الرئيسية » مقالات » كوابيس واحلام دعاء امرأة!

كوابيس واحلام دعاء امرأة!

إقرأوا هذه الرسالة التي وصلتني من فتاة اعرفها، تقول: ربّما اقتل في أية لحظة. أنا لا أحرّضك على الكتابة. فقط أودعك. أقول لك: إنْ حدث لي مكروه سيبلغك أحد الأصدقاء بخبري. كان لي شرف التعرف اليك، والاستفادة من كلماتك، لم أستطع التواصل مع غيرك. لا أكذب عليك، حاولت فما استطعت. حتى اللحظة انا بخير. أود أنْ أبقى بخير حتى أراك. إن أصابني شيء من نثار الموت في بلدي الأصيل القتيل، لا تحزن علي، وتذكر فقط الجميل مني. لا تبك كثيرا، يكفيك بكاؤك اخوتك الأربعة. إنْ وصلك خبري، إذهب الى المقبرة ” أية مقبرة كانت حتى لوكانت مقبرة تايتانك”، وضع باقة من زهور الكاردينيا او النرجس البري الأبيض على قبر أية امرأة “حتى لوكانت روز حبيبة جاك”. انا متشائمة جدا. أليس كذلك؟. هذا حال كل العراقيين. إنه وضع العراق بعامة، وبغداد بخاصة. وضع لا يطمئن أبداً ولا يبشر بخير. أنا أتحدث إليك مثلما تتحدث إليك ابنتك، أو صديقتك، لا تهم الصفة، وبودي أن أقول لك: إنّ صديقة اختي أخبرتني أن مديرهم في العمل طلب من الموظفات المكوث في البيت. أخبرهن أنه لن يستقبل إحداهن في العمل بعد اليوم، فهو لا يتحمل مسؤولية مخاطرتهن بحياتهن. قال لهن بالحرف: ابقين في بيوتكن وستصل الرواتب اليكن كل شهر. تصور.. وصلنا الى هذه الحال. أما أنا فلا أعرف متى سيأتيني الأمر بالبقاء في المنزل. ما زلت في عملي. الوضع في الشارع مخيف. مخيف جداً، ثمة أشباح تنتشر في كل مكان، وأنا التي أحمل لقب “الحسيني” لا أدري هل أنا شيعية أم سنية؟ ماذا أقول لهم لو سألوني، فالقتل فعلا صار على الهوية!. سيطرات “نقاط تفتيش” وهمية تطلب من سائق السيارة التوقف ليطلع “نشامى الإسلام” على هويات الركاب، مهما كان عددهم. يُنزلون النساء غير المحجبات، فإما يوسعوهن ضرباً “بالصفعات والجلاليق” ويرموهن، أو يكون نصيب كل منهن “رصاصة في الرأس”. وهي أرحم الحالات طبعا. لذا أطلب من الله الموت ولا العوق. أطلب منه ميتة سريعة، من دون اغتصاب، ولا صفعات ولا “جلاليق” في الشارع وامام الناس. أطلب رصاصة في الرأس. عسى أنْ يستجيب الله لدعائي. لا إله إلا الله. انتهت رسالتها بهذا الدعاء!. ترى ماذا يمكن أنْ أكتب لها؟ ماذا بوسعي أنْ أفعل لكي أشعرها بالأمن والطمأنينة؟ وهل هذان الحالان ممكنان الآن في العراق؟ هل يستطيع أحد إسدال الستار على تاريخ جرمي جديد بحق شعب العراق؟ هل يستطيع أحد تحقيق بعض الأمن للمرأة العراقية؟ ماذا تفعل كل هذه الحشود من رجال المخابرات والأمن والشرطة والجيش؟ أريد أنْ أكشف لكم سرّاً خطيراً -بمناسبة هذا الكلام الخطير- سواء كنتم قادرين على تصديقي أم لا: إن الجهة الوحيدة التي كانت سببا في الضبط الاجتماعي أيام دكتاتورية صدام، هي منظماته حزبه الحاكم. هذه هي الحقيقة. وما كان يفعله الجيش والشرطة وجهاز الامن الخاص وقوات الحرس الجمهوري والمخابرات والأمن وقوات الحدود وغيرها، هو إما الانشغال بواجباتها الخاصة بها أو الاعتماد على الأجهزة الحزبية ومعلوماتها وخبرتها وانتشار منظماتها في طول العراق وعرضه. هذا “السر” يعرفه كل الناس، ولكن ليس جميعهم الآن قادرين على البوح به. إنهم يخافون من التهمة، تهمة الإنتماء إلى حزب الدكتاتور!. لكن الحقيقة هي هذه باختلاف التقييمات. ولهذا يمكننا السؤال: لماذا لم تستطع عشرات الأحزاب الكبيرة المنتشرة الان في العراق، القيام بدور بديل في السيطرة على الأمن الاجتماعي؟ ستقولون إنّ حزب البعث كان حزباً يخدم ارادة الدكتاتور. وسأقول لكم: انسوا الديمقراطية لبعض الوقت، وافرضوا علينا الدكتاتورية الشريفة المؤقتة، لكي يأمن الناس على حياتهم وأعراضهم وأطفالهم وممتلكاتهم، ثم طبقوا الديمقراطية فيما بعد على راحتكم، ففي الحقيقة إنّ الديمقراطية بإزاء الموت الجماعي للعراقيين، لا تعني شيئاً. ويمكنكم بيسر النظر الى الوضع الآمن في كردستان العراق، فما الذي جعل هذا الجزء من العراق يبقى بعيداً جداً عما حدث ويحدث في كل شبر من باقي أراضيه؟ إنها في الحقيقة، ليست الديمقراطية، إنما هي حالة الحكم المركزية المنضبطة، أضف الى ذلك عملية التفاهم التي تمت بين الحزبين الكرديين الرئيسيين. إن متابعة الأوضاع المأساوية الخطيرة في العراق، والتي تهدد بما هو أخطر بكثير، تدفعنا للتفكير بكل شيء، عسى أنْ نهتدي يوما إلى ماهية الحقيقة، التي كانت برغم كل الشيء، تمنع نشوب فوضى الصراعات الحالية التي تنتقل أصداؤها من الغرف المغلقة، لتتحوّل إلى حرب اقتتال تكاد تكون شاملة. أنا أيضاً -كصاحبة الدعاء- أرجو أن أموت برصاصة في الرأس، لكي أنتهي من هذا الحبل السُّري الذي يربطني بحياة لا أشعر إلا أنها مقرفة ونتنة وتافهة المآل. وبصراحة أقول: إذا كان الذين يضربون المرأة العراقية “جلاليق” في الشارع العام إسلاميين، فأنا أول المرتدين عن دينهم هذا!! كذبوا والله، وستفضحهم نساء العراق ذات يوم، ولا أقول رجال العراق، فأين هم؟؟!!