الرئيسية » مقالات » البحث عن (سادة ديمقراطيين)

البحث عن (سادة ديمقراطيين)

بعد سقوط الصيغة الستالينية أو البيروقراطية للماركسية و انكشاف تهافت الأنظمة القومية كان من الطبيعي أن يقوم القسم الأكبر من النخبة بفك ارتباطه سواء بالماركسية السوفيتية أو بالقومية , هناك قسم آخر إما يشكل جزءا من أجهزة النظام الإعلامية أو الثقافية أو أنه قرر أن ينتظر تغير الظروف من جديد مقتنعا بأن الماركسية السوفيتية ستعود من جديد إلى الواجهة و أن الخيارات الموجودة ستفشل بلا شك و هذا أيضا للغرابة حقيقة ممكنة..كان هذا الطلاق منطقي لكن ما تلاه كان مجرد انتقال ميكانيكي إلى الطرف المقابل “المنتصر” و “الأقوى” , خاصة مع طريقة تعاطي النخبة مع أطروحات إدارة بوش من الحروب الاستباقية إلى التدخل المباشر التي أثارت نفورا حتى من قوى لا يمكن اتهامها أنها ليست “ليبرالية” في أوروبا الغربية مثلا , إن هذه النخبة تسير تماما على طريق “أوروبا الشابة” حسب وصف كبار موظفي إدارة بوش..لم تكن الماركسية السوفيتية و لا القومية إلا خطاب النخبة نفسها , و كانت في ذلك الوقت طريق أقسام منها إلى السلطة..هذا بالتأكيد واحد من الأسباب التي تفسر هذه العزلة الصريحة للنخبة عن الشارع..إن إهالة التراب على الماضي الإيديولوجي لهذه النخبة لا يمكن أن يلغي مسؤوليتها عن صعود إيديولوجيات كالستالينية أو القومية , كانت النخبة تدعي يومها أنها اكتشفت المفتاح السحري لكل مشاكلنا و كانت الجماهير في تفاعل كبير و ربما غير مسبوق مع أطروحاتها تشارك إما مباشرة أو تقبل أن تبقى صامتة في مواجهة ما تتعرض له , يجب أن نقر جميعا أن الفترة الأولى من صعود التيارات القومية اعتمدت أساسا على حركة هائلة في الشارع انتهت إلى تقزيم كبير لسائر القوى و التيارات السياسية..اليوم أيضا تعتبر النخبة أنها وجدت ذلك المفتاح السحري منشغلة أساسا في دفن تاريخها الإيديولوجي بأسوأ عبارات النقد و البراءة منه..هناك نقطتان أساسيتان تتشابهان بين الماضي و اليوم : الطابع النخبوي لمجمل فعل و جهد النخبة من جهة و إصرارها على رفض الاختلاف , الاختلاف مع الآخر الخصم أو النقيض , باختصار إصرارها على وحدانية الحقيقة و نخبويتها..كان الحديث و ما يزال يدور عن اختيار أفضل “السادة” من جهة , و من جهة أخرى عن اكتشاف الحقيقة الدامغة التي تستوعب الحياة و حمايتها بإطار تكفيري صارم..تقول النخبة اليوم أنها دمقرطت لكن على طريقتها الخاصة , دمقرطت النخبة بأن قبلت الأحادية الأمريكية أو الأصولية بل و بدأت تعتبر أيا منها الشكل الحقيقي للديمقراطية الذي يشكل أي رفض أو نقد لها كفرا من نوع جديد على نحو ما و قديم من جهة أخرى , كفر يرتبط بخصمها الذي ليس إلا ماضيها هي بالذات..لا يريد أحد في الشرق اليوم تثوير الجماهير , على العكس تماما !..الديمقراطية كما يروج لها تبدأ كما تنتهي عندما يتوجه هؤلاء الناس إلى صناديق الاقتراع كل عدة سنوات ليختاروا بين الاحتمالات التي تفرضها ظروف سياسية و اقتصادية و اجتماعية سائدة تعطى هي أيضا صفة الإطلاق و توضع خارج احتمالات أو إمكانيات التغيير البشري..النخبة من جديد تقدس القوة و تضعها في مقام الحقيقة و تنصح الجماهير من جديد بالخضوع للسادة الجدد , الديمقراطيين هذه المرة , إنهم لا يتوقفوا عن التأكيد أنهم ديمقراطيون , إنهم يقسمون أنهم ديمقراطيون , إنهم أفضل سادة على الإطلاق , “إننا نستحق أخيرا هكذا سادة” , هذه هي الديمقراطية التي تحمل ملامح لا تخفى على أحد من الماضي القريب , لا جديد هنا بالنسبة للجماهير , هناك سادة و ما يطلب منهم لا يتجاوز ما طلب منهم عبر قرون طويلة , حتى الأسماء هي نفسها , حتى الأسماء لم تتغير , ما تغير هو كلامها بين الماضي و الحاضر , و ربما في المستقبل أيضا…..