الرئيسية » مقالات » متابعة لأحداث سياسية ملتهبة تثير قلق العالم

متابعة لأحداث سياسية ملتهبة تثير قلق العالم

تشهد منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا الكثير من الأحداث الداخلية المتزايدة تعقيداً , والتي تتخذ يوماً بعد آخر أبعاداً جديدة وتنشأ عنها مخاطر ومواقد نزاعات أهلية وحروب إقليمية جديدة مقترنة بتحرك وتدخل إقليمي ودولي في الشئون الداخلية لهذه البلدان , إضافة إلى الصراعات الأساسية الجارية على السلطة وعلى تحديد وجهة التطور فيها. وتقدم لنا المشكلات التالية بعض أوجه الخارطة السياسية المعقدة مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستديم , والصراعات الجارية في لبنان , والإرهاب الدموي والصراع الطائفي في العراق , واستمرار نشاط طالبان في أفغانستان , والتطورات الجديدة في باكستان , إضافة إلى مشكلات السودان والعلاقات المحتدمة بين إيران من جهة , والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ووكالة الطاقة الدولية من جهة أخرى بشأن الملف النووي الإيراني, إضافة إلى تفاقم الصراعات الداخلية في إيران. وقد تركت قرار الحكومة ومجلس النواب في تركيا بالتدخل في الشأن العراقي وتهديدها المستمر بالتجاوز على الاستقلال والسيادة الوطنية للعراق بحجة مطاردة حزب العمال الكردستاني موقداً جديداً للتوتر ومخاطر اندلاع قتال غير محسوب العواقب بين البلدين.
سنحاول في هذا المتابعة السياسية تتبع بعض الأحداث المهمة التي لها تأثير بالغ على الوضع في منطقة الشرق الأوسط وعلى الدول العربية والإسلامية وعلى شعوبها في منطقة بالغة التوتر والحساسية والجالسة على بحر من النفط الخام القابل للاشتعال في كل لحظة.
سنتناول في هذه المتابعة أحداث جارية حالياً في كل من باكستان ولبنان وفلسطين , إضافة إلى العراق ومشكلة الملف النووي الإيراني.

الصراع بين الأكثرية والأقلية اللبنانية إلى أين؟

يحتدم الصراع في لبنان بين الأكثرية النيابية الرافضة للخيمة السورية – الإيرانية على لبنان , والأقلية النيابية الداعية إلى حماية سورية للبنان بدعم من إيران وجعلها موقعاً متقدماً للصراع مع إسرائيل. وقد تفاقم هذا الصراع الذي اقترن بالعنف إلى أن وجد نواب الأكثرية أنفسهم مجبرين على البقاء في فندق طيلة الفترة المتبقية لانتخاب رئيس الجمهورية لكي لا يتم اغتيال المزيد منهم بأمل تغيير التوازن بين الأكثرية والأقلية لصالح الأخيرة. وفي واقع الحال تعطلت الحياة السياسية والدستورية في لبنان حتى قبل الحرب بين إسرائيل وحزب الله التي فرضت على لبنان وتحمل خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والأموال بسبب السياسة التي يمارسها حزب الله بدعم وتأييد واسعين من الحكومتين السورية والإيرانية. وقد أصبح حزب الله بلبنان يمتلك مجندين في ميلشياته وأسلحة تضاهي القوات اللبنانية من حيث العدد والتدريب والتسلح. وهذه الأقلية اللبنانية في المجلس النيابي تهدد باستخدام القوة العسكرية في حالة محاولة انتخاب رئيس جمهورية جديد لا يتناغم مع رأيها ومصالحها , كما هو الرئيس أمين لحود.
لقد فجر تنظيم فتح الإسلام معارك مخيم نهر البارد في شمال لبنان وقتل العديد من السياسيين والإعلاميين والنواب الذين يرتبطون بالأكثرية ويرفضون الوجود والتدخل السوري بلبنان ويرفضون الوصاية التي تمارسها إيران على لبنان وقرارها السياسي من خلال حزب الله. ويصعب معرفة العواقب المترتبة عن هذا الصراع الذي أدخل لبنان في حالة شلل بسبب سياسات ومواقف حزب الله في السياسة اللبنانية , بما في ذلك شلل الحكومة وتعطل انعقاد مجلس النواب والتهديد المستمر باستخدام القوة واحتمال نشوب معارك جديدة بين لبنان وإسرائيل لأي سبب كان.
وأخيراً دخلت فرنسا , وكذلك الجامعة العربية , على الخط لتساهما معاً في إيجاد حل توافقي لانتخاب رئاسة الجمهورية والحكم في لبنان وحل المليشيات الخاصة التابعة لحزب الله التي تحاول اقتسام السلطة وممارسة مهمة صيانة استقلال والسيادة الوطنية مع الجيش اللبناني الذي يفترض أن يكون هو المسئول المسلح الوحيد عن لبنان وأن تختفي كل القوى المسلحة الأخرى من لبنان , لكي يمكن تجنب أي حرب أهلية جديدة أو تدخل وحرب إسرائيلية لبنانية جديدة لا يمكن للبنان أن يتحمل عواقبها بشرياً واقتصادياً ومالياً. إن التحالف الشيعي – المسيحي القائم الذي يمثله حزب الله وحزب آمل من جهة , والحزب الوطني الحر لميشيل عون , وبالتعاون مع سوريا مباشرة وبصورة غير مباشرة مع إيران , يُتهم من مجموعة الأكثرية (14 آذار) بأنه وراء خمس مسائل حصلت خلال هذين العامين , هي:
1. قتل المزيد من السياسيين والنواب والإعلاميين من قوى الأكثرية (14 آذار).
2. نشوب حرب غير مبررة مع إسرائيل بعد أسر لجنديين إسرائيليين من جانب ميليشيات حزب الله في لبنان.
3. نشوب القتال في مخيم نهر البارد وما ترتب عن ذلك من دمار وخراب في المنطقة.
4. تعطيل الحياة السياسية في لبنان ومنع كل من إيران وسوريا وحزب الله من الوصول إلى تفاهم سياسي عقلاني حول مختلف القضايا المعلقة , وخاصة موضوع المحكمة الدولية والعلاقة مع سوريا والدول المجاورة.
5. قتل العميد مساعد قائد الجيش اللبناني السيد فرنسوا الحاج المرشح لقيادته بعد احتمال انتخاب القائد الحالي ميشيل سليمان لرئاسة الجمهورية. وهي أخر ضربة قوية توجه للبنان من أجل زعزعة الأمن فيه وتعطيل الحياة السياسية.
يمكن تحقيق التهدئة والتصالح في لبنان ما لم تتوفر إمكانية منع وصول السلاح إلى المليشيات اللبنانية ونزع سلاحها المتراكم أولاً , وإيقاف التدخل السوري في لبنان من خلال الاعتراف بسيادة واستقلال لبنان وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين ثانياً , ودعم المجتمع الدولي لإنجاز محاكمة المتهمين بعمليات القتل في لبنان والجهود المبذولة للتفاهم في لبنان ثالثاً. ويصعب المراهنة على إمكانية إيجاد حلول بهذا الاتجاه , بسبب رغبة دول إقليمية بتشديد الصراع ومنع حصول استقرار وهدوء في المنطقة بأمل التشويش على السياسة الأمريكية لصالح إيران.

النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي وقرب اجتماع أنابوليس

كلما ظهرت بوادر أمل بحل مرتقب للصراع والنزاع العربي الإسرائيلي في فلسطين المحتلة , برزت قوى تتصدى بأساليب وطرق مختلفة لإعاقة السير على طريق الحل النهائي , والعودة إلى نقطة الصفر. هكذا حصل قبل اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين , ومن ثم قبل نهاية ولاية بل كلنتون والمفاوضات بين باراك وعرفات , وهكذا هي الحالة الراهنة حيث عمدت قوات حماس إلى تنفيذ عملية انقلاب سياسي في قطاع غزة وسيطرت على الحكم وانفردت به , وهي توجه يومياً ضربات قاسية لفتح وبقية فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. وفي المقابل تعمد قوى اليمين واليمين المتطرف الإسرائيلي إلى إثارة المزيد من التعقيدات في طريق المفاوضات الجارية بين أولمرت وعباس لعرقلة السير على طريق إسحاق رابين – عرفات. لقد بدا لنسبة غير قليلة من الدول بأن جورج دبليو بوش يريد أن يجد حلاً معيناً للقضية الفلسطينية قبل نهاية ولايته التي شهدت الكثير من الإخفاقات على صعيد السياسة الخارجية من خلال الدعوة إلى مؤتمر يعقد في مدينة أنابوليس الأمريكية وبحضور عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية والدول ذات العلاقة بالمشاكل مع إسرائيل مثل سوريا ولبنان , إضافة إلى مصر والسعودية والأردن.
يقف العالم أمام لغز غريب , ولكنه غير محير حين يعرف الإنسان الدواعي المسبب لهذا اللغز. فمن تابع الوضع الإسرائيلي – الفلسطيني خلال العقود المنصرمة سيجد نفسه أمام قوى اليمين القومي واليهودي المتطرف الإسرائيلي من جهة , واليمين القومي العربي والإسلامي المتشدد من جهة أخرى , تلعب دوراً فاعلاً في إعاقة الوصول إلى حلول عملية للقضية الفلسطينية. ولكن الفارق كبير في النتائج والعواقب بالنسبة إلى إسرائيل والشعب الفلسطيني. ففي الوقت الذي تكسب إسرائيل من المتشددين في الطرفين , إذ تزيد من مستوطناتها وتوسع من مساحتها , يقود التشدد لدى الطرفين إلى تحمل الشعب الفلسطيني عواقب سيئة تتمثل بفقدانه المزيد من الأراضي وتقلص المساحة المتبقية لفلسطين من أصل فلسطين بعد التقسيم الأول في العام. ورغم ذلك يصر القوميون والإسلاميون السياسيون المتطرفون العرب وغير العرب على مواقفهم المعروفة بالرفض أو اللاءات , وهم بذلك يخدمون , شأوا ذلك أم أبوا , اليمين الإسرائيلي المتشدد. إن الوهم السائد لدى القوى القومية العربية والإسلامية اليمينية المتشددة بأن الرفض يسهم في تعقيد المشكلة وتقود إلى حرب شاملة يكون في مقدور العرب الإجهاز النهائي على إسرائيل وقذف سكانها اليهود في البحر واسترداد الأرض كلها! وهو وهم قاتل ومضيع حقاً مما تبقى من فلسطين إن واصلت هذه القوى غير المسئولة سياستها المعرقلة والمتوافقة مع سياسة اليمين الإسرائيلي المتطرف من حل المشكلة وفق خارطة الطريق والمقترحات التي قدمها الأمير عبد الله في حينها.
تبذل قوى حماس في غزة وحكومة هنَّية المعزولة من قبل الرئيس عباس المزيد من الجهد لتشديد الصراع مع فتح والعمل لنقله إلى الضفة الغربية. وتجابه هذه المحاولات برد فعل معاكس من جانب الحكومة الشرعية وفصائل منظمة التحرير. ويبدو بوضوح أن الدماء بدأت تسيل بين الطرفين بعد ذلك الانقلاب البائس , حيث قتل سبعة أشخاص في الاحتفال ألتأبيني في الذكرى الثالثة على وفاة ياسر عرفات الذي أقامته منظمة التحرير الفلسطينية وفتح في قطاع غزة , على أيدي القوة التنفيذية التي تعود لحماس وحكومة بهية غير الشرعية والتي بدأت برمي المجتمعين بالرصاص من بنادقها الرشاشة وشتت المجتمعين وأنهت الاحتفال ألتأبيني بأسلوب بوليسي مشين.
سوف يصعب إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية في حالة استمرار الخلاف بين فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية من جهة , وحماس من جهة أخرى , إذ من غير المعقول أن تبقى حكومة غير شرعية في غزة تعيق تنفيذ أي اتفاق من خلال الاستمرار بإرسال الصواريخ إلى المدن والقرى الإسرائيلية من مجموعات مختلفة , وقيام إسرائيل بالرد وقتل الأبرياء من الفلسطينيين , وحكومة أخرى في الضفة الغربية تريد التفاوض لإقامة سلم دائم وعادل مع إسرائيل. إن الحل يتطلب أولاً وقبل كل شيء معالجة قضية حماس وهيمنتها على غزة , لكي يمكن مفاوضة إسرائيل بوفد واحد ولسان واحد وبرنامج واحد لا غير. على الفلسطينيين أن لا يضيعوا هذه الفرصة , حتى لو كان أمل الوصول إلى حل نهائي غير سهل وصعب المنال. ويبدو للمتتبع أن الصراع بين الطرفين , إن لم يجد مساومة له خلال الفترة القادمة يمكن أن يحل بأساليب أخرى تثير قلقاً في الأوساط الفلسطينية , إذ أن هذا الصراع سينتقل إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان وغيرها ايضاً.

هل من حل لصراع القوى على السلطة في باكستان؟

شهدت الأشهر الأخيرة تصعيداً كبيراً في نهج المعارضة السياسية الباكستانية للنهج السياسي الذي يمارسه برويز مشرف. إلا أن المعارضة الباكستانية موزعة من حيث المبدأ على تيارين كبيرين , وهما :
1. القوى الإسلامية السياسية المرتبطة بالمدارس الدينية المشحونة بنهج طالبان وتنظيم القاعدة والكثير من القوى الأخرى المتطرفة التي تسعى إلى إقامة دولة إسلامية سلفية وأصولية بالية في باكستان. وتتشكل المعارضة الإسلامية من ستة أحزاب إسلامية بقيادة مجلس العمل الموحد.
2. القوى السياسية الديمقراطية والعلمانية وقوى إسلامية ديمقراطية معتدلة ويسارية التي ترفض النهج العسكري غير الديمقراطي للحكومة والذي تعتبره أحد عوامل تفاقم وتنامي قوى التشدد الإسلامية المتطرفة , ولكنها في الوقت نفسه ترفض نهج قوى الإسلام السياسي المتطرفة.
وبين هذين التيارين تقف حكومة مشرف. فهي تخشى من اليمين الديني المتطرف , ولكنها تخشى , وربما أكثر , من تلك القوى الديمقراطية والعلمانية التي يرى فيها منافساً له في الحكم , ومنهم السيدة بونظير بوتو ونواز شريف رئيس الحكومة السابق الذي أطاح به برويز مشرف.
تؤكد المعارضة السياسية غير الدينية لنهج برويز مشرف على أنه يمارس سياسة عسكرية استبدادية مرفوضة من قبل الشعب ومخالفة للدستور الباكستاني وتساهم في تنشيط قوى الإسلام السياسي المتطرفة , وبالتالي لا بد لمشرف أن يتنازل عن قيادة القوات المسلحة وأن يبقى رئيساً مدنياً للجمهورية. وحين أعلن مشرف حالة الطارئ في البلاد واعتقل المزيد من الشخصيات السياسية في صف المعارضة وفرض الإقامة الجبرية على بونظير بوتو , أعلنت قوى المعارضة السياسية تأكيدها بضرورة تخلي مشرف عن رئاسة الجمهورية أيضاً وفتح الباب أمام انتخابات حرة وديمقراطية. وقد ساندت الكثير من دول العالم , ومنها الولايات المتحدة , سياسة قوى المعارضة العلمانية ورفضت فرض حالة الطوارئ وتأجيل الانتخابات العامة خشية منها على سيادة الفوضى السياسية في باكستان , وما يمكن أن يحصل للسلاح النووي الموجود فيها , خاصة وأن أنصار تنظيم القاعدة وأتباع ومؤيدي طالبان بهم نفوذ واسع في المدارس الدينية وفي المشايخ والعشائر الباكستانية.
لم يستطع مشرف أن يحكم باكستان بهذه الطريقة وكان عليه أن يتخلى عن قيادة القوات المسلحة وأن يبقى رئيساً للجمهورية للفترة المقبلة ورفع حالة الطوارئ وإجراء انتخابات حرة وديمقراطية وتعبئة قوى الشعب والأحزاب السياسية من اجل مواجهة القوى السلفية المتطرفة والإرهابية التي تريد السيطرة على الحكم أو إشاعة الفوضى في البلاد. وهو ما قام به أخيراً , وتقع على عاتقه الآن أن يحافظ على الشرعية ويترك الانتخابات تقرر الجهة التي يمكن أن تصل إلى الأكثرية النيابية وتقرر طبيعة الحكومة اقادمة.
وقد تخلت رئيسة حزب الشعب عن المطالبة باستقالة برويز مشرف , وهي بادرة إيجابية بشأن تهدئة الأوضاع الداخلية لضمان حسن سير و إذ أن ما تحتاجه باكستان اليوم هو الهدوء والاستقرار لخوض الانتخابات بحرية وإجراء أي تغيير ينشده الشعب لمواجهة استحقاقات الفترة القادمة ومواجهة الإرهاب والفقر الذي تعاني منهما الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة وما يزال عمل الأطفال يدمر حياة الملايين من أطفال باكستان.

الملف النووي الإيراني والصراع الداخلي
تسبب الملف النووي الإيراني في بروز إشكاليات كبيرة لإيران على الصعيد الدولي ومع وكالة الطاقة الدولية التي اكتشفت أن إيران كانت تقوم بعمليات تخصيب اليورانيوم بصورة سرية وبعيدة عن مراقبة الوكالة رغم كونها عضوا في الوكالة وموقعة على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية. وقد تسبب هذا الموقف بضعف الثقة بإيران ونشأت بعض الشكوك حول أنشطة إيران النووية وسعيها إلى امتلاك السلاح النووي. وقد تفاقم هذا الصراع بسبب دخول الولايات المتحدة على الخط بسبب خشيتها من اتساع التنافس على امتلاك السلاح النووي من جهة , ووجودها بيد إيران ذات النزعة المعروفة بتصدير الثروة وإشاعة العنف في التعامل مع إسرائيل من جهة أخرى. وحين وصول السيد أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهوري اتخذ الصراع تفاقماً ملموساً بسبب إصرار إيران على زيادة عمليات تخصيب اليورانيوم وضعف المبادرة في التعاون مع وكالة الطاقة الدولية مما أدى إلى صدور قرارين عن مجلس الأمن الدولي يدعوان إيران إلى إيقاف تخصيب اليورانيوم والحصول عليه للأغراض السلمية من روسيا. إلا أن إيران ترفض ذلك ومصرة على الاستمرار بتخصيب اليورانيوم. واليوم يقف العالم أمام سعي واضح في مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار جديد تحت البند السابع الذي يسمح باستخدام مختلف الأساليب لفرض إيقاف تخصيب اليورانيوم في إيران. تقف كل من روسيا والصين ضد إصدار مثل هذا القرار حتى الآن لأسباب كثيرة , ولكن بشكل خاص بسبب اعتماد الصين على نسبة مهمة من نفط إيران وإلى توظيفات مالية جديدة في قطاع استخراج النفط الخام في إيران , في حين تقاوم روسيا مثل هذا القرار بقوة اقل لأنها تريد مساومة الولايات المتحدة بالكف عن إقامة ونصب قواعد صواريخ دفاعية مضادة في كل من بولندا والتشيك , إضافة إلى كون روسيا تقيم المفاعل النووي في مدينة بوشهر على الخليج في إيران وخشية العرب منه ومنن إشعاعاته ومن مخاطر امتلاك إيران للسلاح النووي.
لقد بدأت قرارات مجلس الأمن الدولي وقرارات الولايات المتحدة في إنزال العقوبات الاقتصادية ضد إيران تظهر عواقبها السلبية على الاقتصاد الإيراني وعلى المجتمع من خلال تفاقم أزمة البنزين والوقود الأخرى وتنامي التضخم وارتفاع سريع في أسعار السلع والخدمات وتنامي حجم البطالة والفقر بين المزيد من فئات المجتمع في مقابل غنى فئات أخرى وبروز صارخ للفساد المالي والإداري. وبدأت الصناعة الإيرانية تعاني من مشكلات جديدة , وستزداد في حالة تنفيذ قرارات العقوبات الاقتصادية الجديدة المحتملة وتجميد الأموال الإيرانية المودعة في المصارف الأجنبية وإيقاف التبادل التجاري مع إيران لفرض إيقاف تخصيب اليورانيوم عليها , ثم تنعكس على قدرتها على تزويد السوق المحلي بالسلع وكذلك تراجع الإنتاج الزراعي. ويمكن أن يؤثر ذلك على قطاع النفط الخام , وهو ممول رئيسي للموارد المالية لخزينة الدولة وميزانية التنمية.
الصراع الدولي وتجلياته على الواقع الاقتصادي الإيراني قد رفع وشدد من الصراع الداخلي بين الأجنحة السياسية المختلفة في إطار قوى الإسلام السياسي الحاكمة في إيران , إضافة إلى تنامي دور الطلية والمثقفين العلمانيين واحتجاجاتهم ضد سياسة أحمدي نجاد المحافظة.
وخلال الأسابيع المنصرمة تصاعد الصراع في إيران بين الجناح الإصلاحي الذي يشارك فيه السيدان محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني ومجموعة من النواب والسياسيين وخاصة بين الطلبة والمثقفين والنساء , الذي يجد التأييد الواسع من أوساط اجتماعية متزايدة في المدينة والريف نتيجة بروز مظاهر أزمة اقتصادية , في حين يترأس الجناح الأخر محمود أحمدي نجاد المعبر عن سياسات ومواقف الحرس الثوري الإيراني وجمهرة من أعضاء المجلس النيابي والوزراء والمسئولين في الدولة والمحافظين المتشددين في الحوزات الدينية. وقد اشتد هذا الصراع في الآونة الأخيرة بسبب قرب الانتخابات العامة التي , كما يبدو , ستغير من ميزان القوى الراهن لصالح الإصلاحيين وضد المحافظين , رغم أنها لن تكون انقلاباً تاماً على قوى المحافظين. ولكنها ستسمح بانتهاج سياسة جديدة تضعف من شراسة التيار اليميني المحافظ المهيمن على الحكومة ومجلس النواب حالياً وتسهم في التخفيف من حدة أزمة الملف النووي.
إن اللغة غير الدبلوماسية والخشنة التي يستخدمها أحمدي نجاد , كما تشير إلى ذلك الصحف العالمية , في مواجهة رفض العالم للملف النووي الإيراني والإصرار على توسيع عمليات تخصيب اليورانيوم , أو التدخل في الشأن اللبناني والفلسطيني أو العراقي تثير كلها قلق العالم وتذكر الكثير من الحكومات بأن العنجهية التي مارسها صدام حسين ونتيجته المعروفة والخشية من أن يمارس الرئيس الإيراني الحالي نفس النهج إذ لن يقود ذلك إيران إلى ما يحمد عقباه , بل العكس هو الصحيح. لكن الرئيس الإيراني مصمم على مواصلة هذا النهج ويبدو أنه وصل إلى السلطة لهذا الغرض أساساً , ولكنه سوف لن يحقق لشعب الإيراني ما يصبو إليه.
إن تقارير ومقالات الصحف العالمية والإقليمية تشير بما لا يقبل الخطأ إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت خطة متكاملة , في حالة تمادي إيران بملفها النووي ورفضها الانصياع لقرارات مجلس الأمن ووكالة الطاقة الدولية , لشن موجات من الغارات الجوية والصواريخ التي تنطلق من الطائرات والبوارج الحربية لضرب أهم وأكثر المواقع النووية والعسكرية حساسية في إيران , سواء أكان ذلك بالنسبة إلى المفاعلات النووية ومواقع تخصيب اليورانيوم وقواعد نصب وإطلاق الصواريخ الإيرانية والقوة الجوية ومراكز تجمعات الحرس الثوري …الخ , كما أنها اتخذت الاحتياط الضروري حتى الآن لحماية قواتها والقوى الحليفة لها في العراق وفي الخليج وفي إسرائيل من خلال زيادة نصب قواعد باتريوت المضادة للصواريخ الإيرانية أو صورايخ حزب الله في لبنان الحليف لإيران في المنطقة.
لا شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك مصاعب وتعقيدات شن مثل هذه الحملات ضد إيران في المرحلة الراهنة , ولكن البيت الأبيض , كما يبدو , مصراً على منع إيران من امتلاك السلاح النووي ولن ينفع نفي إيران ذلك ما دامت لا تتعاون كفاية مع وكالة الطاقة النووية ومجلس الأمن الدولي. ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تنف الحل الدبلوماسي وتتحدث عنه باعتباره الخيار الأفضل , ولكنها لا تنفي الخيار العسكري بعد أن شارك رئيس الجمهورية الفرنسية الجديد ساركوزي الولايات المتحدة قلقها من الملف النووي الإيراني , وشاركت ألمانيا رغبة الولايات المتحدة بإصدار قرار جديد عن مجلس الأمن الدولي يلزم إيران تحت البند السابع بالكف عن تخصيب اليورانيوم. وفي مقابل هذا صرح السيد أحمدي نجاد متحدياً الولايات المتحدة بقوله ” اعتقد بأن الولايات المتحدة غير قادرة حالياً على توجيه ضربة لإيران , إذ أن رد الشعب الإيراني سيكون قاسياً وسيندمون عليه”.
إن منطقة الشرق الأوسط وغرب أسيا حافلة بالمشكلات والتعقيدات التي تنطلق في واقع الحال من تفاقم النهج العدواني للتيار الإسلامي السياسي المتطرف والإرهابي في بلدان هاتين المنطقتين وما يمكن أن يؤول إليه الوضع في حالة وقوع إحدى هذه الدول في أيدي القوى المتطرفة أو امتلاكها للسلاح النووي أو الأسلحة الأخرى المحرمة دولياً من جهة ولكنه يشير إلى إصرار الولايات المتحدة على ممارسة سياسة القوة بدلاً من الدبلوماسية الهادئة لمعالجة المشكلات القائمة , وهي جزء من عقدية اللبرالية الجديدة والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة من جهة أخرى , وهي تشكل مخاطر جدية على الأمن والسلام في العالم .
كانون الأول /ديسمبر 2007 كاظم حبيب