الرئيسية » مقالات » للمنجزات والواقع العراقي المعاش!

للمنجزات والواقع العراقي المعاش!


انطلقت في 12/12/2007 أعمال ملتقى إعمار محافظة البصرة الثالث بحضور السيد رئيس الوزراء ونائبه الدكتور برهم أحمد صالح والجهات المانحة. وفي هذا اللقاء طرح السيد رئيس الوزراء ما تحقق من منجزات على الصعيد الأمني , وأكد أنه قد طلب في أن يكون العام القادم مكرساً للإعمار والخدمات وإعلان الحرب على الفساد الإداري والمتلاعبين بالمال العام، الذين يجمعون بين رغبتهم الفاحشة بجمع الأموال والعمل السياسي , مضيفاً إلى ذلك قوله “طلبت من كل الأجهزة المعنية بالنزاهة ومكافحة الفساد أن تتصدى بقوة مع ملفات الفساد كافة، ابتداءً من مكتب رئيس الوزراء والوزراء”. ثم أشار إلى إنجازات سياسية تحققت في العام 2007 من خلال سن وتشريع القوانين التي تعتبر داعمة للعملية الاقتصادية كقانون الاستثمار.
ثم ألقى السيد نائب رئيس الوزراء الدكتور برهم صالح كلمة أكد فيها على مسألتين وهما: النجاحات في مجال الأمن , والمهمات في المجالين السياسي والاقتصادي , حيث جاء فيه:
” … بعد أيام من تسلم الملف الأمني من القوات البريطانية، لاشك أن هذا حدث مهم ومؤشر مهم على تطور القدرات الأمنية العراقية، ويضاف إلى المؤشرات الميدانية على تحسن الوضع الأمني بسبب الهزائم التي تلحقها قواتنا وبالتعاون والتنسيق مع أبناء العشائر والصحوات وعموم المواطنين الخيرين وبدعم وإسناد قوات التحالف الصديقة، بفلول القاعدة والتكفيريين والإرهابيين، لكن أمامنا تحديات أمنية ليست باليسيرة، ارتياحنا وفرحنا يبقى ناقصا وقلقا ما لم ننجح في تعميد انتصاراتنا الأمنية والعسكرية بانتصارين أساسيين هامين، الأول يتحقق بتحقيق الانتصار السياسي، بتحقيق المصالحة الوطنية من خلال التوافقات والاستحقاقات المطلوبة يجري الاتفاق عليها بين عموم القوى الوطنية العراقية التي تؤمن ببناء العراق الديمقراطي الاتحادي الموحد”. (الإنصات المركزي لمكتب الإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني 12/12/2007).
هذا ما جاء في ملتقى إعمار البصرة. وقبل ذاك وفي اجتماع العهد الدولي تحدث السيد المالكي عن النجاحات الكبيرة , وخاصة المصالحة الوطنية على المستوى الشعبي. وقد تولى الأخ الكاتب محمد عبد الجبار شبوط مناقشة ما قاله الملكي وما تقوله تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية عن الواقع العراقي والفجوة بينهما كبيرة جداً والتعارض شديد. والحقيقة تبرز في ما نشرته تلك المراكز الدراسية العديدة.
وإذ كنت أتفق مع السيد رئيس الوزراء والسيد نائبه عن تحقيق منجزات أولية في الملف الأمني رغم استمرار الموت والتدمير في مناطق غير قليلة من العراق , بما فيها منطقة الكرادة والمنصور وغيرها في بغداد , فأن الاختلاف مع رئيس الوزراء أكبر حين لا يتحدث عن النواقص الجدية في المجالين السياسي والاقتصادي , في حين يمكن الاتفاق أولياً بشأن التحديات الأساسية التي تواجه العراق في كونها سياسية واقتصادية , وأن الأمن لن يتكرس ما دامت تلك المشكلات غير محلولة , إضافة إلى كل ما يواجه العراق من إشكاليات يتعهد رئيس الوزراء بمعالجتها في سنة 2008. ولكن يبقى التساؤل كيف ينظر السيد نائب رئيس الوزراء إلى موضوع المصالحة ومن هي القوى التي يراد المصالحة معها , وهل نحن أمام مصالحة سنية شيعية على مستوى الأحزاب الإسلامية السياسية أم ماذا؟
فمن جانبي حين أتحدث عن المشكلة السياسية والمشكلة الاقتصادية في العراق وضرورات معالجتهما , لا أقصد بأي حال المصالحة السياسية بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية ولا أقصد فقط إعادة إعمار العراق , بل أقصد بالضبط قضايا أخرى يواجهها العراق , ولن يكون العراق مستقراً ومتقدما إذا استمرت جملة من المظاهر التي لا يريد السيد المالكي متابعتها ومعالجتها.
العراق أمام جملة من الإشكاليات السياسية التي لا بد من وضع اليد عليها لنتبين من خلالها مواطن الخلل في الواقع العراقي المعاش.
1. عراق اليوم لا يستند إلى مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي ناضل من أجلها الشعب العراقي طويلاً , بل هو عراق طائفي تتصارع فيه قوى الإسلام السياسي الشيعية والسنية حول من يحصل على حصة الأسد في هذه الدولة شبه الثيوقراطية وفي الحكومة وفي أجهزة الدولة؟ وحول من يحصل على النفوذ السياسي والاجتماعي ؟ ومن يستطيع السيطرة على أقصى ما يمكن من موارد البلاد المالية؟ ليس المقصود بالمصالحة قبول الأحزاب السياسية السنية بالأحزاب السياسية الشيعية أو في التقسيم الحصصي بينهما , بل في سيادة روح المواطنة والوطن والمجتمع المدني , في حين أن ما يبنى اليوم في العراق هو خليط مما يطبق عليه باللغة الشعبية “لا يطير ولا ينكض باليد” , وهو ليس العلمانية العقلانية التي يتحدث عنها السيد رئيس الجمهورية , بل أن ما يبنى في العراق بعيد كل البعد عن العلمانية والعقلانية والديمقراطية.
2. عراق اليوم تسود فيه الطائفية من قمة الحكومة إلى آخر حلقة في التنظيم الإداري والمؤسساتي الحكومي , فلا يمكنك أن تجد لك مكاناً في وزارة يقودها عضو من الأحزاب السياسية السنية إن كنت شيعياً أو كنت مستقلاً أو ديمقراطياً أو من أتباع ديانات أخرى. ولا يمكنك أن تجد موقعاً لك إن كنت سنياً في وزارة يديرها عضو في حزب إسلامي شيعي , وكذا الحال بالنسبة للديمقراطيين والتقدميين والمستقلين فلا مكان لهم في كل ذلك.
3. ليست الدولة العراقية الراهنة دولة مؤسسات ودولة قانون , دعْ عنك القانون الديمقراطي, بالرغم من وجود دستور ومن وجود مؤسسات كالبرلمان. الأسئلة التي تطرح على الجميع ويطرحها الجميع: من قتل مدير شرطة الحلة؟ من فجر بيت إحدى عضوات رابطة المرأة في النجف؟ من يقتل المسيحيين في البصرة؟ من يقتل النساء بحجة غسل العار على نطاق اسع في سائر أرجاء العراق؟ من ينهب نفط البصرة ووفي غير البصرة؟ من يهجر الناس بالقوة أو يفرض عليها الهجرة طوعاً خشية الموت بعد تهديد مريع حتى وصل مجموع المهاجرين الجدد أكثر من ثلاثة مليونين ونصف المليون إنسان؟ من يرسل في النجف رسائل تحمل طلقة؟ دعوني أكاشفكم الحقيقة , فالناس تقول بكل وضوح ودون تردد بأن من يقوم بذلك هم جيش المهدي وفيلق بدر , أي من عناصر وقوى من داخل الأحزاب الحاكمة , وهم ليسوا من أفراد القاعدة في مدينة البصرة مثلاً المبتلاة بالهيمنة الإسلامية السياسية الرجعية والمدعومة بقوى إيرانية! هل هناك دولة قانون و80 عضواً من مجلس للنواب يغادرون العراق ويتركون عملهم في المجلس النيابي بذريعة أداء فريضة الحج , في وقت يعاني العراق من حالة استثنائية تحتاج على قوانين جديدة؟ فهل ستقبل حجتهم وهم يشاركون بصورة غير مباشرة بمسؤولية سقوط كثرة من البشر بسبب عدم متابعتهم للأوضاع في العراق؟
4. هل يعتقد السادة في الحكومة العراقية أن وجود أحزاب سياسية في العراق يعني الديمقراطية أو وجود منظمات مجتمع مدني؟ لدي الثقة الكاملة في أن أقول لكم بان هذه الأحزاب غير قادرة على التحرك بحرية أو طرح ملاحظاتها على الوضع في العراق بحرية , إذ أنها ستفقد الكثير من الأعضاء مباشرة , لأن المليشيات الطائفية المسلحة من بدر والتيار الصدري أو من غيرها مستعدة للإجهاز على هؤلاء الناس وقتلهم دون رحمة ودون أن يشعروا بتأنيب الضمير.
5. حين كتب مسيحيون يشيرون إلى قتل المزيد من المواطنات والمواطنين من أتباع الديانة المسيحية , كان الجواب الموت في العراق يشمل الجميع , مع إضافة تقول لا تثيروا هذه المشكلة بهذه الصورة لكي لا تتدخل دول أجنبية في الوضع في العراق. ألا تذكرنا هذه الإجابة بما كان يجري في وقت لا نتمنى عودته , ولكن نعيش جملة من مظاهره اليوم في العراق؟ يومياً يقتل مسيحيون في البصرة أو تغتصب امرأة أو تجبر عائلة ما على الهجرة إلى أماكن أخرى أو إلى خارج العراق , فهل هذا هو العراق الذي كان الناس يناضلون من اجل زوال النظام السابق؟
6. لقد ولى نظام البعث وولى المتوحشون من صبيته الأوباش من دست الحكم ومن أجهزته القمعية التي تحولت لتعمل في الظلام أو في وضح النهار , ولكن ألا ترون أننا ابتلينا بصبية لا يقلون وحشية عن أولئك وهم يشكلون قوام جيش المهدي وجمهرة كبيرة من فيلق بدر وهيئة علماء المسلمين السنة وغيرها , وهم يمارسون الإرهاب على كل الناس , إلا من احتمى بالمنطقة الخضراء , إذ لا يمكنهم الوصول إليهم بسهولة , وربما ستخترق هذه المنطقة أيضاً كما اخترقت في السابق أثناء وجود الأمين العام للأمم المتحدة في مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء العراقي أو في التفجيرات الداخلية التي حصلت؟
أوضاع العراق غير جيدة ما دامت الطائفية سائدة فيها , أوضاعنا ستبقى سيئة ما دامت الرغبة في إقامة دولة ثيوقراطية تتجلى سماتها في مقدمة الدستور وفي بعض بنوده المهمة , أوضاعنا ستبقى متخلفة ما دام السعي لمكافحة النهب والسلب والفساد المالي والإداري مؤجلة إلى العام 2008 , والله أعلم , في حين أنها يمارسان على أوسع نطاق ممكن وهما المنظمان لعمل أجهزة الدولة حالياً!
أشك في السيد رئيس الوزراء لا يعرف بأن القانون لا يخرق من القوى الإرهابية أياً كانت العباءة التي تتستر بها والأيديولوجية التي تحتمي خلفها أو الحزب السياسي الذي تنتسب إليه حسب, بل ومن داخل الحكومة ومن بعض أجهزتها ومن مواقع أساسية في أجهزة الدولة. والقانون يخرق بفظاظة من هؤلاء ومن قوى حزبية تشترك في حكم البلاد أو في عضوية مجلس النواب وخارجه.
14/12/2007 كاظم حبيب