الرئيسية » مقالات » القذافي بعد نجاد

القذافي بعد نجاد

الأسطورة التي ينسجها الغرب عن علاقته بالشرق غريبة جدا في أنها تحتاج , إن لم تكن تعتمد , على حضور أشخاص مثل القذافي و أحمدي نجاد..منظرو الإمبراطورية في إطار إصرارهم على الدور التنويري للتدخل الغربي المباشر في حياة الشرق طوروا هذه المرة صورة الشرق من صورة عالم غارق في التخلف ينتظر قدوم المستعمرين حاملين إليه الحضارة إلى صورة الشرق الذي يحكمه الطغاة , و هي صورة صحيحة جدا بالمناسبة..من المؤكد أنه كلما كان الطاغية متعجرفا و غريب الأطوار كلما كان مناسبا أكثر لهذه الصورة التي يكملها هنا بالضرورة رجل المارينز حامل الديمقراطية هذه المرة..و يبدو أن واضعي هذه الصورة لا ينزعجون أبدا من “النقد” العنيف الذي يمارسه هؤلاء الطغاة لسياسات الغرب المنافقة , إنها في الحقيقة مطلوبة لأنها تساعد في تأكيد حالة التناقض بين هذا الطاغية و بين الغرب أمام شعوب العالم الثالث المقصودة..كانت عينا ساركوزي تلمعان تقريبا في اللحظة التي جرى فيها التوقيع على عقد شراء الإير باص و الرافال , في سبيل هذه اللحظة تحديدا كان القذافي ضيفا استحق كل هذا التقدير من مضيفيه..تستطيع الأنظمة بالمقابل أن تلعب نفس اللعبة و لو أنها تلعبها بفشل متزايد , يستطيع القذافي أن يطالب ساركوزي بتحسين معاملته للأفارقة القاطنين في فرنسا , و لو أن ساركوزي لا يرى أية مشكلة اجتماعية في احتجاجات الضواحي , إنها مشكلة مشاغبين فقط و بالتالي فالحل الأمثل لمثل هذه الاحتجاجات يتمثل في التدخل “المناسب” للشرطة و القضاء..في الحقيقة لم يكن القذافي ليتذكر الطريقة التي يعامل بها الأفارقة في فرنسا لولا النقد الذي تعرض له من الصحافة “الليبرالية” , تماما كما قام مستضيفه بالتغاضي عن كل مثالب الضيف القادم في سبيل الحصول على المليارات التي وعد بها..لكن القضية المفضلة لزوار عواصم الغرب عادة هي القضية الفلسطينية , من النادر أن يمر أي “زعيم” أو “قائد” عربي في أية عاصمة أوروبية أو غربية دون أن يتعرض لهذه القضية سواء أكان من المعتدلين أو من المتطرفين حسب المفهوم الرايسي..يختار نجاد مثلا الحديث عن “أكذوبة” المحرقة و في بعض الأحيان , حسب سخونة الجو السياسي , الحديث عن تدمير دولة إسرائيل..حتى المعتدلين العرب يتحدثون بغضب أو بنزق عن فلسطين رغم أن الوضع يختلف تماما عندما يتحدثون عن نفس الموضوع مع السيدة رايس مثلا أو حتى السيد أولمرت , يبدو الوضع كمن يريد أن يتغدى بالذي أمامه قبل أن يتعشى هو به..لكن سرعان ما ينسى كل من الطرفين كل ذلك الحديث عن الديمقراطية و عن فلسطين بمجرد أن يحصل ساركوزي على المال مقابل أحدث الطائرات المقاتلة و بمجرد أن يعود “الزعيم” إلى عرشه..لم يضرب صدام حسين إسرائيل بالصواريخ إلا عندما أراد أن يدافع عن احتلاله للكويت , و لن يهاجم نجادي إسرائيل مهما فعل أولمرت و من بعده بالفلسطينيين , طبعا سيستنكر , مثل المعتدلين على أغلب الظن , المجازر الإسرائيلية , على العكس تماما إذا ما تعرض للهجوم من قبل أمريكا , لا تتحول إسرائيل إلى هدف فعلي إلا إذا تعرض “الزعماء” في منطقتنا لخطر جدي..لكن عندما يصبح الدور على جائزة نوبل مثلا للسلام سيختار “المحكمون” شخصية كالممثل الأمريكي جورج كلوني بسبب دوره في أزمة دارفور..هكذا ببساطة يبرئ سادة الغرب أنفسهم من جريرة ما نتعرض له بل و يبدو و كأنهم ينتصرون للديمقراطية في كل مرة يعتدون فيها علينا , بكل بساطة بسبب وجود أمثال القذافي و نجاد..في النهاية لا عزاء لا لأبناء الضواحي و لا لأبناء دارفور و لا العراق , ما دامت أرباح شركات إنتاج الطائرات و عروش كبار الطغاة في عالمنا , النظام الذي يستمر و سيستمر في طحن عظامنا تحت كل هذا القهر , بخير……