الرئيسية » مقالات » حج مبرور وسعي مشكور وتجارة لن تبور- ألنواب والنصاب

حج مبرور وسعي مشكور وتجارة لن تبور- ألنواب والنصاب

يتناقل الشارع العراقي نكتتة هذه ألأيام مفادها أن النصاب القانوني لجلسات مجلس النواب العراقي سيتحقق في مكة وليس في بغداد . وسبب إلتكهن هذا لا يعود فقط إلى حالة عدم تواجد نواب الشعب في محلات عملهم التي إنتخبهم هذا الشعب المسكين لها , ظنآ منه , لطيبته , أنهم سيلتزمون بها , كما وعدوا وأقسموا أغلظ ألأيمان على ذلك في حملاتهم ألإنتخابية , بل لأن عددآ لا يستهان به من نواب الشعب هؤلاء ضربوا بكل القيم الدينية والمهنية والأخلاقية عرض الحائط وتصرفوا تصرفآ فرديآ على حساب المصلحة العامة التي ظلت مكتوفة ألأيدي تجاه هذه التصرفات . ولنحاول على عجالة هنا التطرق إلى ما أشرنا إليه من مخالفة مثل هذه التصرفات أعلاه للقيم والمبادئ الدينية والمهنية والأخلاقية .

لقد سمعنا الكثير من فتاوى المراجع الدينية المختلفة , سنة وشيعة , والتي دعت بكل وضوح وبلغة لا تقبل التأويل والتفسيرإلى عدم جواز ترك النائب في مجلس النواب عمله وعدم جواز إبتعاده عن المساهمة في إتخاذ القرارات التي ينتظرها الشعب من مجلس ممثليه الذين إنتخبهم لهذا الغرض . وقد أكد كثير من المراجع العظام على مسألة الغياب بسبب الحج بشكل خاص وفضلوا العمل تحت قبة البرلمان على الذهاب لإداء فريضة الحج , خاصة بالنسبة لأولئك النواب الحجاج مَثنىَ وثُلاثَ او ما يزيد . وأتفقت آراء المراجع الدينية التي يطبل ويزمر لها النائب الحاج في جلساته الخاصة والعامة , جاعلآ من ألإلتزام بها جزءً من عقيدته وإيمانه , إتفقت على أولوية القيام بالعمل الموكول إلى النائب على أداء فريضة الحج خاصة في هذا الوقت الذي يمر به الوطن وتحت هذه التداعيات التي خوَّل الشعب نائبه للتعامل معها تحت قبة البرلمان . فأين ألإلتزام الديني هنا , أيها النائب المحترم الذي أدرت ظهرك لكل هذه الآراء التي أطلقتها المراجع الدينية وبكل وضوح . وهل أن الوازع الديني هو الذي دفعك حقآ للنتكر لكل هذه الآراء التي لم تصدر عن زيد أو عمر , بل صدرت عمن تتسلق على أفكاره وفتاواه وتعاليمه وتستشهد بما كتب أو قال حينما تريد تبرير عمل ما….أم أن هناك ما هو أقوى من ذلك وأشد…..؟ أجب ناخبيك يرحمك ألله , ايها النائب الحاج . وكما ينطبق هذا التنكر للمبادئ الدينية على النواب الحجاج , فإنه ينطبق أيضآ على نواب السياحة في المصايف والمشاتي البعيدة جدآ عن موقع العمل , وعلى القابعين فعلآ في مراكزهم التجارية في البلدان المجاورة وغير المجاورة , وعلى أولئك المجازين بإجازات مرضية طويلة ألأمد يمارسون من خلالها , وبإسم الدين والعروبة , مختلف ألأساليب الوقحة ضد الشعب العراقي وتوجهاته نحو التحرر من بقايا العصابات البعثفاشية والتوجهات الطائفية والشوفينية المقيتة . كل هؤلاء المتغيبين عن المقاعد البرلمانية التي إنتخبهم الشعب لها لا يتوانون عن البدء بعبارة ” بسم ألله ألرحمن ألرحيم ” قبل كل حديث يتفوهون به أمام الناس, ولم ينسوا وشم جباههم بسيماء كثرة السجود , لكنهم ينسون كل ذلك على حين غرة إذا ما تعلق ألأمر بعمل أُنتُخبوا من أجله ويتقاضون رواتب ومخصصات وحراسات وقصور وسيارات و…و عليه , فهل هذا من الدين بشيئ, أم أنه تبجح بالدين لا أكثر ولا أقل….؟
أما ما يخص الجانب المهني في هذا ألأمر فالمسألة لا تحتاج إلى تعليق طويل , إذ أنها من البديهيات , خاصة لدى أولئك الذين مروا بمثل هذه التجارب المهنية في حياتهم . وربما يكون بعض نوابنا الحجاج معذوريين في هذه الناحية , حيث أنهم لم يعرفوا شيئآ عن ألإنضباط المهني في حياتهم . إذ تشير كافة المعلومات المتوفرة حول حملة الحج لهذا العام بأن رئاسة مجلس البرلمان الموقرة لم تتلق أي طلب بمنح إجازة رسمية لأي نائب بسبب السفر لأداء فريضة الحج . اي أن العمل في هذا المجلس يجري حسب هوى المنتسب بالذهاب أو الغياب , إذ لا آلية يُعمل بها لحد الآن للحد من ظاهرة الغياب التي أصبحت ظاهرة ملازمة لهذا المجلس الذي لا يتحقق النصاب فيه في أكثر ألأحيان بسبب ظاهرة الغياب المستشرية فيه . فالمسألة إذن يفسرها النواب الغائبون الحجاج منهم وغير الحجاج على أنها مسألة تصرف كيفي , إذ أن نائب اليوم كملك ألأمس مصون وغير مسؤول , وليذهب الناخبون إلى الجحيم .

اما ألإنتهاك الخلقي في تصرف كهذا الذي يتنكر لأبسط التعاليم الدينية التي أطلقها القائمون على شؤون الدين والذي لا يتوانى النواب الغائبون عن ألإستشهاد بهم في أحاديثهم , والذي لا يمتثل لعلاقات ومواثيق العمل , فالنائب قد تعهد لناخبيه أن يمثلهم في كل صغيرة وكبيرة من قضاياهم وأقسم اليمين على ذلك ,على أن تدفع له الدولة تعويضات مادية مقابل ذلك , إستمر النائب المتغيب على تسلمها حتى في فترة إنقطاعه عن العمل , هذا ألإنقطاع الذي لا توجد أية موافقات مسبقة فيه لا من الناخب نفسه , من خلال التنطيم ألإداري في مجلس النواب, ولا من خلال تخلي النائب طوعآ عن كل أو جزء مما يتقاضاه طيلة فترة غيابه عن ممارسة عمله بدون عذر. ألا يقع مثل هذا التصرف في مجال الخديعة والكذب والتحايل على القانون واستغلال المنصب والإثراء على حساب الآخرين بتقاضي الرواتب والمخصصات البرلمانية دون القيام بأي عمل في البرلمان , حتى وإن جرى التغيب عن موقع العمل ليوم واحد فقط….؟ أي أخلاق تسمح لإنسان أودعه الناس ثقتهم أن يتصرف بهذه الثقة تصرفآ شخصيآ مستغلآ المنصب الذي أوصله هؤلاء الناس إليه , وأخل باليمين الذي أكد فيه أمام ألله والناس أن يكون حريصآ على هذه الثقة ولا يفرط بها….؟ ألأسئلة التي يمكن أن تطرح في هذا المجال كثيرة وكثيرة جدآ , والنكتة التي يطرحها المواطن العراقي حول إكتمال نصاب مجلس النواب في مكة ما هي إلا إنعكاس بسيط لهذه ألأسئلة.

ألسؤال الأخير الذي تتداوله الناس أيضآ يتعلق بسبب هذه الغيابات في مجلس النواب : هل هو الحج حقآ والحرص على تطبيق التعاليم الدينية ….؟ علمآ أن ظاهرة الحج هذه أخذت تتكرر كل سنة وليس لدى النواب فقط, بل لدى معظم أصحاب النفوذ والسلطة الذين يستصحبون معهم ألمرافقين والخدم والحشم وبعض المقربين من ألأصدقاء والأقارب لتعود بهم الطائرات المحجوزة سلفآ وهي محملة ” بهدايا ” ألحجاج إلى مستقبليهم ومثل هذه الهدايا لا تخضع للتفتيشات الكمركية طبعآ , إذ أن حامليها ليسوا مسؤولين فقط , بل وحجاج أيضآ . أو أنه ألحرص على العراق وأهل العراق حقآ بحيث أن العمل البرلماني لا يستطيع أن يجيده البعض إلا بين ألأشقاء العرب مثلآ وفي عواصمهم أو مراكزهم التجارية التي يلقي عليها النائب نظرة بين فترة وأخرى لا للتجارة , والعياذ بالله , بل لتجميع البضائع وألأموال التي سيدخرها السيد النائب للشعب العراقي في المصارف ألأجنبية, أما رواتبه التي يتقاضاها في العراق كونه عضوآ في المجلس النيابي فلا خوف عليها ولا ضرر من إبقاءها جاهزة للسحب بين فترة وأخرى , سواءً من قبل السيد النائب شخصيآ , حينما يتلطف على الوطن بزيارته بين الحين والحين , أو من يتوكل عنه داخل الوطن . أو أن للغياب أسباب سياسية بحتة يستغل فيها السيد النائب الغائب كل ما يحصل عليه من هذه الصفقة السياسية , التي قد تنتهي بعد أربع سنين , لشتم العراق الجديد والعراقيين الذين إنتخبوا وساندوا العملية السياسية , وليثأر لسقوط البعثفاشية التي كان بالأمس أحد أزلامها الصوالون الجوالون بالدفاع عنها في الفضائيات العربية وغير العربية قبل سقوطها المهين وقبل إنهيار نظامها البشع , ومع ذلك فليس هناك مَن يتساءل عن نشاط هذا النائب الذي يُكافأ بالرواتب والمخصصات والحصانة البرلمانية.
الدرس الذي لابد لنا من إستيعابه تحت هذه المعطيات , قد لا نستفيد منه اليوم , بل يجب أن لا ننساه غدآ حينما تُقرع طبول ألإنتخابات القادمة . إن أردنا عراقآ جديدآ حقآ .