الرئيسية » مقالات » مرة أخرى عن العلم العراقي

مرة أخرى عن العلم العراقي

خلال سبعين سنة من عمر الدولة العراقية، بين 1921 و1991 جرت على تصميم العلم العراقي اربعة تغييرات في المضمون والشكل مع بقاء الباليت اللوني ثابتا عبر جميع التغييرات والذي تضمن الالوان الرئيسية الاربعة، الابيض والاسود والاخضر والاحمر. ولاعجب في ذلك لان هذه الالوان مستوحاة حرفيا من قصيدة الشاعر العراقي الكبير صفي الدين الحلي “بيض صنائعنا سود وقائعنا خضر روابينا حمر مواضينا”. فعند استقلال العراق عام 1921 تم الاقرار الدستوري على اتخاذ العلم العراقي الهاشمي علما رسميا للمملكة العراقية والذي تميز بالتصفيف الافقي لالوانه, الاخضر والابيض والاسود, من الاعلى الى الاسفل, فيما احتل المثلث الاحمر المقطوع ذو النجمتين السباعيتين الجانب الايسر من العلم، حيث يشير عدد رؤوس النجوم الى المحافظات العراقيه التي كانت اربع عشر آنذاك.
وعند تاسيس الجمهورية العراقية عام 1958, تم اقرار العلم الجمهوري الجديد الذي صممه فنان العراق الخالد جواد سليم ، حيث تضمن التصميم الجديد تغيير تصفيف الالوان من افقي الى عمودي رمزا للاحتفاء بولادة الجمهورية الشعبية الفتية وعلى غرارعلم جمهورية الثورة الفرنسية. وقد احتوى هذا العلم الجديد على النجمة الاشورية الحمراء التي احتوت على قرص اصفر يرمز الى اللون الوطني للقومية العراقية الكردية , ويشير ايضا الى راية القائد الاسلامي صلاح الدين الايوبي.
بعد انقلاب 8 شباط الدموي المسموم عام 1963 الذي اغتال جمهورية الشعب الاولى وهي ماتزال تحتفي بعرسها، انحدرت حكومة العراق الجديدة الى هوة الفكر القومي العدواني المتعصب معتنقة الايديولوجية العفلقية الشوفينية, ومتبنية الممارسات الفاشستية الاجرامية التي اغرقت شوارع البلاد بالدماء وملات سجونها بخيرة المواطنين ، واستمرت في المضي قدما عبر مناهج التقسيم العنصري والعزل الطائفي وتهميش القوى الوطنية الكفوءة والمخلصة. وقد كرست اجهزة اعلام النظام البعثي وابواق دعايته السياسية الرخيصة جهودها على تضليل الشعب العراقي بفكرة القومية العربية والتطبيل لاكذوبة الوحدة كسبيل مزعوم للتقدم والازدهار الاقليمي والتضامن الاخوي. وكان من الطبيعي ان تؤول هذه السياسة الى تبني العلم القومي الجديد الذي عاد تصميمه الى الترتيب الافقي مع تغيير صف الالوان من الاحمر الى الاسود فيما احتوى اللون الابيض الوسطي على ثلاث نجمات، كما هو متبع في اعلام مصر وسوريا، احتفاء بالوحدة العربية المزعومة التي تشدق بها بعثيو العراق رغم انها لم يقدر لها ان ترى نور النهار. وهكذا اصبح هذا العلم هو العلم الرسمي للبلاد طيلة مايقارب الثلاثة عقود.
في عام 1991, وبعد كارثة ام المعارك, شهد العراقيون , ودماء شهدائهم لم تجف بعد, بدعه جديده من بدع القائد المقبور ، الذي كان طائشا بقناعته الراسخه بأن سلطته التي انتزعها بالقرصنة والشقاوات هي سلطة شرعية ومطلقة، وواثقا بأن ارادته الفردية التي وضعها دوما فوق ارادة الشعب وفوق القانون والاجراءآت الدستورية لابد ان تسمح له بتغيير علم الدولة بمجرد (شخطة قلم)!! وهو القائل قولته المأثورة امام عدسات التلفزيون: ” ماهو القانون؟ القانون ورقة يوقعها صدام حسين”!!
وهكذا، حرفيا وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كتب ذلك الجرذ بيده القذرة الدنيئة الملطخة بدماء الابرياء عبارة “الله اكبر” ، فتغير علم الدولة الرسمي في لحظة بائسة ودون استشارة اختصاصيين ولا مداولة مع قانونيين ولاحاجة الى مصممين ولامادة دستورية ولااستفتاء شعبي !! وهكذا اصبح علم العراق، البلد العلماني المتعدد القوميات والثقافات والطوائف والاديان ، علم التعصب الديني على غرار علم مملكة الشر والعدوان السعودية!!
لقد كان هذا التغيير عبارة عن استهانة فاضحة بتعددية العراق واساءة كبيرة لاستخدام كلام الله واستغلالا بذيئا للفكر الاسلامي في محاولة يائسة لكسب تعاطف العرب والمسلمين واستجداء دعمهم لعلهم يصدقون ان منشأ العدوان على العراق هو كفاح ذلك “البطل القومي المسلم” الذي يذود عن حياض الوطن المستلب ويدافع عنه ضد قوى الكفروالخطيئة كما راق له ولزبانيته ان يتصوروا ..وقد اسرف اولئك المرتزقة في تشبية “بطلهم الهمام” ظلما بقادة الحضارات العراقية الاولى مثل حمورابي ونبوخذ نصر أو قادة المسلمين الاوائل مثل خالد بن الوليد وسعد بن ابي وقاص وصلاح الدين الايوبي.
وفي اعقاب الهزيمة المنكرة في كارثة الكويت ومالحق بالبلدين من تدمير شامل، واضافة الى مآسي فناء مئات الالوف من الضحايا الذين احترقوا بالسلاح الامريكي الفتاك ، شن البعثيون حملات الاعدامات الجماعية المجنونة ونثروا الارض بالمقابر الجماعية، خاصة لمن انتفض في انتفاضة شعبان ممن حفزهم وشجعهم الامريكان على الانتفاض، والذين كانوا يعدمون على مرأى ومسمع من الامريكان والانكليز وهم يحلقون في هيلكوبتراتهم لمراقبة الاجواء المحظورة من الطيران . وتجندت في نفس الوقت العصابات الصدامية المجرمة للشروع بما سمي ب (الحملة الايمانية) الزائفة لاتخاذ ذريعة مناسبة لعزل الشعب العراقي عن ازمته القائمة وفسح المجال لقوى التعصب والظلام والجهل ان تنمو وتقوى فتضيف على النار حطبا ليسطلي العراقيون الشرفاء بجحيم الارهاب الذي لازال متقدا لحد هذه اللحظه وفي اصرار وحشي ووقح وجبان على قتل الابرياء وتدمير المنشآت الوطنيه وتمزيق وحدة البلاد بحجة مقاومة الاحتلال الذي لم يتعرض جنوده الى اي اذى وهم يعيثون في الارض فسادا.
ولم تنطلِ حينذاك لعبة كسب التعاطف على احد, ولم تكترث الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين لذبح وتجويع واذلال العراقيين والعراقيات وتنقيص حيواتهم الى العدم, بل تمادى البعض منها في غض النظرعما يجري في “ارض العروبة” فلم تكن الماساة الجارية حتى جديره بمقالة او خبر على وجوه الصحف العربية والاسلامية التي تواطئ وارتزق اغلبها من النظام البعثي الدموي، بل انبرى اصحاب الضمائر المريضة منهم لاشعال المزيد من الفتن والانتفاع من ظروف البلاد العصيبة في انعاش تجارة الحروب واشاعة الفساد ومداولة الاوراق السياسية الخسيسة.
واليوم، وبعد مضي مايقارب الخمس سنين على سقوط الدكتاتورية، وباصرار عجيب ومريب تستمر حكومة الطوائف باستخدام وتبجيل العلم البعثفاشي ، و يستمر برلمان الجهلة والمرتزقة والمشعوذين بصرف النظر عن موضوع تبديل العلم مرتكبين بذلك واحدة من عشرات المخالفات الدستورية الفاضحة ، وساحقين باحذيتهم ارادة الشعب الذي انتخبهم ومتنكرين لذكرى ارواح مئات الالوف من ضحاياه. فلايزال العلم العفلقي الصدامي الكريه هو العلم الرسمي للبلاد رغم كل مامثله من الم وموت وجور وعدوان, وهوالعلم الغير جدير مطلقا بان يرمز للمرحلة الجديدة ويمثل مايصبوا اليه العراقيون من مستقبل افضل.

لماذا يرفض العراقيون العلم البعثفاشي؟
ان الغالبية العظمى الساحقة من العراقيين تطالب بتبديل العلم الحالي لانه العلم الذي سحقت تحته ارادة الشعب وتهاوت بظله هيبة القانون .. العلم الذي اغتيلت بساريته الحرية وانطوى بطياته العدل وازهق الحق..العلم الذي اندلعت باسمه الحروب الظالمة الغبية التي لم تسفر الاّ عن الدمار الشامل. تحت هذا العلم ذُل الجيش العراقي الباسل, رمز شرف وبطولة واستقلال العراق, واعدم ضباطه الاحرار بالجمله ودون حساب ولاكتاب، فيما اجبر جنوده الصناديد تحت ضغوط الجوع والعطش وبؤس المعدات وبطش القصف الوحشي، على تقبيل البساطيل الامريكيه في الحروب الخائبة! بحجة هذا العلم مسخت قوى الامن الداخلي فتحول القسم الوطني لحماية الشعب وصيانة امن وعز البلاد الى عهد لعصابات الاجرام المنظم في عبادة وتأليه القائد العراب و سفك الدماء وترخيص كل ماهو ثمين وتتفيه كل ماهو مقدس. باسم هذا العلم المشؤوم قتل الرجال وثكلت النساء وانتهكت الاعراض وذوى الشباب وجاع وتسيب الاطفال..ملائكة العراق الابرياء الذين عادوا يلهثون وراء مصفحات الاحتلال طلبا لقطع بائسة من الحلوى الامريكية .. وهم فلذات اكباد هذا البلد الثري الذي كان بمقدوره ان ينثر الفضاء من الارض الى القمر بشتى اصناف الحلوى والمرغوبات. باسم هذا العلم تغرب مئات الالوف من كفاءات العراق العظيمة وتشرد افضل مافيه من علماء وادباء وفنانين فتناثروا في بقاع الارض سعيا لما يسد رمق العيش. باسم هذا العلم قصم ظهر العراقيين في اطول واقسى وابشع حصار اقتصادي فرض على امة عبر تاريخ البشرية السياسي القديم والحديث. لقد بارك هذا العلم منشآت وسياسات ونشاطات مجحفة وباطلة ومنحطة مثل سياسة “النفط مقابل الغذاء” التي اثرت واترعت منها جهات وشخصيات عالمية رسمية وغير رسمية عديدة على حساب آلام الشعب العراقي . يحضرني هنا المثل الذي استشهد به الاقتصادي الشهير جان كالبرث في محاضرة له حول سياسة التقطير والصراع الطبقي في امريكا, والمثل منسوب الى قصة شعبية: استولت عصابه من اللصوص وقطاع الطرق على بيت وحقل كبير يغص ببيادر القمح فقاموا مباشرة بتأسير مالك الحقل وعائلته ولم يطعموهم لعدة ايام الى ان بلغت حالة العائلة الصحية درجة خطيرة، فبادر رئيس العصابة بالاقتراح التالي رأفة منه بالعائلة المحتضرة وانقاذا لها: مفاد الاقتراح هو ان تسمح العصابة لخيولها ان تعبث ببيادر القمح وتطعم نفسها لحد التخمة وسوء الهظم ، حتى اذا آن الاوان ان تلقي الخيول بفضلاتها فسيظهر في روثها من الحبوب الغير مهظومة ما يكون كافيا ان يقتات عليه صاحب الحقل وعائلته!! وهذا بالضبط ماقاساه العراقيون الاباة في ظل سياسة النفط مقابل الغذاء وتحت سيادة علم البعث وبتدبير من حكومة صدام والحكومتين “الديموقراطيتين” الامريكية والبريطانية, وبمصادقة الامم المتحدة , التي لم تكن الا سقط المتاع ومنبر بائعي الضمير، الضباع الذين يقتاتون على جثث ماتفتك به حكوماتهم المفترسة. فهذا هو علم “الوحدة العربية المقدسة”: علم الانفال والابادة الكيمياوية، علم غياهب السجون ودهاليز المعتقلات , علم المذابح والمقابر الجماعية وبتر الاعضاء ووسم الاجساد..علم الحرمان والخوف وتسلط الجهلة حثالات البشر, الفئران الذين اصبحوا زعماء والوية وفرقان وهم لايفقهون حتى كتابة اسمائهم، القادة الذين كدس صدام على اكتافهم نجوم الخسة وزين صدورهم باوسمة العار.
فالعلم العراقي ليس الا علم التهجير الطائفي والتنظيف العنصري والتقسيم العرقي..علم تلوث البيئه وتحطيم الموارد الطبيعية والعبث بالاموال العامة..علم الفساد والنهب العلني واستنزاف الثروة الوطنية..علم عدي وقصي, وحسين كامل وعلي المجيد, علم الحماقة والتهور والعنجهية والاغتصاب, انه بالتأكيد ليس علم العراقيين, فبريء منه كل عراقي شريف. وليس بعيدا من الان سيجعل التاريخ من هذا العلم صنوا لعلم السواستيكا النازي المخزي، ومثلما تتذكر الاجيال الحالية من الالمان كيف عاث النازيون في صفحات تاريخ المانيا الحديث, ستذكر الاجيال العراقيه القادمة كيف عاث البعثيون وانتجوا ماكان مقززا ومقرفا في تاريخ العراق بين 1963-2003 .
ان هذا العلم بالتأكيد ليس العلم المناسب للعراق الذي نصبو اليه, عراق الجميع, عراق الحريه والتسامح والسلام. فلابد من ان يرى الشعب علما جديرا بالمستقبل المشرق الوضاء..
نريد علما جديدا لارض السواد السخية بجبالها الشامخة ونهريها الخالدين , علما لنخيل العراق الباسقة الظليلة واهواره وسهوله المعطاء, وصحاريه الرحبة الطافحة بالعز والكرم. علما لتاريخ العراق المنير, حيث بزغ فجر المدنية وتفجرت ينابيع الحضارة, علما لمجد السومريين والاكديين والبابليين والاشوريين والعباسيين, علما لشعب العراق الكريم بكل قومياته واديانه وطوائفه واطيافه, علما لوطن القانون والشريعة, لارض حمورابي وجعفر الصادق وابي حنيفة النعمان, لوطن البطولة والشموخ والشهادة , ارض علي والحسين وصلاح الدين, وطن العلم والادب والفن, ارض ابن حيان وابن الهيثم والاصمعي والكندي.. المتنبي والجاحظ وابي نؤاس والزهاوي والرصافي والجواهري والسياب, ارض ابن مقله وابن البواب والواسطي والموصلي وجواد سليم وهاشم البغدادي.