الرئيسية » مقالات » عودة إلى حوار لم يسخن بعد حول العلم العراقي

عودة إلى حوار لم يسخن بعد حول العلم العراقي

لا نتفق دومآ مع السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كوردستان الجنوبي في إطروحاته السياسية , إلا اننا نجد أنفسنا نميل ميلآ شديدآ إلى ألإتفاق معه تمامآ فيما طرحه حول نظرته إلى علم الدولة الجديد الذي ينبغي له أن يكون الرمز الرسمي لعراق ما بعد البعثفاشية . لقد طلب السيد البرزاني تصميم علم جديد للعراق الجديد ليحتل موقعه بدل علم البعثفاشية في المؤتمر القادم للبرلمانات العربية الذي سيعقد في كوردستان الجنوبية في شباط القادم .

لقد تطرقنا إلى مناقشة هذا الموضوع مع كثير من المعارضين لإستمرار الدولة العراقية الجديدة على تبني رمز البعثفاشية المقبورة كرمز لها يتجلى في الإستمرار برفع علمها واستعماله كعلم للعراق الجديد . وكتب الكثير حول هذا الموضوع الذي يشتد الحديث عنه أحيانآ ويخفت أحيانآ أخرى . ومما يجلب النظر في هذا النقاش هو أن المدافعين على ألإستمرار على تبني علم البعث هم أولئك الذين يسمون ألإرهاب مقاومة والتحرير من الديكتاتورية إحتلالآ محضآ وسقوط البعثفاشية سقوطآ لبغداد وانهيار نظامها المقيت إنهيارآ للعراق العربي وغير ذلك مما يدعيه بعض من قفز على سلم السياسة الطائفية , سياسة المحاصصات المذهبية والقومية العنصرية والمناطقية العشائرية التي جاءت بها أحزاب ألإسلام السياسي والتعصب القومي .

إن العلم الذي يدافع عنه هؤلاء السادة السياسيون هوعلم البعثفاشية وليس علم العراق ألذي رفضه , وبكل حق , الشعب الكوردي الصامد الذي تعرض في كل تاريخه النضالي البطولي ضد جرائم الحكومات المتعاقبة بالعراق , خاصة الحكومات الشوفينية القومية وآخرها عصابة البعثفاشية المقيتة , إلى أبشع حملات ألإبادة السكانية والتهجير القسري والإلغاء القومي والجدب الثقافي والقهر السياسي الذي كان نصيبه منه في ألأربعين سنة الماضية من تسلط العصابة العفلقية كنصيب إخوته وأخواته في مناطق العراق ألأخرى التي تصدت لتلك العصابة الشريرة وحاربتها بكل ما أُتيح للأحزاب السياسية والحركات الإجتماعية والدينية التي إنضوى تحت راياتها الكثرة الكاثرة من المناضلات والمناضلين الذين إختلطت دماءهم الزكية على سوح النضال الوطني لشعب العراق الذي لم يبخل بها شمالآ وجنوبآ , شرقآ وغربآ . إن الدكتاتورية البعثفاشية التي لم تميز بين قومية أو دين في سياسة القهر والإضطهاد والتهجير والقتل والإقصاء نفذت جرائمها السوداء تلك من خلال عصابات تتغنى بأهازيج الجريمة وهي تسير على جثث شهدائنا حاملة رايتها التي أرادت لها أن تكون الراية التي يُنحر تحتها بنات وأبناء العراق وبشكل ينم عن همجية العصابة التي لم تنس أن تجعل ذبح العراقي مشفوعآ بآلية الذ بح الحلال على الطريقة التي تراها العصابة عندما قننت ذلك الذبح الهمجي للعراقيات والعراقيين بنفس ما قنن به الشرع الإسلامي ذبح الذبيحة حلالآ بقولة , ألله أكبر , التي وظفتها البعثفاشية في مجازرها البشرية .
أولآ وقبل كل شيئ فإن العلم العراقي بماضيه وحاضره لم يمثل كل تاريخ وحضارات ومكونات العراق قدر تمثيله لمرحلة تاريخية معينة مر بها الوطن . فلم تشهد التصاميم المختلفة للأعلام العراقية التي تغيرت أكثر من مرة واحدة في تاريخ العراق الحديث إشارات إلى الحضارات العراقية القديمة التي تمتد إلى أكثر من عشرة آلاف سنه والتي إقترنت بوجود أول الحضارات السكنية وما تلاها من حضارات يريد بعض الجهلة إختزالها اليوم بالحضارة ألإسلامية فقط التي نعتز بها كجزء من الحضارة العراقية , إلا أنها ليست كل الحضارة العراقية . فلقد جاء في قرار مجلس قيادة الثورة المقبور رقم 220 لسنة 1968 بجلسته المنعقدة بتاريخ 08.03.1986الذي سن بموجبه قانون العلم العراقي رقم 33 لسنة 1986 ذِكر ألوان العلم العراقي الجديد الذي ألغى علم ثورة الرابع عشر من تموز, وأبعاد وشكل النجوم الثلاث تحت الفقرة ألأولى منه , أما تحت الفقرة ثانيآ فقد جاء ما يلي : يُمثل العلم العراقي ألوان الرايات العربية ألتي أُستخدمت في التاريخ العربي منذ فجر ألإسلام حتى الوقت الحاضر وتُمثل النجوم الثلاث مبادئ الوحدة والحرية والإشتراكية ( إنتهى ألنص ) . وحتى هنا يكذب العفالقة في تبريرهم هذا , إذ أن أصل النجوم الثلاث كان يرمز إلى الجمهورية العربية المتحدة المقبورة التي وضعت لها نجمتين كرمز إلى مكوناتها سوريا ومصر آنذاك ثم إنضمت إليها البعثفاشية العراقية فجعلت النجوم ثلاثآ في العلم العراقي الذي تبنته بعد إنضمامها إلى هذه الوحدة الدكتاتورية التي أنزلت أبشع أنواع التعذيب والملاحقات بحق معارضيها , وليس القضاء على المناضل الشيوعي فرج ألله الحلو وإذابة جسده إلا مثلآ واحدآ من عشرات الآلاف من أمثلة التخلص من المناضلين وإنهاء نشاطهم السياسي بإنهاء حياتهم بالأساليب الدموية التي إستعملها مسؤول أمن هذه الجمهورية الدكتاتورية آنذاك عبد الحميد السراج . لقد إتجه تصميم ألأعلام العراقية منذ تكوين الدولة العراقية الحديثة إتجاهآ سياسيآ تكتنفه بعض ألإشارات التاريخية التي لم تجر مناقشتها بشكل جِدي فيما إذا كانت تمثل هذا الوطن بكل ما فيه تمثيلآ حقيقيآ أم لا . وهذا حديث يطول به المقام ولا مجال لتناوله الآن . إن إختزال تاريخ العراق على الفترة ألإسلامية فقط هو إختزال لتسعة أعشار هذا التاريخ الذي طالما تفاخرنا به بين ألأمم , إذ طالما إستشهدنا بسومر وأكد وبابل وآشور في أحاديثنا وكتاباتنا , فلماذا لا نجعل هذا التاريخ يمثل رمزآ من رموزنا في العراق الجديد , ولا أجد هناك بأجدر من العلم الجديد في إحتواء هذا التراث .
فالعلم العراقي الحالي إذن والذي يتباكى عليه البعض لا حبآ بالعراق ورمز العراق , بل لغاية في نفس يعقوب , هو العلم الذي جاءت به البعثفاشية بعد أن أجرت عدة تغييرات على ما سبقه من التصاميم المعمول بها رسميآ . ولم ينعق ناعق منهم بالأمس على هذه التغييرات . لقد تغير العلم العراقي عدة مرات قبل أن يستقر على التصميم ألأخير الذي جاء نتيجة للوحدة المقبورة بين مصر وسوريا والتي جعلت ثورة الرابع عشر من تموزفي العراق عام 1958 في مقدمة الأعداء التي حاكت حولها هذه الجمهورية العروبية الكسيحة أبشع مؤامراتها الجبانه التي إستهدفت المكتسبات الثورية الجديدة التي سعت ثورة الرابع عشر من تموز لتحقيقها في العراق لتشكل ألإشعاع ألأول في طريق التحرر الوطني والقومي . وحينما حل الثامن من شباط ألأسود عام 1963 واستولت عصابات الجريمة على منجزات ثورة تموز وقتلت ما قتلت وروَعت ما روَعت حتى جاءت على رمز جمهورية الرابع عشر من تموز مُمثلآ بعلمها الذي أرادت العصابة إختزاله بعلم لجمهورية قامت على الخديعة والديماغوغية والتسلط المخابراتي . لقد جعلوا العراق ضحية تبجحهم بالوحدة القومية التي ما إنفكوا ينبحون لها وهم خارج السلطة حتى تنكروا لها ولم يستطيعوا السير خطوة واحدة تجاهها وهم داخل السلطة . حتى إذا ما بلغت جرائمهم من البشاعة التي تأبى ذكرها النفس البشرية , لجأوا إلى ما تحويه نفوسهم الشريرة من عفن ألأفكار وأساليب الضلال بصبغ ما ينوون من إقترافه من جرائم أخرى بصبغة تفعل فعل الذبح الشرعي الذي يتم إنجازه بإدخال عبارة ألله أكبر عليه فيكون ذبح الشعب العراقي حلالآ عليهم كحلال ذبح الشاة تحت السكين التي يسبق وضعها على الرقبة ترد يد ألله أكبر الذي سمعنا لا بل ورأينا ترديده من قبل عصابات البعثفاشية والتكفيرية بعد سقوط صنمهم الذي جاء لهم بكل هذه الأفكار الشريرة التي يريد لنا البعض أن نستمر بمعاناتنا من جراء إحتكاكنا بمخلفاتها كل يوم وما هذا العلم المقيت إلا أحدها .
لقد ألغت البعثفاشية في المادة الثالثة عشر من قانون العلم العراقي أعلاه , قانون العلم الوطني رقم 28 لسنة 1962 , فبأي حق قامت العصابة العفلقية بهذا ألإلغاء…؟ ولماذا لا يحق للشعب العراقي ألآن إلغاء مخلفات هذه العصابة التي أذاقت الشعب العراقي ألأمرين لأربعة عقود من الزمن…ولأي غاية يتباكى فرسان البعث بالأمس ” وبعض نواب الشعب ” اليوم كلما طُرح موضوع تغيير علم البعثفاشية للنقاش….؟
تصميم الشعب الكوردي المناضل على عدم رفع هذا العلم البعثفاشي على أراضي كوردستان التي تخضبت تحت هذه الراية الكريهة بدماء بنات وأبناء هذا الشعب وأختلطت بدماء المناضلات والمناضلين على بقاع أرض الوطن الأخرى وإصراره على رفع علم جمهورية الرابع عشر من تموز بدلآ عنه هو ألإجراء الذي يجب أن يدعوا له كل عراقي يرفض القهر والعدوان والقتل وألإضطهاد والتشريد الذي إقترن بكل رموز البعثفاشية المقيته وليس بعلمها هذا فقط .