الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة الثامنة والأربعون )داتيس الميدي

مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة الثامنة والأربعون )داتيس الميدي


مشاهير الكرد في التاريخ
( الحلقة الثامنة والأربعون )
داتيس الميدي: قائد معركة ماراثون
(توفي بعد سنة 490 ق.م)


 


سباق الماراثون.


هل هناك من يهتم بالرياضة ولا يعرف هذا السباق؟


لكن لعل ما لا يعرفه كثيرون من هواة الرياضة أن سباق الماراثون يعود إلى حوالي (2500) سنة قبل الآن، وتحديداً إلى سنة (490 ق.م)، وأنه يرتبط بذكرى واحدة من أضخم المعارك الحربية بين آسيا ممثَّلةً في الفرس، وأوربا ممثَّلةً في الإغريق، وأن المعركة جرت في سهل (ماراثون) على مسافة (40) كم من أثينا، وأن قائد الجيش الفارسي في تلك المعركة كان واحداً من كبار العسكريين الميديين، واسمه (داتيس الميدي).


فماذا عن داتيس الميدي ومعركة ماراثون؟


بل قبل ذلك لماذا كانت معركة ماراثون؟


صناعة الإمبراطورية


لمعرفة أسباب معركة ماراثون، وأسباب أمثالها من المعارك الفاصلة في تاريخ البشرية عامة، وفي تاريخ آسيا وأوربا خاصة، لا بد من وقفة تمهيدية عند (الإمبراطورية)؛ تُرى كيف تنشأ؟


ويبدو أن الإمبراطوريات تقوم على أربعة أركان:


1 – زعيم ذو طموح كوني، وذو شخصية كاريزمية ميكيافلية، يتصف بالذكاء والدهاء والإقدام والعزم والحزم، ويقرأ الوضع الداخلي لشعبه، والمناخ الإقليمي والدولي، قراءة صائبة ودقيقة، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب وبالكيفية المناسبة، وفي جميع الأحوال لا يعبأ بأعداد الجرحى والقتلى من فريقه أو من الفريق المعادي ما دام الهدف يتحقق.


2 – شعب شديد المراس يتشرّب رؤية الزعيم وعقيدته الغزوية، ويؤمن بأهدافه الفتوحاتية، ويتبنّى بحماس مشروعه التوسعي، ويسير وراءه سامعاً مطيعاً، باذلاً المال والنفس والولد دون تردد.


3 – جيش مقاتل منضبط محترف متمرّس شرس، مسلّح بكافة أنواع الأسلحة الفتاكة التي تتوافر في كل عصر، وتقوم عقيدته الحربية على طاعة القائد طاعة عمياء، وعلى البطش وإراقة الدماء دون أدنى شعور بوخز الضمير.


4 – موارد وثروات كافية، تمد الزعيم بما يكفي من المال لتنفيذ مشروعه الإمبراطوري، وتجعله قادراً على أن يدفع للجنود رواتبهم.


على أن ولادة الزعيم العبقري الكاريزمي وحدها غير كافية لصناعة الإمبراطورية، ولا بد من توافر عامل آخر هو في الغاية من الأهمية؛ إنه عنصر (التحدي والاستجابة) كما قال المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي فيما أذكر. وبمراجعة تاريخ الإمبراطوريات الكبرى في العالم قديمه وحديثه نجد عامل (التحدي والاستجابة) يحتل موقعاً متقدماً في ظروف نشأتها، وقد يتمثّل التحدي في فقر الجغرافيا بموارد العيش، وقد يكون قهراً ناجماً عن تسلّط قوة أخرى، وقد يكون الأمرين معاً، وحبّذا أن يدقق القارئ النظر في ظروف نشأة الإمبراطوريات: الآشورية، والميدية، والفارسية، والمكدونية، والرومانية، والعربية، والمغولية، والعثمانية، والروسية، والبريطانية، وأعتقد أنه سيجد عامل (التحدي والاستجابة) كان الأبرز والأكثر فاعلية في نشأة تلك الإمبراطوريات.


جغرافيا فارس


ولنعد إلى موضوعنا الأساسي، وهو متصل بظهور الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، فإن كل من كتب عن الموطن الأول للشعب الفارسي في جنوبي بلاد فارس (جنوبي إيران حالياً) ذكر أن قسماً كبيراً من موطن الفرس كان براري فقيرة بموارد العيش، وكان الشعب الفارسي يعيش حياة بدوية فيها قدر كبير من الشظف والتقشف، وهاكم ما قاله هيرودوت في هذا المجال، وهو يتناول خطة كرويسوس ملك ليديا للهجوم على الدولة الأخمينية:


لما قرر كرويسوس مهاجمة الفرس نصحه أحد رجالات ليديا الحكماء يدعى ساندانيس قائلاً: أراك أيها الملك تتهيّأ لشنّ الحرب على قوم سراويلهم من الجلد، بل كل ما يرتدون من الجلد [إشارة إلى حياة البداوة]، وهم لا يأكلون ما يطيب لهم، وإنما ما ينتزعونه من الأرض اليَباب، ولا يشربون النبيذ، وإنما شرابهم الماء، وليس لديهم تين أو أي شيء من أطايب الفاكهة، فماذا تُراك تنال منهم لو غزوتهم وانتصرت عليهم، وقد رأيتَ هذا من أمرهم، وعلمتَ من حالهم ما علمت؟ أمّا إذا كانت الغلبة لهم فكم من ثمين ستخسر! ولو ذاقوا ما لديك من أطايب الحياة فستجدهم يُحكمون قبضتهم علينا، ولن نملك فَكاكاً منها بعد ذلك، ولو سألتني الرأي لقلت لك: إني لممتنّ للآلهة؛ لأنها لم تحرّض الفرس على غزو ليديا “. [هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 62].


ويؤكد هيرودوت شظف العيش الذي كان الفرس يعيشونه، قائلاً:


فالحق أن الفرس لم يعرفوا شيئاً من أسباب الرَّفاه، ولا تذوّقوا أطايب الحياة قبل انتصارهم على ميديا “. [هيرودوت: تاريخ هيرودوت ص 62. وانظر: ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، 2/353].


ويقول هارڤي بورتر في الأمر نفسه:


وبلاد فارس حيث خرج المتسلّطون عليها ضيّقة، لا تبلغ مساحتها سوى 100000 ميل مربّع، وكان يحدّها شمالاً مادي، وشرقاً الصحراء السبخة، وجنوباً خليج العجم، وغرباً ذلك الخليج وسوسيانا، وكان نحو نصف البلاد صحارى لا تصلح لشيء، والباقي تُرَب بين الجبال، عدا ريف البحر، فإنه كان ضيقاً شديد الحر، غير أن بعضه يصلح للحراثة. أما الأراضي الجبلية فمثل ما يقابلها من أراضي مادي كما ذكرنا، ففيها أودية تجري منها أنهر صغيرة، والأراضي المجاورة لها مخصبة، وفيها عدة بحيرات صغيرة مالحة، … “. [هارڤي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم، ص 152- 153].


إذاً إن فقر بلاد فارس بموارد العيش من ناحية، ووقوع الفرس تحت سلطة أقربائهم الميديين من ناحية أخرى، واعتياد الفرس على حياة الشظف والتقشف من ناحية ثالثة؛ كل ذلك كان من العوامل التي هيّأتهم لأن يتحوّلوا من شعب مقهور خامل الذكر إلى شعب قاهر حكم غربي آسيا قديماً حوالي ألف عام، وكان المطلوب هو ظهور الزعيم العبقري الكاريزمي، وكان كورش الثاني بن قمبيز الأول هو ذلك الزعيم.


تجّار.. وغزاة


البدوي، المزارع، التاجر.


هؤلاء هم صنّاع حركة التاريخ البشري قديماً.


ويبدو لي ها هنا أمران:


الأول: أن (البدوي)، من حيث الذهنية والسايكولوجيا، أقرب إلى (التاجر) منه إلى (المزارع)، وإنه لأمر شاق بالنسبة إلى البدوي أن يصبح مزارعاً قديراً، لكنه لا يجد الصعوبة ذاتها كي يكون تاجراً قديراً، أو ناشطاً في مؤسسة تجارية إقليمية الطابع أو عالمية الامتدادات.


والثاني: أن الغزو الفتوحاتي ليس نتاج ثقافة الزراعة، إنه نتاج ثقافة البداوة، ونتاج ثقافة التجارة، بلى، فالمزارع لا يحتاج إلى الغزو، لأنه يملك ما يكفيه للعيش ولو في الحدود الدنيا، أما البدوي فهو بحاجة إلى الغزو لحاجته إلى ما يعينه على الاستمرار في الحياة، والتاجر بحاجة إلى الغزو للسيطرة على الموارد والأسواق وطرق التجارة الإقليمية والعالمية. ولا أزعم أن هذه هي القاعدة الدائمة في نشأة الإمبراطوريات، لكني أجد في تاريخ الإمبراطوريات القديمة والحديثة ما يشجّعني على الاعتقاد بأنها القاعدة الغالبة.


وألمح في تاريخ الدولة الأخمينية شيئاً من صحة هذه القاعدة؛ فالفرس كانوا بداة، يقيمون في بلاد فقيرة بالموارد إذا قورنت ببلاد ميديا، وبعد أن سيطروا على الدولة الميدية وممتلكاتها الشاسعة (من أفغانستان إلى البحر الأبيض المتوسط) أصبحوا في موقع إمبريالي (بالتعبير المعاصر)، وصاروا، بتأثير ذلك الموقع، من كبار القابضين على زمام التجارة الإقليمية والعالمية، وصار مطلوباً منهم أن يسيطروا على مداخل طريق التجارة العالمي (طريق الحرير) إلى آسيا الوسطى، فإلى شبه القارة الهندية، وإلى الشرق الأقصى.


لكن هل كان ذلك كافياً وَفق الحسابات الإمبراطورية؟


لا، فالإمبراطورية تبقى مهدّدة بالاختناق اقتصاديأ، ومن ثَمّ عسكرياً وسياسياً، ما لم تسيطر على طرق التجارة سيطرة كاملة، وصحيح أن الفرس سيطروا على طرق التجارة المتجهة عبر غربي آسيا إلى الشرق الأقصى، لكنهم ما كانوا يسيطرون على شبكة المواصلات التجارية الهامة في سوريا وآسيا الصغرى، وما كانوا يسيطرون على الموانئ الهامة الواقعة على سواحل شرقي المتوسط، وهكذا شنّ كورش هجماته على السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، وبسط سلطته على الموانئ السورية، وأخضع الفينيقيين (روّاد البحر الأوائل في غربي آسيا) لسلطانه، وكان من أبرز مكاسبه في هذا المجال أن الأسطول الفينيقي المتميّز صار رهن إشارته في نقل التجارة من ناحية، وفي شن الغزوات البحرية من ناحية أخرى.


ومرة أخرى لم يكن ذلك كافياً، فما زالت مملكة ليديا- وكانت أقرب إلى الإغريق إثنياً وثقافياً- تَحول بين الدولة الفارسية الناهضة وبين الموانئ المطلّة على بحر إيجا وعلى الهيلسبونت (الدردنيل)، وما زال الإغريق يسيطرون على الجزر المنتشرة في بحر إيجا وفي شرقي البحر المتوسط، ومن غير السيطرة على تلك الموانئ والجزر لا يمكن أن يصبح طريق الحرير العابر إلى داخل القارة الأوربية في قبضة الإمبراطورية الفارسية.


ولذلك هبّ الملك الأخميني كورش إلى مهاجمة مملكة ليديا في آسيا الصغرى سنة (547 ق.م)، ليس لأنها كانت حليفة الميديين (خصوم فارس) فقط، ولا لأن الملك الليدي كرويسوس كان قد هاجم الممتلكات الأخمينية شرقي نهر هاليس (قِزيل إرماق) فقط، وإنما لأنه لا يمكن الوصول إلى موانئ بحر إيجا والهيلسبونت من غير السيطرة على مملكة ليديا نفسها، ومن هناك يمكن الانتقال إلى غزو بلاد الإغريق، وإخضاعها للسيطرة الفارسية، والسيطرة من ثم على الموانئ الكثيرة المرتبطة بطرق التجارة داخل القارة الأوربية، والقبض على أوربا من خناقها، وإركاعها في النهاية.


تلك كانت خطة كورش الستراتيجية فيما يبدو، وقد نفّذ المرحلة الأولى منها بمهاجمة مملكة ليديا والمناطق المجاورة لها في آسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً)، وضمها إلى الإمبراطورية الفارسية، وسار ابنه قمبيز (كمبيز= كمبوجيا)على نهجه، وتولّى تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، وكان يعلم، كما كان يعلم كل فاتح في غربي آسيا، أنه لا تكفي السيطرة على طريق التجارة البري العالمي (طريق الحرير) المار من غربي أوربا إلى الصين، مروراً بغربي آسيا ووسطها، وإنما لا بد من السيطرة على طريق تجاري عالمي آخر مكمل لطريق الحرير هو (طريق البخور)، وكان يمتد من الموانئ السورية والمصرية على البحر المتوسط، ويتجه جنوباً عبر غربي شبه الجزيرة العربية، وبموازاة البحر الأحمر، وينتهي إلى الموانئ اليمنية على بحر العرب، ويصبح على اتصال مع موانئ شرقي إفريقيا وجنوبي الهند وجنوب شرقي آسيا.


وكان قمبيز يعلم أيضاً، كما كان يعلم كل فاتح في غربي آسيا، أن السيطرة على طريق البخور لا يتحقق إلا بإحكام السيطرة على البحر الأحمر، باعتبار أن الجزء البحري من طريق البخور كان يمر بذلك البحر، وكان يعلم، كما علم قبله الآشوريون، وبعده المقدونيون والرومان والعرب والعثمانيون قديماً، والفرنسيون والإنكليز حديثاً، أن السيطرة على البحر الأحمر لا يمكن أن تتحقق من غير السيطرة على مصر؛ ولذا شنّ قمبيز الهجوم على مصر واحتلها سنة (525 ق.م)، وما اكتفى بذلك بل أرسل حملة ضخمة للسيطرة على بلاد النوبة الواقعة في الجنوب (موزّعة الآن بين جنوبي مصر وشمالي السودان)، طبعاً لبسط النفوذ الفارسي على القسم الجنوبي من البحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب، لكن حملته تاهت وسط الرمال، ولم تحقق الهدف [تاريخ هيرودوت، ص 229].


رمزية التراب والماء


وكانت الستراتيجية الإمبراطورية الأخمينية تقتضي أن يتوسّع النفوذ الفارسي البحري، فيسيطر على السواحل الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط (في شمالي إفريقيا)، وكانت الإمبراطورية الفارسية بذلك تُحكم قبضتها على جميع المراكز التجارية الواقعة في غربي آسيا وشمالي إفريقيا، تمهيداً لإخضاع العالم الإغريقي الذي كان يمثل القوة الناهضة في أوربا حينذاك؛ ولهذا الغرض قرر قمبيز إرسال حملة بحرية لمهاجمة قرطاجنّة والمستعمرات الفينيقية الأخرى في شمالي إفريقيا (تونس وما يجاورها حالياً)؛ لأن وجود قوة بحرية منافسة أخرى يحدّ من نفوذ الإمبراطورية الفارسية، ويفسد عليها شهيتها في المزيد من التوسع، والمزيد من السيطرة على ثروات الشعوب. ولغزو قرطاجنّة كان على قمبيز أن يستعين بالأسطول الفينيقي التابع للفرس، وبالبحارة الفينيقيين، قال هيرودوت:


لكن الفينيقيين رفضوا المهمّة، بسبب الأواصر التي تجمعهم بالقرطاجنيين، ولأن شن الحرب ضد أبنائهم إثم وشر لا يمكن أن يقترفوه، ولما كانت بقية القوات البحرية أضعف من أن تقوم بالحملة بدون الفينيقيين، فقد أفلتت قرطاجنّة من قبضة الفرس“. [تاريخ هيرودوت، ص 226].


وبعد السيطرة على مصر، انتقل القادة الفرس إلى تنفيذ المرحلة الثالثة من خطتهم التوسعية، ألا وهي الانتقال إلى مهاجمة الإغريق في عقر دارهم، بدءاً باحتلال الجزر الإغريقية في البحر الأبيض المتوسط، وانتهاء بمهاجمة أثينا وإسبارطا أكثر جمهوريات الإغريق تقدماً وقوة، وكان الملك الإخميني الثالث دارا الأول (داريوس) هو الذي دشّن الخطوات التمهيدية لتلك المرحلة، وكانت عادته أن يطلب من قادة الشعوب إرسال التراب والماء له، رمزاً للتبعية والخضوع، وهذا ما فعله بخصوص الإغريق، فبعث بالرسل إلى دول- المدن الإغريقية، يطالبها بإرسال التراب والماء، وفي الوقت نفسه أرسل أوامره إلى مدن الساحل السوري، وإلى بلدان آسيا الخاضعة لسلطانه، لإمداده بالسفن الحربية والجياد.


وبينما كان يجري تأمين المعدّات والتجهيزات استعداداً للهجوم، حصل رسل دارا إلى بلاد الإغريق على التراب والماء من بعض المدن الإغريقية الواقعة في البر والبحر، غير أن قادة دولة أثينا ودولة إسبارطا رفضوا إرسال التراب والماء إلى الملك الفارسي، وما اكتفوا بذلك بل رمى أهل أثينا رسله في حفرة عميقة، ورماهم أهل إسبارطا في بئر، “وقيل لهم إنهم سيجدون هناك التراب والماء لمليكهم “. [تاريخ هيرودوت، ص 536]، كما أنهم قرروا عقاب الجهات الإغريقية الأخرى التي أعلنت التبعية للفرس، وكان بعض رجالات تلك الجهات موجودين في البلاط الفارسي بالعاصمة الملكية سوسا، فشجّعوا دارا على مهاجمة أثينا وإسبارطا، ولاقى ذلك صدى طيباً في نفس دارا، يقول هيرودوت:


علاوة على ذلك فإن داريوس نفسه كان توّاقاً للحصول على مبرّر ليغزو المدن الإغريقية التي رفضت أن ترسل ما يدل على خضوعها له من تراب وماء، ونتيجة لإخفاق ماردونيوس [ابن أخت دارا وقائد فارسي كبير] في حملته فقد أعفاه من مهامّه، وعيّن قائدين آخرين للجيوش التي اعتزم إرسالها للهجوم على إيرتريا [Eretria مدينة تقع شمالي أثينا] وأثينا، هما داتيس الميدي وابن أخيه [داريوس] أرتفرنيس بن أرتفريس، وحمّلهما الأوامر بجعل سكان أثينا وإيرتريا عبيداً، وإحضارهم للمثول بين يديه[تاريخ هيرودوت، ص 466].


تفريغ الذاكرة


والحقيقة أننا لا نعرف شيئاً عن داتيس الميدي قبل أحداث معركة ماراثون، وسبق أن أشرنا إلى ظاهرة ندرة المعلومات التاريخية عن التاريخ الميدي خاصة، وعن التاريخ الكردي القديم عامة، هذا مع العلم أنه كان للميديين دور فاعل في غربي آسيا طوال قرن وربع قرن من الزمان، بل إنهم قادوا أكبر انقلاب في تاريخ شعوب هذه المنطقة سنة (612 ق.م)، بتحريرها من جبروت الإمبراطورية الآشورية، وكانوا حكّام منطقة شاسعة جداً، تمتد من أفغانستان ضمناً إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط.


والسؤال هو: هل من المعقول أن مملكة مثل مملكة ميديا كانت قادرة على إدارة أمور شعبها، وأمور الشعوب التابعة لها، شفهياً ومن غير مدوَّنات ولا سجلاّت؟ وهل يُعقل أن تتوافر معلومات وافية عن السومريين، والأكاديين، والبابليين، والكلدان، والآشوريين والآموريين، والأخمين، والبرث، والساسانيين، وتنخفض المعلومات، أو تكاد تنعدم أحياناً، بل هي تنعدم بشكل مطلق أحياناً كثيرة، حينما يتعلّق الأمر بالميديين وغيرهم من أجداد الكرد؛ مع العلم أنهم جميعاً شعوب منطقة واحدة؟!


أليس هذا أمراً غريباً حقاً؟!


وسبق أن أرجعنا هذه الظاهرة الغريبة إلى التغييب المنهجي الذي خطّطت له القيادات الأخمينية، ونفّذته بدقة وحزم وإصرار، ثم نهجت الإمبراطوريات الفارسية الأخرى نهجها، خوفاً من (عودة الوعي) الميدي إلى النهوض، ومعروف عبر التاريخ، قديم وحديثاً، أن أول ما يهتم به صنّاع الإمبراطوريات هو (تفريغ ذاكرة) الشعوب المقهورة، وأن أقرب طريق إلى تفريغ ذاكرة شعبٍ ما هو أمران: الأول تغييب تاريخه. والثاني تجريده من لغته.


ولنعد إلى داتيس الميدي كما يسمّيه هيرودوت، وبحذف اللاحقة اليونانية (سS ) من اسمه، يبقى اسمه (دات) Dat، ولهذا الاسم صلة في الكردية بمعاني (الهبة ، العطاء)، لكن من هو أبو داتيس؟ ومن هو جده؟ لا شيء عن ذلك. ونحسب أن قيام دارا بإسناد قيادة جيش ضخم، تتمثّل مهمته في مقارعة الإغريق المعروفين بصلابتهم وبأسهم وعشقهم للحرية، وتقع ساحة عملياته على مسافة آلاف الأميال في غربي الإمبراطورية الفارسية، إلى قائد ميدي، يعني أكثر من دلالة:


– أولها أن داتيس كان كبار القادة العسكريين في الجيش الفارسي.


– وثانيها: أنه كان يمتاز بخصائص قيادية وبخبرة عسكرية مرموقة.


– وثالثها: أنه كان من الميديين الذين أثبتوا إخلاصهم للقيادة الأخمينية.


– ورابعها أنه لم يكن ممن شارك سميرديس (غوماتا) الميدي انقلابه على الأخمين.


الزحف نحو أثينا


وقد غادر القائدان داتيس وأرتفرنيس بلاد فارس على رأس جيش وصفه هيرودوت بأنه “جبّار حسن التجهيز“، واتجها شمالاً وغرباً نحو سهل آليان في منطقة كيليكيا Cilicia (ورد في ترجمة تاريخ هيرودوت بصيغة: قيلقيلية، والصواب ما ذكرناه)، وعسكرا بالجيش هناك، وانضمت إليهما قوات عسكرية بحرية كانت جميع سفنها ورجالها من البلدان الخاضعة لفارس، وكذلك وصلت الجياد التي كان دارا قد أمر بمصادرتها من الدول التي فرض عليها الضرائب، وتم نقل تلك القوات جميعها إلى أيونيا بحراً (في أقصى غربي تركيا الآن)، وقد تألف الأسطول الفارسي من(600) ستمئة سفينة ثلاثية المجاذيف.


ولم يسر الأسطول باتجاه مضيق هليسبونت (الدردنيل) فإلى تراقيا، كما سيفعل بعدئذ الملك الأخميني الرابع أحشويرش (أهاسويروس = اكسركسيس الأول) بن دارا الأول، وهي طريق طويلة، وإنما انطلق الأسطول مباشرة من جزيرة (أو شبه جزيرة) ساموس Samus الواقعة على ساحل بحر إيجا من جانب (تركيا حالياً)، وأبحر مباشرة عبر البحر الإيكاري والجزر، متجهاً مباشرة نحو جزيرة ناكسوس Naxosالتي كان الفرس قد فشلوا في الاستيلاء عليها في حملة سابقة، وحينما وصلت الحملة إلى ناكسوس ” لم يُبد أهلها أية مقاومة، بل هربوا إلى الهضاب، وقد تمكّن الفرس من الإمساك ببعضهم وجعلهم عبيداً، وقاموا بإحراق المدينة بأكملها، بما في ذلك المعابد، ثم أبحروا للهجوم على جزر أخرى“. [تاريخ هيرودوت، ص 467].


وبينما كان الجيش الفارسي منشغلاً باحتلال جزيرة ناكسوس كانت الجزر اليونانية الأخرى تعدّ نفسها لمواجهة الخطر المحدق بها، وعرف سكان جزيرة ديلوس Delos الواقعة قريباً من ناكسوس شمالاً أنهم في مرمى الخطر، ففروا منتقلين إلى جزيرة تينوس Tenos الواقعة في الشمال أيضاً، وبينما كان الأسطول الفارسي يمخر عُباب البحر أصدر داتيس الميدي أمراً إلى جميع السفن بألا ترسو في جزيرة ديلوس، بل تتجه إلى جزيرة رينايا المقابلة لها، وبعد أن تأكد من مكان وجود الديليان (سكان ديلوس)، بعث إليهم رسالة يعبّر فيها عن احترامه لمقدساتهم، يقول فيها حسبما ذكر هيرودوت:


أيها السادة المبجّلون، لماذا تهربون؟ ما هذا الرأي الغريب الذي تحملون، والذي يدفعكم إلى التواري؟ من المؤكد أنني أمتلك من الحصافة – دونما حاجة إلى أوامر الملك- ما يكفي لأن أستثني الجزيرة التي ولد فيها أبولو وأرتميس [من كبار آلهة اليونان]، وألا أقوم بأي عمل فيه ضرر لهما ولشعبهما، ولهـذا فإنني أرجوكم أن تعودوا إلى بيوتكم وجزيرتكم“. [تاريخ هيرودوت، ص 467].


ويقول هيرودوت:


وأتبع داتيس رسالته بإحراق ما زنته ثلاثمئة مثقال من البخور في المعبد في ديلوس تقرّباً من الآلهة، ثم غادر الجزيرة، وأبحر على رأس قواته متوجّهاً إلى إيرتريا، حاملاً معه الأيونيين والأيوليين الذين كانوا خاضعين للفرس “. [تاريخ هيرودوت، ص 467].


وتابعت الحملة الفارسية بقيادة داتيس زحفها نحو شبه جزيرة أتيكا (جنوبي اليونان حيث تقع مدينة أثينا)، وكان الفرس يطلبون من الجزر التي يصلون إليها تقديم الرهائن، أو إمدادهم بالرجال لمحاربة الإغريق الآخرين، ولا سيما أهل أثينا، وكانوا يحاصرون كل جزيرة ترفض طلبهم، ويتلفون محاصيلها الزراعية، ويجبرون السكان في النهاية على الخضوع لأوامرهم.


معركة ماراثون


وظل الفرس يتقدّمون نحو أثينا، وهم يحتلون الجزر الهامة، واستولوا في طريقهم على مدينة إيرتريا، واستعبدوا سكانها، وأخذوهم معهم تنفيذاً لأوامر دارا، قال هيرودوت:


وبعد استيلائهم على إيرتريا، وقهرهم لأهاليها، واستعبادهم لهم، انتظر الفرس عدة أيام، ثم أبحروا إلى أتيكا مزهوّين بانتصارهم، وهم يعتقدون بأنهم سيتمكنون من معاملة الأثينيين كما عاملوا الإيرتريين، ووقع الاختيار على سهل ماراثون لكونه أقرب مكان من أتيكا إلى إيرتريا، علاوة على أنه لم يكن في أتيكا مكان يناسب تحركات الفرسان مثل ماراثون[تاريخ هيرودوت، ص 469].


ولما سمع الأثينيون خبر توجّه القوات الفارسية نحو مدينتهم حشدوا قواتهم، وسارعوا إلى بناء تحصيناتهم وخطوط الدفاع لمواجهة الفرس، ثم توجّهوا مع حلفائهم من الإغريق الآخرين إلى خوض المعركة ضد الفرس في سهل ماراثون، واشتبكوا معهم على طول خطوط القتال، يقول هيرودوت مشيداً بشجاعة الأثينيين، ومنوّهاً بهيبة الفرس:


كانوا أول الإغريق في تصويب الرماح وهم يركضون، وأول من تجرّأ من الإغريق على النظر إلى اللباس الفارسي، أو مواجهة الرجال الذين يرتدونه دون أن ينتابهم الذعر؛ إذ لم يتمكن أيّ إغريقي قبل هذا اليوم من سماع كلمة (فارسي) دون أن يصيبه الهلع “. [تاريخ هيرودوت، ص 475].


واستمر القتال بين الفريقين في سهل ماراثون ضارياً، إنها كانت معركة مصيرية بين قارتين (آسيا وأوربا)، وفي البداية استطاع الجيش الفارسي إلحاق الهزيمة بقلب الجيش الإغريقي، لكن ما لبث جناحا الجيش الإغريقي أن غيّرا مسار المعركة، فألحقا الهزيمة بجناحي الجيش الفارسي، ثم توحّدا في الهجوم على القلب، ولم يجد الفرس بداً من الهزيمة، واللجوء إلى سفنهم للنجاة، على أنهم توجّهوا بالأسطول إلى ميناء فاليريوم وهو المرفأ الرئيسي لأثينا، بقصد احتلال أثينا قبل وصول الجيش الإغريق، لكن الإغريق وصلوا إلى أثينا قبل الفرس، واتخذوا مواقعهم لصد الهجوم الفارسي، وحينئذ لم ير الفرس بداً من العودة إلى آسيا خائبين.


وفور اندحار الجيش الفارسي قام جندي أثيني اسمه فيديبيدس بالتوجّه جرياً إلى أثينا ليزفّ بشرى النصر إلى الشعب، والمسافة بين سهل ماراثون وأثينا (40) أربعون كيلومتراً، ووصل فيدبيديس مبشّراً بالنصر، لكنه سقط من الإعياء، وتوفّي نتيجة الجهد الذي بذله في الجري المتواصل طوال تلك المسافة؛ وتخليداً لذكرى ذلك الجندي المخلص، وتخليداً لذكرى تلك المعركة الحاسمة، أدخل الإغريق سباق ماراثون ضمن الألعاب الأولمبية التي كانوا يقيمونها بانتظام، ويحتفلون بها على الصعيد الرسمي والشعبي أيّما احتفال، وعندما أحييت الألعاب الأولمبية في أثينا سنة (1896م)، أُحيي معها سباق الماراثون أيضاً، وهو الآن طريق للجري يبدأ من جسر قرية ماراثون إلى أثينا.


احترام للمقدسات


ويبدو من سرد أحداث معركة ماراثون أن داتيس كان القائد الأعلى، ولا نجد للقائد الآخر أرتفرنيس ذكراً له فيها، وكانت حصيلة معركة ماراثون- حسبما ذكر هيرودوت- مقتل (6400) ستة آلاف وأربعمئة جندي من الجيش الفارسي، و(192) مئة واثنين وتسعين جندياً من الإغريق، وقد حدثت المعركة سنة (490 ق.م)، ورغم الهزيمة التي حلّت بداتيس الميدي وجيشه في حربه ضد الأثينيين، نجده رجلاً بعيداً عن روح الانتقام والبطش، نزّاعاً إلى ما هو إنساني، محتفظاً بمبادئه في احترام مقدسات أعدائه.


ومن يدري؟! لعل داتيس كان يعرف في قرارة نفسه أنه يشارك في تعميم القهر الإمبراطوري الفارسي على الشعوب الأخرى، وإذا كان من واجبه العسكري أن يحارب بشجاعة، ويؤدّي المهام العسكرية الموكولة إليه بإخلاص، فإن من واجبه الإنساني أن يحترم خصوصيات الآخرين، وهذه سمة ظاهرة في سيرة معظم مشاهير الكرد عبر التاريخ قديمه وحديثه، ويقول هيرودوت بشأن داتيس واحترامه لمقدسات الإغريق:


في طريق عودته إلى آسيا على رأس جيشه توقف داتيس في ميكونوس، وفيما هو نائم رأى حلماً لم يتم التعرف على فحواه، فأصدر أوامره منذ الفجر الباكر بتفتيش جميع السفن، فعثر على تمثال أبوللو في إحدى السفن الفينيقية، وقد وُضعت فوقه القطع الذهبية لإخفائه، فاستعلم عن المكان الذي سُرق منه، والمعبد الذي كان فيه، فأخذه وأبحر على متن سفينة إلى ديلوس، وأعاده إلى المعبد هناك، … وبعد ذلك غادر داتيس ليعود إلى أسطوله[تاريخ هيرودوت، ص 476].


وقد غضب دارا أشد الغضب من نتائج معركة ماراثون، واشتدت نقمته على أثينا أكثر من السابق، وأصبح أكثر تصميماً على مهاجمة بلاد الإغريق، واستنفر جميع الولايات الخاضعة له، كي تمده بجيش أضخم من سابقه، وتوفير السفن للأسطول، وإعداد وسائط النقل والخيول، وإمداده بالحبوب، قال هيرودوت: ” وهكذا دارت أوامر الإرادة الملكية، وعلى وقعها أرعدت آسيا بما فيها “. [تاريخ هيرودوت، ص 487]. وظل الاستنفار قائماً ثلاث سنوات، لكن ما لبث دارا أن توفي سنة (485 ق.م) قبل تنفيذ الهجوم الكبير.


وتولى أحشويرش السلطة بعد والده دارا، واستكمل خطته لقهر الإغريق، وقاد حملة ضخمة جداً بنفسه لغزو بلاد اليونان، ولا نجد للقائد الميدي داتيس ذكراً في تلك الحملة، ولعله كان قد توفي، أو تقاعد عن العمل العسكري، لكننا نجد لولدين له موقعاً قيادياً رائداً في حملة أحشويرش، إذ يقول هيرودوت في وصف قطعات الجيش الفارسي التي عبرت مضيق الدردنيل إلى أوربا: ” وكانت قيادة الفرسان معقودة لولدي داتيس: أرماميثراس، وتيتايوس. أما القائد الثالث فرنوخس فقد أصابه حادث، فتُرك في سارديس“. [تاريخ هيرودوت، ص 521].


ومعروف أن سلاح الفرسان كان يشكّل القوة الضاربة في الجيوش القديمة، وفي الغالب كانت قوة الفرسان هي التي تحسم المعركة لصالح هذا الفريق أو ذاك، إنه كان أشبه بسلاح المدرعات وبالسلاح الجوي في عصرنا هذا، وقد ضمّت حملة أحشويرش- حسب وصف هيرودوت- أضخم جيش توجّه من آسيا إلى أوربا في تاريخ الصراع بين القارتين، ولا ريب في أن إسناد قيادة الفرسان في ذلك الجيش إلى قائدين ميديين، هما ولدا داتيس، دليل أكيد على ثقة القيادة الأخمينية بكفاءتهما من ناحية، وبقدرة الشعب الميدي على إنجاب العباقرة العسكريين حتى بعد زوال دولتهم.


المراجع


1. هـ. ج. ولّز: معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، لجنة التأليف و الترجمة والنشر، القاهرة، 1967-1972م.


2. هارڤي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1991 م.


3. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001م.


4. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، أشرف على الترجمة الدكتور محمد مصطفى زيادة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1959 م.


وانظر: إ. م. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت، رام للطباعة والنشر، دمشق.


وإلى اللقاء في الحلقة التاسعة والأربعين.


د. أحمد الخليل في 15 – 12 – 200