الرئيسية » شخصيات كوردية » لذكرى الامير جلادت عالي بدرخان:رحيل امير كوردي

لذكرى الامير جلادت عالي بدرخان:رحيل امير كوردي

ترجمهُ وعلق عليه ووضع ملحقه حسين فيض الله الجاف
الحلقة (1)
تجعل الانباء الواردة من دمشق بان الامير جلادت عالي بدرخان قد توفى منذ عهد قريب( ) الإنسان يتأمل ويتريث ويعيد النظر والتفكير للحظة في التاثير الذي كان له ولأسرته امراء بوتان الآزيزيين، على الحركة الكوردية الحديثة.
ففي عام 1821اصبح جدّه، بدرخان، أميراً على بوتان، والذي كان سليل الاسرة التي يرجع نسبها الى العهود السابقة عندما قام عبد العزيز، ابن الخليفة عمر، ببناء مدينة جزيرة ابن عمر على ضفتي نهر دجلة، والتي كانت قد اصبحت منذئذ عاصمة امارة بوتان.
وفي عام 1826وضع السلطان التركي محمود الثاني موضع التطبيق سياسة جديدة، الهدف منها جعل الادارة مركزية وتقليص سلطات [الامارات الكوردية] شبه المستقلة التي كان يتمتع بها رؤساء العشائر. وكان لقدوم الموظفين الاتراك الغرباء الى بوتان، الذين تدخلوا بما قد كان حتى ذلك اليوم من امتيازات وحقوق اميرهم [بدرخان] سبب للسخط بين الكورد، وبحلول عام 1836 بدأت بوادر الثورة الكامنة بالغليان من شدة الغضب المكبوت.
وعندما كانت القوات التركية منهمكة بشكل كامل عام 1840 لصد الغزو الذي قام به الجيش المصري عهد محمد علي، اختار بدرخان هذا الوقت ليكوِّن اتحادا مع الرؤساء الكورد الاخرين في وان وهكاري وميكس وكارس واردلان ويقيم حكومة كوردية مستقلة حيث اصبح هو رئيسا لها.
دام حكمه حتى عام 1845عندما أزالت تدخلات القوى العظمى باستعمال القوة لتهديد الجيش المصري باجتياح تركيا وتركت السلطان حرا لتحشيد قوات كافية ضد بدرخان لجعله يسلم نفسه، حيث عاش سجينا في كريت [جزيرة يونانية] لمدة عشر سنوات وتوفي في دمشق عام 1868.
وقام الاتراك بالتحفظ على ولده الاكبر، امين عالي، مع بقية افراد الاسرة واسكنوهم في القسطنطينية بوصفهم رهائن من اجل ان يضمنوا سلوك قبيلتهم حسب اهواء السلطات. في هذا الجو نشأ ابناء امين عالي الثلاثة ثريا وجلادت وكامران. وقد افلت اثنان من اعمامهم، عثمان وحسين، عام 1879 وأعادا سلطة الاسرة مرة اخرى في بوتان لفترة ثمانية اشهر، كما قام والدهم، امين عالي، وشقيقه مدحت بمحاولة الوصول الى بوتان مرة اخرى عام 1889، الا انه تم القاء القبض عليهما واعيدا الى القسطنطينية.
وقد كانت ثمة حركة قومية كوردية في نفس الوقت تحرز تقدما ومكانة فيما بين الوجهاء الكورد البارزين الذين كانوا يلتزمون الصمت اثناء الاقامة الجبرية في القسطنطينية، وفي حوالي العام 1887 قرروا اصدار صحيفة لتعزيز هذه الحركة. وحيث كان ذلك مستحيلا في تركيا، نجح مدحت بيك في الفرار الى القاهرة واصدر هناك صحيفة اطلق عليها تسمية “كردستان”، الا ان الضغوط التركية على مصر فرضت انتقالا اجباريا اخر، فنقل الشقيق الاخر، عبد الرحمن بدرخان، الذي اصبح الان محررها، الصحيفة الى جنيف ومن ثم الى انكلترا حيث صدرت لاول مرة في فولكستون عام 1892.( )
كان وثوب جمعية الاتحاد والترقي الى السلطة( ) وإعلانهم الدستور التركي الجديد دافعا أغرى الاسرة البدرخانية للعودة الى القسطنطينية، وفي عام 1908 قام القوميون الكورد بتأسيس جمعية سياسية (كوردستان تعالي وترقي جمعيتي)( ) التي كان امين عالي بدرخان عضوا مؤسسا فيها. وكانت هذه الجمعية قادرة على العمل والتعبير عن افكارها بشكل صريح وعلني بموافقة ظاهرية من الشبان الأتراك، الا انه اصبح واضحا تماما للكورد عام 1912 ان جمعية الاتحاد والترقي كانت تنوي قمعهم وحظر نشاطاتهم، ولهذا السبب لجأت الجمعية للعمل السري، وغادر الاعضاء القياديون، بمن فيهم ذلك امين عالي بدرخان الى خارج [تركيا].
عندما اعلن الأتراك الحرب على بريطانيا العظمى خلال الحرب العالمية الاولى كان ثريا، الابن الاكبر لامين عالي، في القاهرة حيث كان قادرا على الاستمرار باصدار صحيفة “كردستان” بموافقة ودعم البريطانيين. وعندما دخل الحلفاء القسطنطينية بعد الهدنة كان من الطبيعي ان تقوم مصلحة الاستخبارات البريطانية بالاتصالات المباشرة مع القوميين الكورد.
وفيما بعد بفترة قصيرة عام 1919 رافق اثنان من ابناء امين عالي، هما جلادت وكامران، ضابط الأركان البريطاني ئي. دبليو. نويل( ) في جولة شملت ماردين ودياربكر وملاتيا التي كان القصد منها الوقوف على حقيقة مشاعر واراء السكان الكورد المحليين من الاستقلال الكوردي. الا ان هذه الجولة انهيت بعد فترة وجيزة بسبب تدخلات مصطفى كمال، الذي كان في ذلك الحين يزداد سيطرة على شرقي تركيا، وتهديده باستعمال القوة. (في هذه الجولة التقيت لاول مرة بجلادت وكامران بيك).
عندما ارتقى مصطفى كمال الى السلطة لاول مرة دفع الكورد الى توقع سياسة ليبرالية تجاههم، الا انه اصبح واضحا بشكل جلي بعد فترة وجيزة من توقيع معاهدة لوزان أن مصطفى [كمال] عقد العزم لصهر الكورد في تركيا جميعهم في بودقة القومية التركية.
ومرة اخرى أُجبرت الاسرة البدرخانية لمغادرة تركيا الى المنفى حيث عاشوا لفترة من الوقت في فرنسا والمانيا، وكان عليهم العمل من اجل كسب قوتهم بسبب انقطاع سبل وصول النقود اليهم من تركيا. وكان جلادت بيك قد اخبرني بانه اشتغل بستانيا ونادلا في مطعم، وصباغا للبيوت ثم منضدا للحروف المطبعية في مؤسسة طباعية. وكانت الدراية بامور الطباعة التي اكتسبها في مهنته الاخيرة هي التي جعلته قادرا على طباعة واصدار صحيفة “هاوار”( ) الكوردية لوحده عندما كان يعيش في دمشق في السنوات الاخيرة.
لقد شجع وضع سوريا تحت الانتداب الفرنسي القادة الكورد المنفيين للتجمع هناك،حيث عقد مؤتمر للقوميين الكورد عام 1927 شكلوا خلاله جمعية اطلق عليها اسم خويبون( ) للتنسيق فيما يتعلق بالحركة [الكوردية]، فجرى انتخاب جلادت عالي بدرخان اول رئيس لهذه الجمعية.
كان القوميون الكورد قد خططوا لمساعدة الثورة الكوردية بقيادة الشيخ سعيد بيران والتي اندلعت عام 1925.( ) لكن الشيخ سعيد قام باشعال [الثورة] قبل الموعد المحدد لها، فلم تصله إلاّ النزر اليسير من بعض المساعدات عبر الحدود. إلاّ ان جمعية خويبون كانت قادرة لايصال الدعم الى احسان نوري في ثورته التي ابقت 60000 من الجنود الاتراك منشغلين ضده، في منطقة جبل أرارات من شهر اذار الى شهر تشرين الاول عام 1930.( )
وقد ادت نشاطات هذه الجمعية الى شيء من الخلاف بين الفرنسيين والاتراك كان من نتيجته ان الفرنسيين ناشدوا اللاجئين السياسيين الكورد لتجنب اعطاء الاتراك اية ذرائع اضافية للشكوى طالما ان اعضاء (خويبون) جرى الترخيص لهم للعيش في سوريا تحت الحماية الفرنسية.
وهذا الاتفاق الذي جرى التوصل اليه بين الجنرال (ويكَان) وقادة (خويبون)، تم الايفاء به باخلاص من قبل هؤلاء، وعندما دخلت القوات البريطانية سوريا مع جيش فرنسا الحرة جددت (خويبون) التزاماتها للسلطات البريطانية.
وخلال السنوات القليلة التالية كانت هناك فترات عديدة عندما كان الكورد متلهفين لانتهاز فرصة الانهماك الكامل للحكومة التركية في مواجهتها للاخطار الخارجية. مع ذلك وطوال كل هذا الوقت فان نصائح واراء جلادت عالي بدرخان واعضاء خويبون المعتدلين الاخرين منعت اتباعهم المتحمسين كثيرا من الاتيان بتصرفات طائشة كان من الممكن ان تربك البريطانيين في تعاملهم مع الأتراك. ان واقعة واحدة سوف تبين الوفاء الذي كان يتصف به جلادت بيك تجاه اصدقائه البريطانيين،ففي اليوم الذي وصلت فيه انباء سقوط طبرق الى دمشق زارني في مكتبي ثلاث مرات للتعبير عن تعاطفه، وتعهد بتقديم الدعم الكامل من الحركة القومية الكوردية الى الجنرال ولسن ان كان بحاجة لذلك. انه لم يكن صديقا لايعرفك وقت الضيق.
وقد ركز جلادت بيك عمله في الوقت الحاضر لتطوير الثقافة الكوردية، فاخذ يناضل على صفحات المجلتين التي كان يصدرهما، هاوار وروناهي- الاخيرة كانت مصورة- من اجل الوحدة الثقافية بين الكورد عن طريق تذكيرهم بتقاليدهم القديمة وعاداتهم الشعبية واقوالهم الماثورة.
بعد ان وضعت الحرب اوزارها ظل جلادت بيك باقيا في دمشق، إلاّ ان شقيقه، كامران بيك، رحل الى باريس حيث اسس مكتبا للدراسات الكوردية( ) يأمل من خلاله ان يعنى بالمسألة الكوردية ويبقيها حية امام انظار العالم الغربي. وقد وجه التماسا الى الامين العام للامم المتحدة يطلب منه التطبيق العملي لقواعد ومبادئ ميثاق الاطلسي وميثاق الامم المتحدة بخصوص الاقليات الكوردية في تركيا وايران والعراق.
لقد تغيرت المطاليب الكوردية كثيرا منذ تلك العهود عندما شكل بدرخان حكومة كوردية مستقلة شرقي تركيا: فجميع مايطالب به احفاده في الوقت الحاضر هو ان تتاح الفرصة للكورد في تركيا وايران والعراق ان يحيوا حياتهم على رؤوس الاشهاد بوصفهم كوردا، ان يتكلموا اللغة الكوردية وان يرتدوا ازياءهم القومية، وان يستخدموا اللغة الكوردية وسيلة تعليم في المدارس الابتدائية، وان يكونوا احرارا لطبع الكتب والصحف بلغتهم الخاصة، وينبغي ان يكون الموظفون المعينون في المناطق الكوردية من الكورد او، على الأقل، لديهم شيء من الإطلاع والدراية باللغة الكوردية والتقاليد الكوردية.
وحالما تكون هذه الحقوق المسلَّم بها مكفولة فليس هناك داع ان لا يكون الكورد رعايا موالين للبلدان التي يعيشون فيها،في نفس الوقت الذي يظلون فيه صادقي الوفاء لتقاليدهم الخاصة. وبهذه الطريقة يمكن ان يصبحوا عاملا فعالا ومهما في توحيد [البلد]، او يكونوا سببا على الاقل في جمع بلدان الشرق الاوسط معا، وهي البلدان التي يشكلون فيها في الوقت الحاضر أقليات. ولا يمكنني انهاء هذه المقالة القصيرة افضل من اقتباس جواب كامران بيك على رسالة التعاطف المعزية التي ارسلتها له:
“عزيزي الكيرنل [العقيد]
لقد تأثرت بعمق بمشاعركم الصادقة التي اردت التعبير عنها حول [رحيل] اخي الاكبر الذي كان يحمل الكثير من المودة تجاهكم.
ان خسارته تركتني وحيدا تقريبا في ميدان الكفاح الذي كنا نخوضه سوية، والذي كان هو السند الداعم لي.
كامران عالي بدرخان
كثيرا ما تضطرم المشاعر والعواطف في الميول السياسية الكوردية، وتقود الى نزاعات وضغائن، إلاّ انني لم التق باي شخص لم يكن يحب ويحترم جلادت بدرخان حتى بين اولئك الذين كانوا يخالفونه الراي الى حد بعيد. كان شخصية محبوبة وخفيفة الدم، واسع الثقافة، بسيطا،عطوفا وجريئا.
* Elphinston, W. G.
“In Memoriam: The Emir Jeladet Aali Bedr Khan; The Passing of a Kurdish Prince.” Journal of the Royal Central Asian Society, Vol. 39, Part 1, Jan. 1952. PP. 91-94.
الهوامش
-ولد جلادت بدر خان يوم 26نيسان 1897في استانبول وتوفى يوم 15تموز 1951في حادثة البئر في قرية الهيجانة قرب دمشق عندما تهدم الجدار وجرفته المياه مع الحجارة والتراب الى عمق البئر. وعندما اصدر مجلة “هاوار” كان يقيم في غرفة ضيقة رطبة في حي الشهداء، طريق الصالحية، يستعملها كمكتبة وقاعة استقبال وغرفة منام ودار للتحرير في آن واحد. وكان يكتب معظم المقالات ويوقعها باسماء مستعارة مختلفة ثم ينضدها بنفسه ويحملها الى المطبعة. وضعته الحكومة السورية تحت الاقامة الجبرية سنة 1943ورفعتها عنه سنة 1949. شارك في تشييعه بعض الوزراء وكبار ضباط الجيش ورجال السياسة (راجع المصادر: 5 ،14، 16)
-صدر العدد الاول من جريدة “كردستان” في القاهرة بتاريخ 22 [ربما 21] نيسان 1898، وطبعت في مطبعة الهلال، وكان صاحبها ومحررها مقداد مدحت بدرخان، ثم انتقلت الى جنيف حيث صدر منها الاعداد 6-19، وعادت ثانية الى القاهرة لاصدارالاعداد 20-23. اما العدد 24 فقد صدر في لندن، والاعداد 25-29 صدرت في فولكستون بانكلترا، والعددين 30-31 في جنيف. ابتداء من العدد 6 أصبح عبد الرحمن بدرخان مسؤولا عنها. كانت تصدر مرة واحدة كل اسبوعين وباربع صفحات باللغة الكوردية (لهجة الجزيرة وبوتان)، وبعض موضوعاتها بالتركية، وهناك العربية ولكن بشكل نادر. (راجع المصدر: 6، 15).
– تاسست جمعية الاتحاد والترقي العثمانية في 21 ايار 1889من قبل اربعة اشخاص اساسيين هم الالباني ابراهيم تمو والكورديان اسحق سكوتي وعبد الله جودت والجركسي محمد رشيد. وكان اسحق سكوتي وعبد الله جودت يصدران في جنوة بايطاليا جريدة “عصمانلي” منذ عام 1897 بمعونة عبد الرحمن بدرخان وغيره، وهذا الاخير شارك في اول مؤتمر لفرع “الشبان الأتراك” في باريس عام 1902 الذي مثل مرحلة فاصلة في نشاط الاتحاد والترقي بأنشقاق الليبراليين والقوميين الاتراك حيث انحاز عبد الرحمن بدرخان الى الليبراليين (راجع المصادر 3، 6، 10، 12، 14)
-تاسست هذه الجمعية في 19 ايلول 1908 باسم “كرد تعاون وترقي جمعيتي” وليس كما اوردها إيلفنستون. ومن مؤسسيها سيد عبد القادر (عضو مجلس شورى الدولة ثم عضو مجلس الاعيان. اعدم في مدينة آمد- دياربكر -بعد ثورة 1925) وامين عالي بدرخان والفريق شريف باشا والداماد احمد ذو الكفل باشا والكاتب الكوردي البارز خليل خيالي.

التآخي