الرئيسية » مقالات » الحج … والبرلمانيون … وطوبى لمن يستحون

الحج … والبرلمانيون … وطوبى لمن يستحون

تُشير لنا صفحات التاريخ مراراً عديدة بأن الجماهير وتحت وطأة ظروف غير اعتيادية، كانت قد اختارت ومن خلال الاقتراع قيادات غير سليمة، قادتها بالتالي إلى مواجع وآلام… لقد جاء هتلر إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع، وبعد ظروف مريرة مرّت على الشعب الألماني بعد الحرب العالمية الأولى، وتنامي قوة وجماهيرية الحزب الشيوعي الألماني آنذاك والذي كان على وشك أن يستلم السلطة، فقد تآمر أصحاب الاحتكارات ورؤوس الأموال ممن كانوا يحلمون بأن يجعلوا من ألمانيا دولة مُستَعمِرة كبريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال ويصلوا إلى المياه الدافئة في الخليج العربي، لقد تآمر هؤلاء وتحالفوا مع الحزب النازي، على أن يوصلوه إلى سدة الحكم، ليتسنى لهم بعد ذلك تحقيق مآربهم… وشاهدنا بعد ذلك ما حلّ بالعالم من دمارٍ من خلال حربٍ طاحنة وصلت تأثيراتها العميقة إلى أبعد مكان فيه، وبعد وصول أرعن لا يستحي إلى كرسي الحكم من خلال الانتخابات.
ولنعد إلى وطننا الذي يُعاني من مرضٍ عُضال منذ عقود طويلة، وبعد المآسي والحروب والانتكاسات عميقة التأثير في وجدان المجتمع، تولّد لدى الإنسان العراقي شعورٌ بعدم الاطمئنان من أي شيءٍ، وأصبح لا يثق بأي ظاهرةٍ أمامه ولا بأي أحد، إلا بالمقربين إليه أو الذين يفترض أنهم مقرّبون إليه، وجاءت الانتخابات لتفرز إفرازات أقل ما يُقال عنها أنها جاءت بشكلٍ عفوي وغير متوازن مع آمال وطموحات الجماهير التي اصطلت طويلاً بويلات قلّ أن وُجد مثلها في التأريخ، وفوجئنا ببعض الشخصيات التي لم نسمع عنها في تأريخ العراق السياسي بأنها تكوّن لنا مجلساً للنواب.. ولنقل لا ضير في ذلك … فهناك بعضاً منهم من يُحاول أن يرد الإحسان بالإحسان لأبناء الشعب الذين انتخبوه، وأحياناً نجد بعض الشخصيات الرصينة ممن تقابل حتى الإساءة بالإحسان، وترد على الخطيئة بالنصيحة والإرشاد وأحياناً بالصمت والدعاء… ولكننا يا ويلنا وجدنا العدد الأكبر منهم في موقفٍ مُغاير وهم يُردّدون في أفعالهم وأقوالهم المثل القائل (إن لم تستح فافعل ما شئت)، وكأنهم يُخاطبون بهذا المثل الذي أصبح هشاً عالماً يحكمه العدل ويقوده الضمير وكأنهم لم يسمعوا بالمثل الشعبي القائل (اللي يستحوا ماتوا)، ودعونا نقف قليلاً عند هذا المثل قبل أن نعود لهؤلاء الذين لا يستحون ونتساءل: لماذا مات الذين يستحون؟… هل لأنهم ماتوا فعلاً أم لأنهم انتقلوا من خانة الذين يستحون إلى خانة الذين لا يستحون؟ وإن كان هذا الاحتمال هو الأرجح فهم قد ماتوا على أي حال، ووجب علينا أن نُعزّي أنفسنا ومجتمعنا في هؤلاء وأمثالهم، ونبحث عن هذا المرض اللعين الذي أصبح يفتك بحياتنا ويُحوّلنا إلى حيتان مفترسة تلتهم بعضها بعضاً.. وذئاباً مسعورة تسحق تحت أقدامها كل ما في طريقها من خيرٍ وقيمٍ ورحمة وحقوق ضعفاء ومساكين دون مراعاة لكبيرٍ ولا عطفٍ على صغير، ولا انتباه لمصالح فقير، ولا لحق يتيم، ودون الالتفات إلى مصلحة البلاد التي ضحّى من أجلها الكثير من الصناديد الذين يتسمون بالحياء والعفة والطهارة، والذين لم تمتد أيديهم إلى ثروة المجتمع ولم يبيعوا ذرةً واحدةً من ترابه.
لقد وقف السيد نوري المالكي (رئيس الوزراء)، في مؤتمر صحفي وأمام شاشات التلفزيون، ليُعلن أن تعيين الوزراء في الوزارات المتعطلة أساساً منذ زمنٍ طويل تعذّر بسبب سفر أعضاء مجلس النواب لأداء مناسك الحج وعددهم سبعون وبذلك لم يتوفر النصاب القانوني.. أمام ذلك لا يسعني إلا أن أقول آواه من هذا الزمان وأقول لهؤلاء المتدينين حتى النخاع، أي دينٍ هذا الذي تدّعون، وأي ثوابٍ تنتظرونه من الله بعد أن تركتم شعبكم يتضور جوعاً ويتمرغ بالوحل، الشعب الذي ينتظر منكم أن تداووا جروحه، وتضعوا أيديكم على جُرحٍ من جراحه لتخففوا من آلامه، ولعنة الله على صناديق الاقتراع التي جاءت بكم.. نعم إن من أركان الدين أن يحج الإنسان إلى بيت الله الحرام “من استطاع إليه سبيلاً”، وليس المقصود في الأمر، كما نفهمه بالعقل هي الاستطاعة المالية فقط، وإنما الاستطاعة هي أوسع من ذلك بكثير وتشمل التمتع بالصحة وتغطية حاجيات المُعَالِين. وأشياء أخرى اجتماعية ونفسية ومعنوية. يجب أن تكون متوفرة ومُيسّرة لدى من ينوي حج بيت الله الحرام.. إنكم يا سادة ونحن نُشاهدكم على شاشات التلفزيون لم تتّفقوا على أي شيءٍ إلا على نيل المكاسب والتوحد في موضوع أداء مناسك الحج.
يحدث لي أحياناً عندما أتناول وجبة طعامٍ في بيتي وأجلس أمام شاشة التلفزيون ويُصادف أن أرى بعض مناظر البؤس التي يمر بها أبناء الشعب العراقي من جوعٍ ومرضٍ وعُريٍ، فجأة تتوقف شهيتي، وتخنقني العبرة وأمتنع عن الطعام… فكيف لهؤلاء الوطنيين حتى القشر (للكشر) والذين منّ الله عليهم بالرواتب العالية والمميزات التي لا يتمتع بها أي عضوٍ برلماني في دولةٍ ذات مستوى معيشي مرتفع، كيف لهم أن ينظروا فقط إلى مصالحهم ويُعطوا ظهورهم إلى ما يُعاني منه الناس.
والله لو فكّر أحدهم بالتبرع برواتبه لمدة ثلاثة أشهر فقط لبناء مستوصف صغير في قرية لوضعنا إسمه عليه وذكرنا له هذه الحسنة مع أسماء الشرفاء والمحسنين…
ولكن يا ويلنا … لا حياة لمن تُنادي.
ما أحوجنا اليوم إلى أن يتحرّى كل الناس الحياء خلقاً وسلوكاً، وأن نكون حريصين على مصالح بعضنا البعض، وأن نُحبّ لغيرنا ما نُحبّ لأنفسنا، ونحن جميعاً نعرف قيمة أن يتصف الرجل بالحياء، أي أنه يترفع بصفاته وخلقه الكريم عن المحرمات والرذائل شرعاً وقانوناً… فلا يفعل إلا صالحاً ولا يقول إلا صدقاً.
وأخيراً أيها البرلمانيون أقول لكم عودوا إلى رشدكم… إننا في حاجةً أكثر من أي وقتٍ مضى إلى أن نستحي من الله ومن التاريخ والناس في كل تصرفاتنا وأعمالنا وأقوالنا، كي نسير بخطى ثابتة في طريق الصلاح والفلاح والتقدم دون أن نشعر ولو للحظة واحدة أننا قد أسأنا التصرف أو أهملنا أداء الواجب أو خُنّا الأمانة الملقاة على عاتقنا أو تسببنا في إلحاق الضرر بالوطن أو المواطن
(لا سامح الله)…!!!