الرئيسية » مقالات » الكورد …. ومعضلة كركوك … الجزء الثاني

الكورد …. ومعضلة كركوك … الجزء الثاني

كما هو معلوم في عالم السياسة إن مسار الأحداث التاريخية تتحدد دوما بتفاعل العاملين الأساسيين لإحداث التغيير , واعني بهما هنا الذاتي والموضوعي ومدى توافقهما بالاتجاه والقوة من اجل إحداث التغيير المرتقب ….. ونظرا لخصوصية العامل الموضوعي المفروض سلفا على شعبنا (الطوق الجغرافي الخانق)الذي رسمه مقص سايكس بيكو الجائر, فان العامل الذاتي ومفرداته يجب أن تكون دوما بمستوى هذا التحدي الكبير بغية التأثير الفعال على الأحداث استثمارا وتطويعا لخدمة الأهداف المنشودة مراعية وبدقة الأبعاد الزمانية والمكانية المحددة….ونظرة بسيطة إلى مجمل أحداث القرن الماضي يكشف لنا بجلاء أن عدم إدراك هذه الحقيقة والعمل بموجب معطياتها هي التي تكمن وراء فشل اغلب الثورات الكوردية نظرا لحساسية العامل الذاتي ودوره الحاسم في توجيه الأحداث نحو الوجهة التي تخدم القضية الكوردية….. وخلاصة القول انه متى ما حدث خلل في احد اركان العامل الموضوعي (محليا واقليميا ودوليا) فان الظرف يكون مؤاتيا لاستثمارها بغية تجاوز محنة الطوق الجغرافي المفروض على شعبنا المناضل والسير قدما لتحقيق آماله وتطلعاته….


وما حدث إبان وبعد سقوط نظام البعث كانت الفرصة التاريخية الأكثر ملائمة لتطور القضية الكوردية نحو آفاقها المشرقة (وهنا ُاذكّر بالقول الذي اطلقه الرئيس الليبي معمر القذافي حينما ناشد القيادات الكوردية باعلان الدولة الكوردية مباشرة بعد سقوط نظام البعث ) أي أن العامل الموضوعي كان ناضجا لإحداث الكثير من التغيرات لو كان هناك نضوج واستعداد مماثل للعامل الذاتي بالمقابل, وبكلمة اخرى فان القيادات الكوردية وأحزابها قاطبة كانت أمام وضع تأريخي فريد قد لا تتكرر ثانية ولكنها لم تتجرأ على استغلالها وبالتالي فانها ضيعت هذه الفرصة المتاحة….. وانا هنا لست بصدد الدخول في تفاصيل وأسباب ضعف وقصور القيادات الكوردية لان ذلك بحد ذاته يتطلب بحوثا ومقالات عديدة ولكنني سأركز بشكل خاص على التأثير السلبي لها على قضية الكورد المركزية وهي قضية كركوك….. وقد ظهرت تلكم النواقص وأوجه القصور في الأخطاء الكبيرة التي مورست بحق كركوك والتي يرقى بعضه إلى مصاف الخطايا التي لا تغتفر ومنها……


أولا….التعامل مع العامل الدولي

.لعل من اكبر الأخطاء التي وقعت فيها العقلية السياسية الكوردية آنذاك هو الاعتقاد أن الامريكان قد يكونوا مترددين في إسقاط النظام أو سيتراجعون عن تلك الإستراتيجية إذا لم يجدوا الدعم والمساندة من قبل القيادات الكوردية أو حتى العراقية المعارضة , فتصورتها فرصة نزلت عليها من السماء , لذا لم تستطع تلك القيادات ان تقف موقفا متعاليا ومستقلا ومتمسكا بالتأييد المشروط للمشروع الأمريكي انطلاقا من المصالح القومية و الإستراتيجية للامة الكوردية المظلومة قبل أي شئ آخر, والعمل وبإرادة أقوى في التمسك بثوابت الامة الكوردية (ومنها قضية كركوك , الفيدرالية) والإصرار على طرح مقاييس الربح والخسارة والاشتراط على الأمريكان ان المشاركة بل وحتى التأييد لسياساتهم ليست هكذا مجانية ولوجه الله…. بل أن هناك قائمة طويلة بمطاليب واضحة وهي عبارة عن قراءة منصفة لمعاناة شعب كتبت بدماء ودموع الملايين من ابناء هذا الشعب لعقود من الزمان وهي ليست مطاليب تعجيزية أو استغلال لا أخلاقي للظرف الطارئ بل هي فواتير مستحقة الدفع وقسم منها تتحمل الإدارة الأمريكية وسياساتها السابقة دفعها مباشرة …..وأول هذه المطاليب كان الإصرار على طلب اعتذار رسمي من القيادة الأمريكية للشعب الكوردي من موقفها اللااخلاقي في إجهاض ثورة أيلول وخيانتها للشعب الكوردي عام 1975 وما رافق ذلك من المظالم الكثيرة التي لحقت به حينما ترك وحيدا بين مطرقة البعث وسندان الشاه .

ومن ثم كان يجب الإصرار بان من حق الكورد تحرير كركوك بقواتهم العسكرية والحفاظ على أمنها بقوة البيشمركة وعدم السماح لأية قوة إقليمية (تركيا على وجه الخصوص ) بالتدخل في كركوك أو حتى التلميح باستخدام القوة لان قضية كركوك كانت ولا تزال مشكلة داخلية عراقية طرفها الظالم هو النظام البعثي وسياساته الشوفينية وطرفها المظلوم هو الشعب الكوردي المرحل والمطارد والمضطهد والمؤنفل طيلة عقود ,وقد أظهرت الأحداث اللاحقة ان حسابات القيادات الكوردية كانت خاطئة حيث ان في حالة الإصرار على تحرير كركوك منذ اليوم الأول بالقوات الكوردية والبقاء فيها , رغم انف الأمريكان كانت قد جنبت شعبنا الكثير من المآسي اللاحقة والمستمرة لغاية يومنا هذا, ولم يكن للأمريكان إلا الرضوخ للإرادة الحرة لشعب كوردستان كما رضخت لإرادة شعب الفلوجة والرمادي الصغيرين مع الفارق الكبير بين الحالتين في العدد والعدة والأهداف, والتي رغم صغر مساحتها ونفوسها استطاعت ان تمرغ انف الغول الامريكي في التراب وتجبرها في النهاية الى احترام إرادتها مجبرة رئيسها (جورج بوش) إلى إبداء الاحترام لقادتها العشائريين أكثر مما تبديها لقادة الكورد وغيرهم من ساسة العراق!!!!!

ثانيا…..التعامل مع العامل الاقليمي

وتمثًل ذلك بالخضوع للابتزاز التركي واخذ تهديداته(بعدم السماح للبيشمركة بالدخول إلى كركوك) بمحمل الجد, رغم علمها بان الموقف التركي كان في اضعف مراحله نظرا لموقف الدولة التركية السلبي من الحرب وعدم السماح للأمريكان دخول أراضيها وفتح الجبهة الشمالية الأمر الذي كاد أن يغير وجهة الحرب وأدى إلى تكبد الأمريكان خسائر جسيمة., والتساؤل هو ماذا كان سيكون الموقف الكوردي لو ان تركيا قد شاركت بفعالية في ذلك الحرب !!!!!!)…. إن التخوف الغير مبرر للقيادات الكوردية والتردد في الدخول الى كركوك بثقلها الكبير والانتظار لحين صدور الضوء الأخضر الأمريكي بين مدى ضعف وتبعية هذه القيادات وعدم استعدادها للتضحية بمصالحها الذاتية في سبيل كركوك كأكبر قضية قومية في الظرف الراهن (وحتى لحظة الدخول الى كركوك قد تاخرت لحين جلاء القوات الصدامية وهروبها من كركوك والكل لاحظوا كيف حضر مواطن كوردي بسيارته الشخصية الى المواقع الكوردية المرابطة خارج كركوك لإخبارهم ان البعثيين قد هربوا من كركوك)!!!!!…. وقد كان امتناع الدولة التركية في مساعدة الأمريكان للاستفادة من الأراضي والقواعد التركية أحسن فرصة لاسترجاع المدينة وتحريرها دفعة واحدة وبقوة السلاح دون الالتفات إلى التهديدات التركية او الإيماءات والاملاءات الامريكية ….فتركيا كانت اعجز من ان تتدخل في الشأن الكركوكي في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ العراق وكانت تجابه بالقوة من قبل الأمريكان إذا ما حاولت إجهاض المخطط الأمريكي وإفشال الإستراتيجية الأمريكية , وبالتالي كانت الأمور قد رجعت الى نصابها الصحيح دون السماح لمرور القضية وفق السياقات (السلمية والديمقراطية!!!!) التي نجد الآن نتائجها التسوفية التي لا تبشر بأي خير … إضافة إلى عدم التعامل مع كركوك بثقل عسكري وتنظيمي يتناسب مع وضع كركوك وإمكانيات القيادات الكوردية المتاحة مقارنة ببقية القيادات العراقية….. لو كانت كركوك ومصيرها تهم القيادات الكوردية حقا, لكانت قد خصصت عناصر قيادية أكثر كفاءة لقيادة كركوك بل كان عليها ان تنقل مقرات القيادات الرئيسية وحتى برلمان كوردستان الى كركوك ….. وميدانيا كانت عليها ان تخصص سيارات النقل التي حضرت الى كركوك لنهب المدينة القيام بنقل وإرجاع المستوطنين الى مدنهم الأصلية (كما حدث في خانقين) وتذكيرهم بان عصر الاستيطان قد ولى مع انتهاء النظام وعلى المستوطنين الاعتذار لأهل المدينة بما اقترفوه من ذنوب والرحيل الى مدنهم الأصلية غير مأسوف عليهم.

ثالثا…. التعامل مع الوضع المحلي
إن ما آل إليه الوضع الميداني في كركوك(اضافة الى الصراع الحزبي بين الحزبين)… كان أيضا بسبب بعض التصريحات (السمحاء) السخية والكريمة من قبل بعض القيادات الكوردية (مشروع بروكسل) ,والنزوع إلى القانون او انتظار صدور الدستور الدائم (كأن المستوطنين قد حضروا الى كركوك بنصوص دستورية مشروعة) وليس كأدوات رخيصة بأيدي النظام السابق وأجهزته القمعية وليس من اجل الطمع والسحت الحرام……وكان الاحرى بتلك القيادات ان تفرض على الامريكان وبدون تردد او انتظار , بإلحاق الأقضية والنواحي التي سلخت من كركوك مباشرة الى مجلس المحافظة أي كان على ممثلي أقضية (جمجمال وكفري وطوز وكلار) الجلوس في مجلس المحافظة اسوة بممثلي الحويجة وقضاء المركز ومنذ اليوم الاول للدخول الى المدينة, وليس الانتظار لعدة اشهر لغاية صدور قانون ادارة الدولة والتي نصت في بعض فقراتها على حل قضية كركوك ولكن وبشكل ناقص متناقض (الفقرة 58 والفقرة 53) مثلا فيما يخص مسالة عودة الاقضية والنواحي وكانت تتضمن ثغرات كبيرة لم تكن ابدا لصالح الكورد الجهة المظلومة في معادلة تعريب كركوك , ومن ثم انتظار سنتين لحين صدور الدستور الدائم وتثبيت آلية حل المشكلة بموجب الفقرة 140 والتي تآكلت بسبب التسويف وبسبب عدم وجود الجرأة السياسية والغيرة القومية لدى ساسة الكورد ليقولوا كلمتهم الفصل للساسة العراقيين المتنفذين , كفاكم كذبا ونفاقا وتسويفا لقضية من أعدل القضايا في العراق وأكثرها وضوحا , وبالتالي ان الحل الوحيد الممكن الآن هو ان يتركوا مناصبهم وكراسيهم الوثيرة في بغداد والعودة الى أحضان شعبهم فخورين ويثبتوا بأنهم قد فضّلوا المصلحة القومية على المصلحة الشخصية الضيقة والأنانية, وقبلوا ان يرجعوا ثوارا كما كانوا بدلا ان يكونوا تجارا كما هم الآن .