الرئيسية » مقالات » تسع اسئلة حول المقروئية والرواج الصحفي بالمغرب

تسع اسئلة حول المقروئية والرواج الصحفي بالمغرب

حاوره عزيز باكوش

السؤال الأول: لاحظ المتتبعون لأداء الصحف بالمغرب، انخفاضا في مبيعات جريدة “المساء” المغربية، ابتداء من شهر أكتوبر المنصرم، حيث بلغ رقم السحب 124 إلف نسخة أكتوبر، مقابل 132 ألف نسخة عن شهر شتنبر، كيف تقدرون هذا التراجع من موقعكم كصحفي؟

يحيى اليحياوي: أنا غالبا ما أتحفظ على الإحصاءات, وأفضل التعامل مع التوجهات الكبرى ومع السياق الناظم لذلك. وهذا ينطبق على إحصاءات مبيعات الصحف بالمغرب.

هناك من ينفخ في هذه المعطيات لإغراء المعلنين, وهناك من ينفخ فيها لتبيان مركز قوة بدأ ينشأ من حوله, أو هكذا يظن. وهناك من يزايد بالبناء على أرقام من صنع خياله, حتى إذا ذهبت إلى الأسواق بالبوادي تجد تجار التقسيط يتوزعون أطنانا منها للف بضاعتهم البسيطة.

لكن بصرف النظر عن حجم ومستوى المبيعات, أزعم أن جريدة المساء قد استطاعت بمدة قصيرة تحقيق مكانة معتبرة لها بالسوق. والسبب متأت لربما من كون المشروع كان جد مدروس, والخط التحريري متوافق عليه وزوايا المعالجة محددة, فتجاوب كل ذلك مع فصيلة من القراء سئموا من رتابة الصحف الموجودة. والسبب لربما متأت أيضا من منسوب الجرأة التي يتمتع بها فريق الجريدة, وأيضا ما يمكن أن نسميه “يوميات رشيد نيني”.

أما عن تراجع مبيعات الجريدة, فأتصور أن الجريدة كأي مشروع اقتصادي تخضع لدورة زمنية قد يرتفع بها الطلب, وقد يتراجع لسبب من الأسباب. لكن العبرة هنا غالبا ما تكون بالمتوسط. بالتالي, فمتوسط ما تدركه جريدة ما بمدة زمنية محددة, هو المفروض أن يتم الاحتكام إليه, سيما وأن ما تمن به الأحداث, وهي غير مضمونة السخونة بكل أيام الأسبوع, هو الذي من شأنه الرفع أو الخفض من مستوى السحب. أذكر مثلا مستوى مبيعات جريدة الاتحاد الاشتراكي, عندما كانت تنفذ الأعداد من السوق أيام الأربعاء حيث ركن عبد الرفيع الجواهري.

أتصور أن هذه الجوانب تستحق الدراسة عن قرب, والمتابعة والاستقراء بالبيانات وتتبع سلوك قراء هذه الجريدة أو تلك, ومدى تأثرهم (وتأثرها هي أيضا) بالجاري من أحداث وظواهر. أعني هنا أن الملفات الساخنة مثلا يكون لها قوة دفع كبيرة كما الحال منذ مدة مع حالات الفساد السياسي, أو القضايا الأمنية بالمغرب ومن حول الملك, وقضايا اجتماعية جانبية, لكنها ذات مدلولات كبيرة بالنسبة للمغاربة كالشذوذ الجنسي أو ظاهرة السحاقيات, أو فضائح الأمن الخاص لرئيس الدولة, أو مطالبة القضاء الفرنسي للتحقيق مع بعض المسؤولين الكبار, وما سوى ذلك.


السؤال الثاني: كيف تقرأون ارتفاع سحب جريدة” الصباح ” من 93 ألف نسخة سحب خلال غشت الماضي إلى 135 ألف خلال شهر أكتوبر المنصرم، على ضوء التنافس البين الجريدتين المستقلتين؟

يحيى اليحياوي: غشت شهر عطلة, قد يتفهم المرء تراجع المقروئية به عموما. أما ارتفاع المبيعات بشهر أكتوبر, فلست أدري السبب حقيقة. لربما كان ثمة ظرف استثنائي دفع لذلك, لكني أتصور مرة أخرى أن العبرة بالمتوسط, وليس بقمم الرسوم البيانية أو بضلعها الأدنى.

من جهة أخرى, فأنا لا أعتقد أن ثمة منافسة بين المنبرين على الأقل بزاوية المعالجة. فجريدة الصباح تبقى بكل الأحوال ذات ميول ليبرالية وتدور إلى حد ما بفلك السلطة, أو لنقل بفلك أصحاب المصالح الكبرى, فيبقى خطابها معتدلا نسبيا, في حين أن المساء تبقى في الكثير من الأحايين بعيدة عن ذات المحيط, بل وتوجه الانتقادات الشديدة له. هذا على الأقل ما يشتم من أعدادها المختلفة.

ثم, وعلى الرغم من تباين طبيعة قراء المساء عن الصباح, فالواضح أن المساء تحاول أن تبقى أقرب إلى جريدة الرأي (على الأقل بالقياس إلى من يكتب بها سيما ثلاثي نيني/بوعشرين وأنوزلا) في حين أن افتتاحيات الصباح محدودة وغير قارة, ولا تهتم كثيرا بجانب الرأي.

بهذه النقطة أستطيع أن أجازف بالقول بأن المساء تبيع العدد من خلال أو عبر رشيد نيني, في حين أن الصباح تبيع منتوجا لا أثر لفعل شخص به كبير. نحن بالحالة الأولى بإزاء جريدة تحاول المزاوجة بين الخبر والرأي, في حين أننا بالحالة الثانية, حالة الصباح, بإزاء جريدة خبرية بامتياز.

أزعم أن لكل المنبرين مكانته وميزاته, وأنا لي بهما معا أصدقاء بكل الأحوال.

السؤال الثالث: كيف تقرؤون مفهوم الاستقلالية في العمل الصحفي، وهل لهذه الاستقلالية دور في ارتفاع أو انخفاض مؤشر الأداء في سوق الرواج الصحفي؟

يحيى اليحياوي: الاستقلالية بالإعلام مسألة نسبية بكل المقاييس. وهي هلامية أيضا, ولا يمكن الاحتكام إليها للحكم على هذا المنبر أو ذاك. ثم الاستقلالية بالقياس إلى ماذا؟ ثم لماذا الاستقلالية هي مسألة مطلوبة بميدان لا يمكن للمرء إلا أن يكون صاحب رأي, من وظيفته أن يتعرض لهذه القضية كما لتلك ببعض من الذاتية؟
لو كنت تقصد الاستقلالية بإزاء السلطة, فلربما تجد منابر لا تدور بفلكها مباشرة, لكنها لا تبلغ حدود المواجهة معها بالمباشر الحي. ولو كنت تقصد الاستقلالية التحريرية, فأتصور أنه باستثناء بعض المنابر الأسبوعية, فمعظم منابرنا تدور بفلك الأحزاب. وحتى من يدعي الاستقلالية, غالبا ما تبين الأيام أن الجهة الممولة له تكون من ميدان الأعمال أو مقربة من السلطة, لا تريد الظهور بالصورة, لكن لديها رسائل تدفع بها. وهكذا.

ولا تنسى أيضا جانب المعلنين, فهي جهة ابتزاز كبيرة غالبا ما ترهن استقلالية هذا المنبر أو ذاك. فلولاهم (بالإضافة للدعم بالمال العام) لما استطاع أحد الاستمرار, اللهم إلا مصادر أخرى غير معروفة, من الخارج مثلا.

هذه المسألة ليست محصورة بحالة المغرب, بل بالإمكان إيجاد حالات شبيهة بمعظم دول العالم, لدرجة لا تستطيع فك خيوط العلاقة بين السلطة والإعلام والمال…ولربما الجنس أيضا.

أنا أزعم أن الذي يسهم في استمرارية هذا المنبر أو ذاك (دع عنك جانب المبيعات), هو مدى المهنية والاحترافية والعمل على أساس من القرب, ومحاولة ترك المسافة مع الخبر, اللهم إلا إذا كان لهذا الأخير أن يؤثث الرأي.

لو أضفت المصداقية للمهنية والاحترافية, ستكون بإزاء منبر ذي أثر فعال دون أدنى شك.

السؤال الرابع: هل تتوقعون الأسوء في غضون الأشهر القادمة، أم تعتبرون التراجع مرحلي، بالنسبة جريدة المساء؟

يحيى اليحياوي: لا أتصور أن منبرا يبلغ مستوى ما من التواجد على أساس من تصور ما, ويجد بالسوق تجاوبا ما, يمكن أن يسقط من عل بسهولة. من المبالغة حقا الادعاء بأن جريدة المساء ستنزل إلى مستوى مبيعات بعض الجرائد التي لولا اشتراكات وزرائها بالحكومة لما باعت عشر نسخ. الجرائد من هذه الفصيلة لا تفلس بين ليلة وضحاها.

السؤال الخامس: جريدة “الخبر” الجزائرية تعتبر من أكبر الجرائد انتشارا في شمال إفريقيا، إذ بلغت أرقام سحبها لوحدها خلال شهر أكتوبر 600 ألف نسخة. هل الشعب المغربي قارئ مزاجي؟

يحيى اليحياوي: جريدة الخبر حالة خاصة. هي صحيفة استطاعت أن تزاوج بين المهنية والرأي وطقوس القرب من المواطن. وهذا سر نجاحها, إلى جانب الجرأة التي تتميز بها, بمحيط باتت حرية الرأي به مكسبا غير قابل للارتداد. ثم هي جريدة متنوعة, يمكن للبسيط من الجزائريين أن يجد ضالته بها. قليلة هي المنابر عندنا التي ساءلت تجربة الخبر, ونسجت على منوالها.

تسألني عن القارئ المغربي. المغربي عموما ليس مدمن قراءة (القراءة بالمعنى الوظيفي), بل لا يعيرها اهتماما يذكر, ولربما يحتقرها بالقياس إلى كونها لا تطعم من جوع. ويستدل على ذلك بالقول: ما الفائدة من القراءة عموما, إذا كان أصحابها عرضة للبطالة والتهميش. القراءة هنا بمعنى “القراية”, في بعدها السوسيولوجي الصرف, وليس “القراءة العالمة”.

من جهة أخرى, فحتى نسبة من يتابعون مجريات الشأن الجاري, سئموا منابر باتت منشورات أحزاب, أو خطابات فجة, أو محكومة بمزايدات على هذه الجهة أو تلك من باب تصفية الحساب أو الابتزاز أو ما سوى ذلك. الصحافة بالمغرب لم تكن يوما صحافة قرب, هي تتواصل من فوق مع القارئ, ولا تتجاوب معه في معاشه اليومي ومشاكله الأساس.

أنا أزعم أن هيمنة صحافة الأحزاب هي التي أفسدت أرضية ظهور منابر جدية من قبيل “الخبر” وغيرها. ومع الأسف, فالأحزاب لم تدرك بعد أنها تطبع صحفها لقارئ غير موجود, فتبذر الورق والمداد هباء.

السؤال السادس: انحدار الصحافة الحزبية, بل موتها سريريا كيف تقرؤونه؟

يحيى اليحياوي: هو اندحار وليس انحدار. اندحار الصحافة الحزبية هو من اندحار الأحزاب الثاوية خلفها, ومن اندحار العمل والفعل السياسيين بالمغرب, لا بل لربما من اندحار السياسة. وهو أيضا من تزايد وعي المغاربة بلا جدوى وعدم نجاعة الديماغوجيا, والأبوية, وسيادة الرأي الواحد الآتي من فوق. هذا زمن ولى بالنسبة للمغاربة, سيما بزمن الفضائيات والإنترنيت وإمكانية الاطلاع عما يجري بالمغرب من خلال المواقع الألكترونية للصحف العالمية.

ثم كيف تريد لمواطنين أن يقرأوا صحف أحزاب قاطعوها بالانتخابات الأخيرة بنسبة تناهز السبعين بالمائة؟ أنا أتصور أننا بالمغرب لم نصل بعد إلى قناعة مفادها أن السياسة والصحافة ميدان متمايزان, حتى وإن تقاطعا بحكم التقائهما بالميدان العام.

السؤال السابع: قرابة 22 يومية مغربية تسحب حوالي 400 ألف, بينما جريدة الخبر الجزائرية وحدها تسحب 600 ألف، ما تعليقكم؟

يحيى اليحياوي: العبرة هنا ليست بعدد المنابر بقدر ما هي بمضمونها. ومضامين الصحافة المغربية بشكل عام لا ترقى إلى طموحات القارئ, أو لنقل الطلب. ثم إن صحفيينا وكتاب الرأي لدينا والقائمين خلف التحقيقات هم أضعف من زملائهم بالجزائر.

إذا كنت بأرض المعركة, وتوفرت لديك المؤن والعتاد وتوفرت على قادة ميدانيين متمرسين, وقادة سياسيين خلفهم يتخذون القرارات الصائبة, فإنك ستربح المعركة كيفما تكن طبيعتها. نحن ليس لدينا لا هذا ولا ذاك, اللهم إلا ما رحم ربك.

السؤال الثامن: ما الاقتراحات التي تراها مناسبة لجريدة ما كي تحافظ على مكانتها في سوق القراء؟

يحيى اليحياوي: أنا لست واعظا, ولا من مستحبي إسداء النصائح لهذه الجهة أو تلك. أزعم هنا أن البداية يجب أن تنطلق من البحث عن السر في نجاح منابر شبيهة لها بمحيط قريب منها. أنا دائما أقول إذا لم تنجح في التصميم, ابدأ بالنقل, ثم اعمل على توطين ما نقلت بأفق التمرس على التصميم. ما سوى ذلك سنبقى نجتر الخطابات من كل الأشكال والألوان.

السؤال التاسع: هل تنطبق نفس الوصفة على الصحافة الحزبية؟

يحيى اليحياوي: الصحافة الحزبية بالمغرب انتهت. وأزعم أنها انتهت بالعالم كله. ألم تقل بسؤال سابق لك بأنها بحالة موت سريري؟ ماذا ينتظر الميت سريريا من الطبيب؟