراجع عن نجاحها مطلقاً ولا بد للإرهاب أن يصاب بالاندحار ولا بد للديمقراطية في العراق أن تنتصر. وهذا التفاؤل ليس من باب (تفاءلوا بالخير تجدوه) بل مبني على فهمي لما يجري في العالم وفي ظل النظام الدولي الجديد، أو ما نسميه بالعولمة. إن العامل الذي يؤكد انتصار الديمقراطية في العراق هو ربط هذا النجاح باندحار الإرهاب. ودحر الإرهاب ضرورة تاريخية ومهمة تخص أمن العالم كله ويتعلق بمستقبل الحضارة البشرية. ففي عصر العولمة وتفشي الإرهاب الإسلامي العالمي، صار مصير العالم واحد ويعتمد على دحر الإرهاب، ولا يمكن ترك الإرهاب يسرح ويمرح في بلد إلا ونالت شروره بلدان أخرى. لذلك فأمن وسلامة الشعوب وخاصة الدول الغربية بقيادة أمريكا مرتبط بإلحاق الهزيمة بالإرهاب. ودحر الإرهاب في العراق معناه انتصار الديمقراطية، وعليه فانتصار الديمقراطية في العراق مسألة حتمية.
7- الخلاصة والاستنتاج
إن ما يحدث في العراق من أعمال عنف، حصل في أرقى البلدان الديمقراطية الغربية التي سبقتنا ولو بأشكال أخرى، فالبشرية مكتوب عليها كالقدر المحتوم أن لا تتخلص من تخلفها ومعاناتها وأنظمتها المستبدة وتصل إلى الرقي والأمن والديمقراطية والازدهار الاقتصادي إلا بعد أن تمر بمرحلة العنف. والإرهاب محكوم عليه بالهزيمة دولياً. وما يجري في العراق هو المخاض العسير والعملية القيصرية لولادة العراق الجديد، العراق الديمقراطي المزدهر. ولا بد لهذه العملية أن تنتصر، لأنه ليس هناك أي بديل آخر، فالرحلة هي ذات اتجاه واحد، نحو النصر المؤزر. ولست مبالغاً إذا قلت أن في زمن العولمة والإرهاب الإسلامي، صار مصير العالم كله متوقفاً على نجاح العلمية السياسية في العراق. ولذلك فالعملية السياسية في العراق محكوم عليها بالنجاح وفق منطق التاريخ. وشكراً.
ــــــــــــــــــــــــــ
* ألقيت في الندوة التي نظمتها حركة تنسيق قوى التيار الديمقراطي العراقي في بريطانيا، مساء السبت 15 كانون الأول/ديسمبر 2007 في لندن.